تبدو مجموعة الشاعر نبيل نعمة التي تحمل عنوان (حرس) مغامرة شعرية ليس على صعيد الشكل، بل على صعيد الكتابة التفاعلية ما بين المنتج والمستقبِل، فمع أن التلقي الشعري ليس في أحسن حالاته، وبعد شيوع انتشار الشعراء أكثر من الشعر كما يذهب البعض من منتقدي قصيدة النثر، يأتي الشاعر المسكون بالقلق في نصوصه التي ينشرها، لكي يكون مجربا ومجددا، حسبما يرتأيه، فينتج مجموعة شعرية خالية من التنقيط الحروفي وكأنه يعود إلى اللبنة الأولى في كتابة الحرف العربي، ليس لمجرد أنه يريد الانتهاء من فاعلية وهيمنة (النقطة)، بل ليجعل المستقبِل مشاركا معه في إعادة صياغة الجملة الشعرية، وبالنتيجة القصيدة كلها من خلال فاعلية مخيلته هو لا مخيلة المنتج، وهو ما يمكن تسميته بالتفاعلية السائلة، أو التفاعلية الإنتاجية.
ربما لهذه الطريقة محاسنها في إعادة التواصل بين اثنين، أو أنها تريد مشاغلة المستقبِل المفكّر، وجذب المستقبِل الذي يريد المباشرة. وبعيدا عن الرأي القطعي بأهمية مشروعه في الكتاب الجديد، فإن عملية تفحيص الاشتغال في كيفية إنتاج النصوص، ما يجعلنا نقترب من هذه المجموعة.
الاشتغال وتجريد النص
تمثل المجموعة، بكل تأكيد، مشروعا جماليا ونقديا واعيا، يتجاوز مجرد السعي إلى الغرابة أو التجديد الشكلي. فمن خلال تصفح ثنايا الكتاب وبيانه الاستهلالي، تتضح الرؤية التي يقترحها الكاتب لهذا النمط من الاشتغال، ويمكن تلخيصها في المحاور الآتية:
التمرد الوجودي وتحرير الدلالة (خيانة النقطة) لا تبدو «النقطة» مجرد علامة إملائية، بل أداة تاريخية «حولت اللغة إلى نظام قاس وجدار عال يقيد احتمالاتها». ومن ثم، فإن تجريد النص من النقاط في المتن الشعري يشكل محاولة لزعزعة النظام اللغوي التقليدي، وكسر القيود التي فرضها النحو والسلطة والتقاليد على عملية التلقي. فغياب النقطة لا يعني مجرد حذف علامة ترقيم، بل إلغاء فكرة النص المكتمل ذي القراءة الواحدة.
إنتاج لغة سائلة مفتوحة على الاحتمالات يتحول النص، في غياب النقاط، إلى فضاء دلالي متعدد، أو كما يصفه الكاتب: «شاشة ضوئية تحتاج إلى تمعن». فكل كلمة تصبح قابلة لأكثر من قراءة، وبالتالي لأكثر من تأويل، بحيث لا ينتج النص عن فعل الكاتب وحده، بل عن تفاعل القراء أيضا. فالكلمة الواحدة تحمل احتمالات دلالية متعددة تبعا لطريقة توجيهها. فعلى سبيل المثال، يمكن لجذر (ح ر س)، الدال على السلطة والقيود، أن يقرأ في غياب النقاط بوصفه «خرس»، فيحيل إلى الوجه الصامت للغة، أو «جرس»، فيغدو إيذانا بكسر السكون وإيقاظ فعل التلقي.
إعادة تعريف العلاقة بين الكاتب والقارئ لا يخاطب هذا المشروع القارئ المتخصص وحده، بل يمنح القارئ العادي أيضا دورا فاعلا في إنتاج المعنى. فالمتلقي لا يبقى مستهلكا سلبيا للنص، بل يتحول إلى شريك في بنائه. وانطلاقا من فكرة أن النصوص «تموت عندما نطمئن إلى اكتمالها ويحسم معناها»، تتيح تجربة الحروف الخالية من النقاط لكل قارئ أن يقترب من معناه الخاص، وأن يمارس ما يمكن تسميته «قراءة الاحتمالات».
استعادة الطفولة الأولى للغة يمثل هذا المشروع عودة إلى ينابيع اللغة الأولى، إلى ما قبل التقعيد والنحو، حيث تتحرر الكلمة من القيود الإملائية لتستعيد طاقتها الصوتية والبصرية. إنها محاولة لاختبار اللغة في حالتها البكر، حين كانت أكثر التصاقا بالحواس وأقل خضوعا للأنظمة.
