بغداد/المدى
كشف المرصد العراقي لحقوق الإنسان، اليوم الأحد، عن وجود فجوة كبيرة بين أعداد الموقوفين في قضايا الاتجار بالبشر وعدد الضحايا الذين جرى التعرف عليهم رسمياً خلال عام 2025، محذراً من أن هذا التفاوت يعكس خللاً في آليات تشخيص الضحايا وإجراءات العدالة.
وقال المرصد، في بيان، إن إجمالي الموقوفين في قضايا الاتجار بالبشر خلال عام 2025 بلغ 5107 أشخاص، في حين لم يتجاوز عدد الضحايا الذين وثقتهم الجهات المختصة 385 ضحية، أي ما يعادل 7.5% فقط من إجمالي الموقوفين.
وأوضح أن هذه المؤشرات تمثل خلاصة دراسة موسعة سيصدرها قريباً بعنوان “هندسة الاستغلال وفجوة العدالة”، تستند إلى الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهات الأمنية والقضائية، إلى جانب شهادات ميدانية لضحايا الاتجار بالبشر، بهدف تقييم واقع هذه الجرائم ومدى انسجام آليات مكافحتها مع الالتزامات القانونية والدولية للعراق.
وأشار المرصد إلى أن ظاهرة الاتجار بالبشر في العراق ارتبطت بالتحولات التي شهدتها البلاد منذ عام 2003، ومنها ضعف مؤسسات الدولة، والنزاعات المسلحة، والنزوح، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، فضلاً عن توسع نشاط شبكات الجريمة المنظمة، ما وفر بيئة ملائمة لاستغلال الفئات الأكثر هشاشة.
وأكد أن هذه الجرائم لم تعد تقتصر على حالات فردية، بل تحولت إلى نشاط منظم تديره شبكات تعتمد أساليب الاستدراج عبر وعود العمل أو السفر أو الزواج، ثم نقل الضحايا وإخفائهم ومصادرة وثائقهم وفرض ديون عليهم، وصولاً إلى استغلالهم لتحقيق مكاسب مالية.
وبيّن المرصد أن النساء والأطفال والنازحين واللاجئين والعمال الأجانب وذوي الإعاقة يشكلون الفئات الأكثر عرضة للاستغلال، مشيراً إلى أن هذه الجرائم تمثل انتهاكاً مباشراً للحقوق الأساسية وفي مقدمتها الحق في الحياة والحرية والكرامة الإنسانية.
وبحسب الإحصاءات، سجل الاستغلال الجنسي تفكيك 127 شبكة، وتوقيف 1385 متهماً، وصدور 505 أحكام بالإدانة، مقابل 89 ضحية فقط. أما التسول المنظم فسجل تفكيك 16 شبكة، وتوقيف 2107 متهمين، وإصدار 39 حكماً، مقابل 25 ضحية، وهو أعلى معدل تفاوت بين أعداد الموقوفين والضحايا.
وفي ملف تهريب المهاجرين واستغلال العمالة الأجنبية، جرى تفكيك 63 شبكة، وتوقيف 740 متهماً، وتسجيل 233 ضحية، مقابل 16 حكماً بالإدانة. كما شهدت قضايا الاتجار بالأعضاء البشرية تفكيك 18 شبكة، وتوقيف 248 متهماً، وإدانة 48 شخصاً، مقابل 12 ضحية، فيما سجلت قضايا بيع الأطفال تفكيك 19 شبكة، وتوقيف 75 متهماً، وإدانة 39 شخصاً، مع توثيق 26 طفلاً بوصفهم ضحايا.
وأضاف المرصد أن السلطات تعاملت خلال العام مع 2696 ورقة تحقيقية، أنجزت منها 1888، فيما بقيت 808 قيد الإجراءات. كما صدرت 815 مذكرة قبض، نُفذ منها 526، وبقيت 289 غير منفذة، في حين بلغ عدد المحكومين بالإدانة 711 شخصاً، أي نحو 14% فقط من إجمالي الموقوفين.
ورأى المرصد أن الفجوة الكبيرة بين أعداد الموقوفين والضحايا تشير إلى خلل بنيوي في إجراءات الفرز والتصنيف داخل مراكز الشرطة والجهات التحقيقية، الأمر الذي قد يؤدي إلى معاملة بعض الضحايا باعتبارهم متهمين، مثل النساء المستغلات في شبكات الاستغلال الجنسي، أو الأطفال المجبرين على التسول، أو العمال الأجانب الذين تعرضوا للاستغلال.
وأكد أن هذا الواقع يتعارض مع بروتوكول باليرمو الذي انضم إليه العراق عام 2009، وكذلك مع قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012، واللذين ينصان على ضرورة التمييز بين الجاني والضحية وعدم معاقبة الأشخاص الذين ارتكبوا أفعالاً تحت الإكراه أو نتيجة الاستغلال.
ودعا المرصد السلطات العراقية إلى تطوير آليات تحديد صفة الضحية، واعتماد بروتوكولات وطنية موحدة وفق المعايير الدولية، وإنشاء مراكز إيواء متخصصة للأطفال الضحايا، وتسريع التحقيقات وتنفيذ أوامر القبض، إلى جانب توسيع برامج التأهيل والتعويض، وتشديد الرقابة على شركات التشغيل والاستقدام، وتعزيز حملات التوعية المجتمعية للحد من هذه الجرائم.