“إن سبيل النصر وتحقيق حقوق الأمة في هذه الحرب يكمن في العمل وفقاً لتوجيهات القيادة وخارطة طريق دقيقة تقوم على المقاومة والعقلانية والاستخدام الأمثل لكل القدرات الأمنية والدبلوماسية لفرض إرادتكم على العدو وتقليل أضرار الحرب الاقتصادية على الشعب”، هذا ما قاله محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان ورئيس فريق التفاوض الإيراني الثلاثاء، في بيان مطول وبليغ حافل بالدعوات إلى “الوحدة والتزامن”، و”طاعة القيادة” والتوصية بعدم الاستماع إلى الأصوات التي تسعى إلى بث الفرقة والخوف. ووصف قاليباف التحديات التي يواجهها النظام والشعب حالياً، وكانت له أيضاًرسالة شخصية.
“لقد كرست حياتي لمحاربة العدو. لا أخشى الحرب مع العدو أو الافتراء أو التهديد أو الدمار، وأريد الانضمام إلى أصدقائي وقادتي في هذا الدرب”، قال. تشير هذه الأقوال بوضوح إلى صراعات النفوذ الدائرة علناً منذ أسابيع بين الأقطاب الراديكالية المعارضة للمفاوضات، أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، وبين الجهات الساعية إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، بمن فيها قاليباف نفسه. لا يقتصر هذا التنافس على المستوى السياسي والإعلامي فقط، بل يملي أيضاً مكان إطلاق الصواريخ ومن تستهدفها ومتى، والأهم من كل ذلك من يصدر الأمر.
على سبيل المثال، ليس واضحاً من قرر مهاجمة القواعد العسكرية الأمريكية في عُمان يوم الأحد، بعد وقت قصير من مغادرة وزير الخارجية عباس عراقجي للعاصمة مسقط عقب نقاش مطول حول الترتيبات المحتملة لحل أزمة الملاحة في مضيق هرمز. هل كان هذا قرار المجلس الأعلى للأمن القومي برئاسة محمد باقر ذو القدر، خليفة علي لاريجاني الذي اغتيل في آذار؟ وهل يعرف وزير الخارجية حتى بوجود نية للهجوم؟ هل يتم إبلاغ قاليباف مسبقاً بكل قرار يتخذه الحرس الثوري، حتى وهو ينشغل بمهمة دبلوماسية حساسة؟
الأهم، أين مجتبى خامنئي الذي يتحدث قاليباف باسمه؟ ليس هو وحده، بل إن خصومه أيضاًيستخدمون اسم المرشد الأعلى أو تصريحات منسوبة إليه لتأكيد صحة مزاعمهم بعضهم ضد بعض. هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في إدارة النزاعات المسلحة الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران.
حسب قاليباف، تعتبر هذه النزاعات جزءاً من سياسة الرد و”عدم الخوف” في مواجهة قوة الولايات المتحدة، لكنها أيضاً عنصر ضروري في إدارة الصراع الدبلوماسي. “يتم تحديد الخط الفاصل بين الحرب والتفاوض مع العدو بناء على المصالح الأمنية والمصالح الوطنية، ويعهد للمرشد الأعلى والقائد الأعلى بتحديد استخدام كل أداة من هذه الأدوات وفقاًلمتطلبات الزمان والظروف”. وأوضح: “نحن ملزمون بالسعي نحو الحرب أو الدبلوماسية أو كليهما، وفقاًللمهمة التي حددها المرشد الأعلى”.
لا يختلف هذا الموقف كثيراً عن موقف ترامب، الذي يهدد بإلحاق أضرار جسيمة ببنى تحتية إيرانية،”إلى أن يوافقوا على العودة إلى طاولة المفاوضات”. لا يتعلق الأمر بتدمير النظام أو “تدمير حضارة إيران”، بل هو وسيلة لإجبار إيران على التفاوض. المفارقة تكمن في أن الطرفين يقران بأن مذكرة التفاهم قد فقدت صلاحيتها، ويتهم كل منهما الآخر بارتكاب انتهاكات جوهرية، مثل: تجديد العقوبات الأمريكية على إيران، وشن الجيش الأمريكي هجمات على أهداف داخل حدودها، في حين يتهم الطرف الإيراني بشن هجمات على ناقلات نفط وأهداف أخرى في الدول العربية. لكن استخدام مصطلح “الانتهاكات” بحد ذاته، ربما يشير إلى أن الطرفين ما زالا يعتبران مذكرة التفاهم الأساس لأي مفاوضات مستقبلية.