وعليه، لا تبدو هذه التجربة مجرد مغامرة أسلوبية، بل ممارسة واعية لما يمكن وصفه بـ»المقاومة اللغوية»، إذ ترفض اختزال اللغة في معنى واحد أو صوت واحد، وتمنح الحرف حرية الحركة، والنص قدرة دائمة على إنتاج معان جديدة تتجدد بتجدد قرائه.
التفرد لا الفرادة
لا يمثل «حرس» أول تجربة في الكتابة الخالية من النقاط، فقد عرف التراث العربي هذا اللون من التأليف فيما اصطلح على تسميته بـ «الأدب المهمل»، حيث كتب البلغاء والشعراء خطبا وقصائد كاملة بالحروف غير المنقوطة، وكان الهدف آنذاك إبراز القدرة اللغوية والمهارة البلاغية ضمن قيود شكلية صارمة.
غير أن تجربة نبيل نعمة تنطلق من منطلق مختلف. فهي لا تستعيد هذا التقليد بوصفه تمرينا لغويا، بل تعيد توظيفه داخل قصيدة النثر المعاصرة ليصبح جزءا من مشروع جمالي وفلسفي. فغياب النقاط لا يؤدي وظيفة زخرفية، وإنما يتحول إلى وسيلة لتحرير الكلمة من دلالتها الواحدة، وفتح النص أمام احتمالات تأويلية متعددة.
ومن هنا لا تكمن خصوصية التجربة في التقنية ذاتها، بل في الوظيفة التي تؤديها. فالحرف المهمل ينتقل من فضاء الاستعراض البلاغي إلى فضاء التجريب الشعري، ويغدو أداة لإعادة النظر في العلاقة بين اللغة والمعنى، وبين الكاتب والقارئ. وبهذا المعنى، يقدم «حرس» محاولة لدمج تقنية تراثية في سياق حداثي، يمنحها وظيفة جديدة تتجاوز الإبهار الشكلي إلى مساءلة بنية النص وآليات إنتاج الدلالة.
العنوان وفاعلية الاشتغال
يشكل عنوان المجموعة، «حرس»، العتبة الأولى للدخول إلى عالمها، إذ يختزل الفكرة التي يقوم عليها المشروع بأكمله. فالكلمة، في غياب النقاط، لا تستقر على معنى واحد، بل تنفتح على قراءات أخرى، مثل «خرس» أو «جرس»، وهو ما يجعل العنوان نفسه نموذجا عمليا لفلسفة الكتاب.
وتتعدد الدلالات تبعا لهذه القراءات؛ فـ«الحرس» قد يحيل إلى سلطة اللغة وقوانينها، وإلى كل ما يفرض على النص حدودا ومعاني جاهزة، بينما يرمز «الخرس» إلى الصمت الذي يسبق تشكل المعنى، في حين يوحي «الجرس» ببداية الإيقاع وإيقاظ فعل القراءة. وهكذا يتحول العنوان إلى مساحة تأويلية مفتوحة، لا تفرض معنى بعينه، وإنما تدعو القارئ إلى اختباره بنفسه.
ومن هذه الزاوية، لا يؤدي العنوان وظيفة التعريف بالنص فحسب، بل يعلن منذ البداية طبيعة المغامرة التي يقترحها الكتاب، حيث يصبح كل لفظ قابلا لإعادة التشكيل، وكل قراءة احتمالا جديدا لإنتاج الدلالة.
الاشتغال والتفاعل
لا تقوم التفاعلية في «حرس» على الوسائط الرقمية أو التقنيات الإلكترونية، كما هو الحال في الأدب التفاعلي المعاصر، وإنما تنشأ من داخل النص نفسه. فغياب النقاط لا يحول القصيدة إلى لغز ينتظر الحل، بل يجعلها مفتوحة على إمكانات متعددة، بحيث يغدو فعل القراءة جزءا من عملية الكتابة.
في هذا السياق، يتخلى الكاتب عن جزء من سلطته التقليدية على النص، إذ لا يفرض مسارا واحدا للمعنى، بل يترك للقارئ مساحة واسعة لإعادة تشكيل الكلمات وتوجيه دلالاتها. ومن ثم لا يقتصر دور المتلقي على فك شيفرة النص، وإنما يشارك في إنتاجه، عبر اختياراته اللغوية والتأويلية.
