الرباط – «القدس العربي»: انفتح جرح الرعاية الصحية للفنانين مرة أخرى، وعادت إلى الذاكرة مشاهد نجوم كبار عانوا الأمرين، بعد أن أنهك المرض وتكاليفه الفنان الأمازيغي عمر بوتمزوغت، واضطره إلى طلب المساعدة من زملائه وكل المتعاطفين معه. ليتصدر بذلك، مرة أخرى، واجهةَ المشهد الفني جدل قديم يتجدد كلما وجد فنان نفسه وحيدا في مواجهة شبح المرض.
هذه الحالة الراهنة أعادت الواقع الصحي والمادي للفنانين المغاربة إلى الواجهة، حيث جدد فاعلون إعلاميون وفنانون مطالبهم بضرورة إيجاد حلول جذرية للرعاية الصحية والاجتماعية للفنانين، خصوصا أولئك الذين يعيشون من أعمال متقطعة ولا يتوفرون على دخل قار يمكنهم من مواجهة تكاليف العلاج والاستشفاء.
وكان الفنان عمر بوتمزوغت، أحد أبرز رواد الأغنية الأمازيغية في الأطلس المتوسط وصاحب حضور فني تاريخي، قد وجد نفسه أمام تكاليف علاج كيميائي وفحوص دورية مكلفة، أدخلته في ضائقة مالية حادة دفعته إلى مناشدة أصحاب القلوب الرحيمة وزملائه في الوسط الفني.
ولم تتأخر تلبية النداء، إذ شهدت مدينة الخميسات، مقر سكن الفنان، زيارة قافلة تضامنية نظمها عدد من الفنانين والإعلاميين والفاعلين الجمعويين، بهدف تقديم الدعم المعنوي والمادي المباشر له والتخفيف من حدة تداعيات المرض، إلى جانب إطلاق حملات توعية وتضامن واسعة على منصات التواصل الاجتماعي للمساهمة في تغطية مصاريف الاستشفاء.
غير أن هذا التضامن، على أهميته الإنسانية، أعاد في الوقت نفسه طرح سؤال أكبر: لماذا يجد الفنان نفسه، بعد سنوات من العطاء، مضطرا إلى طلب المساعدة عندما يشتد عليه المرض؟
ويضع الفنان والقيادي النقابي السابق عمر جدلي حالة بوتمزوغت ضمن واقع أوسع تعيشه شريحة كبيرة من الفنانين المغاربة، موضحا في تصريح لـ «القدس العربي» أن الحديث عن وضعية الفنان لا ينبغي أن ينطلق من صورة عدد محدود من نجوم التلفزيون والفنانين الذين يتوفرون على مداخيل منتظمة، وإنما من واقع فئات واسعة من المشتغلين في المسرح والموسيقى والفنون الشعبية والتراثية وغيرها من المهن الفنية.
ويرى جدلي أن هؤلاء الفنانين يعيشون في كثير من الحالات وضعية هشاشة، بسبب غياب العمل المنتظم وديمومة الدخل، وهو ما يجعل المرض أكثر من مجرد أزمة صحية، إذ يتحول إلى أزمة اجتماعية ومالية يصعب معها تحمل تكاليف العلاج والأدوية والتحاليل والاستشفاء.
وبحسب جدلي، فإن المشكلة لا ترتبط فقط بغياب الشغل، وإنما أيضا بغياب انتظامه، إذ قد يشتغل الفنان في عمل مسرحي أو فني لفترة محدودة، بمداخيل لا تسمح له بتأمين شروط الحياة الكريمة، خصوصا مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتعدد الالتزامات الأسرية. وفي هذه الوضعية، يصبح أداء واجبات التغطية الصحية بشكل منتظم أمرا صعبا بالنسبة إلى فنان لا يعرف متى سيأتيه العمل المقبل ولا كم سيحصل منه.
