يقولُ صلاح بوسريف في رثائه لشاعر (الغموض المضيء): «غيابُ الشاعر حُضُورُه، صمتُهُ كلامُهُ، وشعرُهُ سحرُهُ، وما يكونُ كرَّسَ لهُ وجودَهُ من موْتٍ، هو، في نهايَةِ وُجُودهِ، بدايةُ حياتِهِ، لكن، بما هو أبد».
يُعدُّ محمد السرغيني شاعراً، على الرغم من كتاباته في النقد والرواية والترجمة والمسرح. وذلك، من خلال، عدد ليس بالهين من أعماله الشعرية؛ «ويكون إحراق أسمائه الآتية»، و»بحار جبل قاف»، و»الكائنُ السّبئي»، و»مَن فَعَل هذا بجماجمكم»، و»احتياطي العَاج»، و»تحتَ الأنقَاض فَوق الأنقَاض» الذي نال إثره جائزة المغرب في صنف الشعر، سنة 2013. وسبق أن حاز جائزة أركانة العالمية من قِبَلِ بيت الشعر في المغرب سنة 2005.
شرعَ في الكتابَة الشعريَةِ منذُ أربعينيات القرن الماضي، (حوالي سنة 1948). بنفَسٍ شعرِيّ رومانسي تقليدي (أشعار ما قبل الديوان الأول)، نظراً لتكوينه التقليدي الأوّلي، حيثُ درس في القرويين. لكن مساره الدراسي المختلف عن سابقه، بين بغداد، والسوربون التي نال فيها درجة دكتوراه الدولة سنة 1985، واشتغاله بالتدريس في التعليم العالي، جعَلَهُ ينخرطُ في مضمار الحداثة الشعرية، ولم يَركَنْ إلى التقليدية، على غرار جل مجايليه من الشعراء، الذين رفعوا عقيرتهم الشعرية باسم الحداثة، بل عمل على خرق ذلك النظام، فبين يديه انهار جدار برلين بين الشعر والنثر، بل بين الأنماط الشعرية نفسها، أيضاً. وقد أكّدَ هذا في حوار، قائلا: «قصيدة النثر، والقصيدة التفعيلية، والقصيدة العمودية، تسميات باطلة! يُمكنُكَ أنْ تكتُبَ شعراً بابتسامة… الحواس الخمس تشتركُ في الكتابة الشعرية… يُكتبُ الشعر باللاّلغة؛ أيْ بالحواس الخمس، تُضاف إليها الحاسّةُ السّادسة، حاسّةُ الحدْس».
إنّ التمعُّنَ في هذه القريضة، من شأنه أن يثيرَ جدلاً محتدماً بين النقاد، بل بين الشعراء أنفسهم، من الذين ظلوا أوفياء لصاحبهم الخليل بن أحمد الفراهيدي، ولو بطرف مما أقام عليه الشعر في نظره، وفي نظرهم أيضاً. من هنا، تنبَجِسُ، بخصوص الكتابة الشعرية لدى الشاعر محمد السرغيني، تساؤلات إشكالية، نظرا لما تعرفه من استغلاق، وما تتميزُ به من غموض بشتى أصنافه، وتلاوينه. وبذلك، هل كان السرغيني شاعراً؟ وإلا ما قيمة كل الأعمال التي بسطها بين يدي القراء والنقاد والشعراء أيضاً. وبأي معنى هو كذلك؟ وما خصائص هذا الشعر؟
وبتعبير أكثر مُباشَرَةً، كيف يمكنُ النّفاذ إلى هذا المتن الشعري، الذي قد اسْتَعْصَى على العديد من القرّاء والنّقّاد. ودليل هذا قلة الدراسات التي حظي بها هذا المتن. والتي خاضت فيه، لم تسْفِرْ سوى عن نفخة في رماد، ولم تمسك بجذوة الكلام الشعري، أو عما كان يصبُو إليه السرغيني، ربما، أو كما أعْتقِد…
لهذا، أحاولُ النبشَ في هذه الأرض البوار، واستنبات افتراضات لقراءة شعره، وبما يليقُ به من قيمة إبداعية، وفنية، وجمالية، لا يمكن التغاضي عنها، وفي الوقت نفسه، لا يمكن الكشف عنها منذ الوهلة الأولى، وبالمرجعيات نفسها، والإواليات ذاتها، التي دأبنا عليها نحن النقاد، في التعامل مع الشعر الذي لم يعبُر بعدُ إلى الكتابي، وهذا إن يعدّهُ قليل من شعرائه الجسورين.
وَفْقَ هذَا السيّاق، ما سأطرحه، هو اجتهاد، وثمرة اشتغال على شعر السرغيني في أثناء إعدادي لبحث أطروحة الدكتوراه في موضوع (قصيدة النثر المغربية في الألفية الثالثة بلاغة الإبداع وجمالية التلقي 2000-2016).