مع ذلك، واضح في الولايات المتحدة من يتخذ القرارات، بينما ما زال الأمر غامضاً في إيران. ولهذا الأمر، أثار عملية على أرض الواقع، حيث تملي الخلافات والمنافسات السياسية تطورات تنفذ بتصعيد الصراع وتدهوره إلى حرب شاملة. ومع اضطرار قاليباف للدفاع سياسياً عن أهمية الدبلوماسية (“المفاوضات ليست حلاً وسطاً، بل جزء من استراتيجية المقاومة”، كما قال)، وللدفاع عن نفسه ضد منتقديه الذين يطالبون بإقالته، يصعد الإيرانيون الآن تهديدهم بإغلاق مضيق باب المندب قبالة سواحل اليمن في حال شنت الولايات المتحدة هجمات على منشآت الطاقة في إيران.
التقرير الذي يفيد بأن إيران أمرت الحوثيين بالاستعداد لإغلاق المضيق، وأن قواتهم انتشرت بالفعل في مواقع تتيح لها مهاجمة السفن، لا يضمن امتثال الحوثيين لأمر طهران، حتى لو صدر. ولكنه يحتم علينا افتراض أنهم سيتصرفون على هذا النحو. ولا حاجة للخوض في تفاصيل الأضرار الاقتصادية العالمية المترتبة على ذلك. فهذه التجربة معروفة من الحملة السابقة ضد الحوثيين.
ستكون الضربة الأولى والرئيسية من نصيب السعودية، التي حولت خط أنابيب النفط الذي يمر في المملكة من شرق بقيق وصولاً إلى مدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر، حيث شريان التصدير الرئيسي. ورغم أن هذا الخط قادر على نقل حوالي 7 ملايين برميل نفط يومياً، فإن محطات التحميل في ينبع لا تستوعب سوى 4 – 4.5 مليون برميل كل يوم. نظرياً، في حالة إغلاق مضيق باب المندب، سيبقى بإمكان السعودية تسويق نفطها عبر قناة السويس، ولكن القيود الملاحية في القناة تمنع مرور ناقلات النفط العملاقة، لذا ليس أمام السعودية إلا الطريق الشرقي نحو آسيا. مع ذلك، إذا قرر الحوثيون إغلاق الملاحة في المضيق، فلن يكون أمام السعودية طريق تصدير آمنة.
وتتضمن قصة باب المندب خللاً خطيراً آخر في طريقة إدارة الولايات المتحدة للمفاوضات. فعندما نوقشت اتفاقية وقف إطلاق النار في نيسان، طالبت إيران بتطبيقها في كل الجبهات، لا سيما في لبنان. وافقت الولايات المتحدة على هذا الشرط، وفرضت على إسرائيل وقف إطلاق النار في لبنان، وقف جزئياً في البداية ثم وقفاً كاملاً، لكنها لم تشترط انضمام الحوثيين للاتفاق. يبدو أن ترامب قد اعتمد على اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصل إليه مع الحوثيين في 6 أيار 2025 والذي تعهدوا فيه بعدم مهاجمة السفن في البحر الأحمر، باستثناء السفن الإسرائيلية أو المتجهة إلى إسرائيل.
ولكن الحوثيين أوضحوا في حينه بأنهم سيتجاهلون وقف إطلاق النار إذا هاجمت الولايات المتحدة أو إسرائيل، إيران. وقد امتنعوا عملياً عن شن أي هجمات خلال حرب الـ 12 يوماً في حزيران 2025، ولم يستأنفوا هجماتهم على السفن غير الأمريكية إلا في تموز، حيث أغرقوا سفينة ترفع علم ليبيريا. والآن، سيتعين على الحوثيين أن يقرروا إذا كانوا يريدون انهيار وقف إطلاق النار الذي وقعوه مع السعودية في العام 2022 بشكل كامل، والذي انتهك بشكل واضح للمرة الأولى في هذا الأسبوع عندما هاجموا أهدافاً في السعودية بالصواريخ رداً على قصف مدرجات مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين.
وقد تحررت إيران بالفعل من علاقاتها التقليدية مع دول الخليج، بعد أن أثبتت الأخيرة عجزها عن حمايتها من هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل. والآن، ليس هناك أي دولة عربية قادرة على التأثير في إيران، فضلاً عن إملاء تحركاتها. على النقيض،يجد ترامب نفسه محاصراً بضغوط تجبره على مراعاة المصالح الإقليمية والدولية إلى جانب الضغوط الداخلية.
يصعب إحصاء المرات التي تراجع فيها ترامب عن نواياه للهجوم، وأوقف عمليات القصف الكثيف قبل بدايتها بقليل، ومنح نفسه المزيد من الوقت للتفاوض، مرة بناء على طلب من باكستان، ومرة أخرى بفضل السعودية أو قطر التي تمكنت من وقفها، وأحياناًوفرت إيران الذريعة لاستئناف جلسات الوساطة. في نهاية الأسبوع سيتضح إذا كان ترامب سيعثر هذه المرة أيضاً على وسيط يقدم له الدعم المطلوب للتخلص من خطر استئناف الحرب.
تسفي برئيل
هآرتس 17/7/2026