ومن هنا، يعتبر جدلي أن معالجة الوضع الصحي للفنان لا يمكن فصلها عن سؤال الشغل والدخل، لأن التغطية الصحية والحماية الاجتماعية تظل مرتبطة بوجود عمل منظم ودخل يسمح للفنان بتحمل أعبائها. ويقول إن «الورش الوطني للتغطية الصحية» يمثل مبادرة مهمة، غير أن خصوصية المهن الفنية تفرض تكييف آليات الاستفادة منه مع واقع العمل غير المنتظم الذي يميز شريحة واسعة من الفنانين.
وتتجاوز المشكلة، في نظره، مسألة أداء واجب التغطية الصحية إلى طبيعة العلاقة المهنية نفسها، إذ لا يزال جزء كبير من الفنانين يشتغلون في ظروف لا توفر لهم الاستقرار أو الضمانات الكافية. فغياب إطار موحد ينظم العلاقة بين الفنان والمشغل يترك المجال أمام تفاوت كبير في الأجور وشروط العمل والتعويضات.
وهنا يستحضر جدلي قانون الفنان الصادر سنة 2016، معتبرا أن محدودية تنفيذ عدد من نصوصه التنظيمية أضعفت أثره في تحسين أوضاع الفنانين. ومن أبرز هذه النصوص عقد الشغل النموذجي، الذي يفترض أن ينظم العلاقة بين الفنان والمشغل ويحدد الحقوق والواجبات وشروط العمل، بما يضمن قدرا أكبر من الاستقرار والحماية المهنية.
وحسب المتحدث، لا ترتبط هشاشة الفنان بغياب العمل فقط، وإنما أيضا بعدم انتظامه، إذ يشتغل كثير من الفنانين لفترات متقطعة وبمداخيل محدودة، ما يجعل تحمل تكاليف العلاج والتغطية الصحية أمرا صعبا. لذلك، يرى أن معالجة الوضع الصحي للفنان تظل مرتبطة بتنظيم الشغل وضمان دخل أكثر استقرارا، مع تكييف آليات الحماية الاجتماعية مع خصوصية المهن الفنية.
أما بطاقة الفنان، فيعتبرها جدلي آلية أساسية للاعتراف بالمهنة وتنظيمها، غير أن دورها، في نظره، ينبغي ألا يقتصر على إثبات الصفة المهنية، بل أن تكون جزءا من منظومة متكاملة تحمي الفنان وتنظم الولوج إلى المهنة وتساهم في صون حقوق المشتغلين فيها. ويؤكد أن قانون الفنان يتضمن آليات مهمة لحماية المهنة وتنظيمها، لكنها تظل محدودة الأثر ما لم يتم تطبيق النصوص التنظيمية المرتبطة بها.
ومن بين المطالب التي يطرحها الفنانون في هذا السياق، إنشاء آليات مستدامة للحماية الاجتماعية والتكفل بالحالات الصحية الحرجة، وتوسيع الاستفادة من الخدمات الصحية، إلى جانب تفعيل بطاقة الفنان وتوفير شروط تجعلها أداة حقيقية لخدمة المهنيين، وليس مجرد وثيقة إدارية.
ولم تتوقف الأصوات المتضامنة مع بوتمزوغت عند حدود التكفل الفردي والجماعي، بل امتدت لتفتح نقاشا واسعا حول دور وزارة الشباب والثقافة والتواصل والمؤسسات الوصية في توفير حماية اجتماعية وشبكة أمان صحي مستدامة للفنانين.
وفي هذا السياق، يحمل جدلي الوزارة الوصية جانبا أساسيا من مسؤولية معالجة اختلالات القطاع، داعيا إلى تشخيص وضعية الفنانين وفتح حوار مع المنظمات المهنية والنقابات. كما ينتقد تركز الدعم في فئات محدودة، معتبرا أن تمويل المشاريع والتظاهرات الفنية لا يكفي لضمان شروط مهنية واجتماعية لائقة، ما لم يرافقه تنظيم واضح وعدالة أكبر في توزيع فرص العمل والدعم.