بداءة، إذا كان «الغموض» قد أثار نقاشا واسعا بين النقاد، بشأن ما كتبه الشاعر محمد السرغيني، فإنه ينبغي الوعي بأن الأمر لا يتعلق بـ»اللغة» أو بـ»الصورة الشعرية»، أو بما شابه ذلك. أو بما يطلق عليه «الغموض الدلالي»، بل الأمر هنا يعود إلى طبيعة «التفكير الشعري»، ولا علاقة له بـ»التعبير الشعري»، نظرا لتسرب الفلسفة بشتى اتجاهاتها وخلفياتها ومرجعياتها في أفق بناء جمالية النص الشعري. مع اعتماد قطيعة، شبه نهائية، مع المرجعية التاريخية، بل الواقعية أيضا، من خلال الرؤية المأساوية القاتمة التي قوامها الذات الشاعرة، عن طريق «التداعي الحر»، أو ما يمكن وسْمُهُ بـ»كتابة اللاوعي».
من هنا، يمكنُ الحديث عن «المُركّب الشّعرِي» الذي يُعدُّ مزيجا من جميع هذه الرّوافد، إلا إذا كان الأمرُ ينفلتُ من قبضة الكتابة، نظراً لضبابية الفكرة أو الرؤية الشعرية، والسرغيني بعيد كل البُعد عن هذا الاحتمال. وبذلك، إنّ مفهوم (المركب الشعري) هنا، ينعكسُ على مستوى الكتابة الشعرية في شكل طبقات متراكمة، ومتراكبة تستدعي بحثا أركيولوجيا متعدد المناحي والاتجاهات. علاوة على هذا، يحضر ضمن هذه المرجعية الشعرية، المنفلتة والشائكة، مفهوم «متخيل الذات الشاعرة/ الباطنية»، حيثُ نجدُ أن النص الشعري ينغلقُ على نفسه بنفسه، نظرا للاستراتيجية التي عمدت إليها الذات الشاعرة، وهي ما يمكنُ نعته بـ»الباطنية» وهي مفهوم أعمق من «التصوف» الذي نعت به بعضهم الكتابة الشعرية لدى الشاعر محمد السرغيني. مع العلم أن هناك اختلافا واضحا بين ما يمكن نعته بالكتابة «الصوفية»، وما يمكنُ نعتُهُ بالكتابة «التصوفية».
يتبدى من خلال هذا المفهوم، أنّ الذات الشاعرة، تقطعُ الصلة بالمرجعية الواقعية تماما، من خلال علميات نفسية وذاتية، قوامها التأمل، والاستبطان، حيثُ إن الكتابة الشعرية هنا، وإن كانت كتابة بجميع الحواس، فهي تعمد إلى التخييل الذاتي، الذي يتجوازُ الحسّي نحو الحدسي، وهو ما أكده الشاعر من قبل (الحاسة السادسة) أو الحدس. وهذا يستوجبُ، على القارئ، أو الناقد، في أثناء قراءة هذا المتن الشعري، استحضار الحدس الشعري، باعتباره من أهم إواليات اختراق المركب الشعري.
وبذلك، تتأطّرُ الكتابة الشعرية، لدى الشاعر محمد السرغيني بـ»الرؤيا» عوض «الرؤية». لكن ليس المقصود بها هنا، ما دأب عليه الشعر العربي الحديث، بل هي «رؤيا المشهد» التي ترتبطُ بتخييل زمني للذات الشاعرة. وهنا يمكن استحضار مفهوم الزمن في «فيزياء الكم»، فإذا كان الزمن الماضي يتميز بالترتيب والتنظيم، لأنه في عداد الماضي، فإن الزمن المستقبلي زمن فوضوي. وهنا تعمل الذات على نقل الحاضر من نطاقه الزمني الخاص به، نحو الزمن المستقبلي عن طريق التخييل الباطني والحدس، وذلك نحو أفق الفوضى الخلاقة التي من شأنها خلق جمالية مخالفة لما مضى ولما هو كائن هنا والآن.
إن الكتابة الشعرية، لدى الشاعر محمد السرغيني لا يمكن تأطيرها إلا ضمن أدب «ما بعد الحداثة»، لكونها مناهضة للتمثيل والمحاكاة، ومن هنا، إذا كانت «الواقعية هي تكرار الحركات القديمة، التي تضفي عليها ألفتها تأثيرا واقعيا، ومظهراً يعكسُ الواقع. (فإن) الحداثة وما بعد الحداثة حركات وألعاب لغوية جديدة تعملُ على إلغاء التمثيلات الراسخة وتأثيرها الواقعي» ، لهذا، بقدر ما تأتي الكتابة الشعرية هنا، غير قابلة للتمثيل، بقدر ما تهدف إلى تقديم «ما لا يمكنُ تمثيله في عدم قابليته للتمثيل»
كاتب مغربي