ويكمن جوهر التجربة في أن اختلاف القراءات لا يعد انحرافا عن النص، بل أحد مكوناته الأساسية. فالكلمة الواحدة قد تقود إلى أكثر من معنى، والجملة قد تنفتح على أكثر من سياق، وهو ما يمنح القصيدة قابلية دائمة للتجدد، ويجعلها تنتج نصوصا موازية بتعدد قرائها.
ومن هنا تختلف تجربة «حرس» عن الأدب التفاعلي الرقمي، الذي يعتمد على البرمجيات والروابط التشعبية لتوجيه القارئ بين مسارات جاهزة، بينما يعتمد هذا المشروع على اللغة ذاتها، وعلى قدرة الحرف العربي على توليد الاحتمالات. فالتفاعل لا يحدث عبر الشاشة، وإنما داخل وعي القارئ، الذي يصبح مطالبا بإعادة بناء النص في كل قراءة.
ولعل أهم ما يحققه هذا الاشتغال هو إعادة الاعتبار إلى فعل القراءة بوصفه ممارسة إبداعية، لا تقل أهمية عن فعل الكتابة. فالنص لا يقدم معناه دفعة واحدة، بل يظل قابلا لإعادة التشكل مع كل قارئ جديد، الأمر الذي يمنحه حيوية تتجاوز حدود القصيدة التقليدية، حتى وإن ظلت هذه التجربة مفتوحة على أسئلة تتعلق بحدود التأويل وإمكانات التواصل مع القارئ غير المتخصص.
نقاط القوة وحدود التجربة
تنطوي تجربة «حرس» على قدر واضح من الجرأة، لأنها لا تكتفي بتغيير شكل الكتابة، بل تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين النص واللغة والقارئ. ومن أبرز ما يميزها قدرتها على توظيف غياب النقاط بوصفه أداة لإنتاج دلالات متعددة، تجعل القصيدة فضاء مفتوحا للتأويل، وتمنح المتلقي دورا أكثر فاعلية في بناء المعنى. كما أن المشروع يستند إلى رؤية فلسفية واضحة، عبر بيانه الاستهلالي، فلا يبدو مغامرة شكلية بقدر ما يقدم تصورا متكاملا عن الكتابة بوصفها فعلا مفتوحا على الاحتمال.
ويحسب للتجربة أيضا بعدها البصري، إذ تضفي الكلمات غير المنقوطة إيقاعا تشكيليا يذكر بالمخطوطات العربية القديمة، ويمنح الصفحة حضورا جماليا يسبق فعل القراءة، فيتداخل البعد البصري مع البعد اللغوي في إنتاج أثر النص.
ومع ذلك، فإن هذه المغامرة لا تخلو من تحديات. فاعتمادها على نصوص خالية من النقاط يفرض على القارئ جهدا تأويليا كبيرا، قد يجعلها أقرب إلى القارئ المتخصص منها إلى القارئ العام. كما أن هذا القيد الأسلوبي قد يحد أحيانا من حرية الكاتب في اختيار مفرداته، بما قد يوقع بعض النصوص في قدر من التكلف أو التضحية بالسلاسة لصالح الفكرة.
ومن جهة أخرى، فإن اتساع مساحة التأويل، على الرغم من كونه أحد أهم عناصر قوة المشروع، قد يؤدي أحيانا إلى ابتعاد بعض القراءات عن المقاصد الأصلية للنص، بحيث تصبح سلطة القارئ أكبر من سلطة الكاتب. وهذه مفارقة لا تنتقص من قيمة التجربة، لكنها تطرح سؤالا نقديا مهما حول الحدود الفاصلة بين حرية التأويل وضياع المعنى.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات، تظل «حرس» تجربة لافتة في سياق قصيدة النثر العربية، لأنها لا تستعيد تقنية تراثية لمجرد إحيائها، وإنما تعيد توظيفها داخل مشروع حداثي يسعى إلى مساءلة اللغة نفسها. ومن هنا تكمن قيمة الكتاب؛ فهو لا يقدم وصفة جديدة لكتابة القصيدة، بقدر ما يفتح بابا للنقاش حول طبيعة النص، وحدود المعنى، ودور القارئ في إنتاجه، وهي أسئلة ستظل مفتوحة أمام النقد، سواء اتفق مع هذه المغامرة أم اختلف معها.
كاتب عراقي