مجلس الوزراء الجزائري يكرّس التوجّه نحو تنفيذ حكم الإعدام.. وانقسام حزبي واسع حول العقوبة


الجزائر ـ “القدس العربي”: حدّد مجلس الوزراء الأخير في الجزائر بدقة الجرائم المعنية برفع التجميد عن تنفيذ عقوبة الإعدام، في بيان يؤكد اعتزام الرئيس عبد المجيد تبون تكريس هذا الخيار الذي يثير انقساما حادا في الطبقة السياسية، بين المؤيدين من التيارين الوطني والإسلامي، والرافضين من التيار الديمقراطي والمنتمين إلى الحقل الحقوقي.

وجاء الحسم هذه المرة في اجتماع مجلس الوزراء، بعدما كان الرئيس تبون في اجتماع أخير قد وجه وزير العدل بإعداد مشروع لتعديل قانون العقوبات في أعقاب الحرائق التي ضربت عددا من ولايات شرق البلاد وخلفت قتلى وخسائر مادية واسعة. وأوضح البيان ان التعديلات المتعلقة بالعقوبة القصوى ستقتصر على حالتين، هما “مفتعلو ومدبرو الحرائق عمدا”، و”مختطفو القصر والمنكلون بهم“.

ويعني ذلك أن التوجه الذي أعلن عنه الرئيس لا يتعلق، وفق ما ورد في قرارات مجلس الوزراء، بإعادة تنفيذ عقوبة الإعدام بصورة عامة في مختلف الجرائم التي ينص عليها القانون، وإنما بتحديد فئات بعينها ضمن مشروع تعديل قانون العقوبات. ويأتي هذا التوضيح في وقت اتسع فيه النقاش السياسي والحقوقي حول طبيعة الجرائم التي يمكن أن تشملها العودة إلى تنفيذ الأحكام الصادرة بالإعدام.

وفي المقابل، لم يهدأ الجدل داخل الطبقة السياسية، بل بدا أن الملف يعيد رسم اصطفافات واضحة بين أحزاب ترى في العقوبة القصوى أداة للردع وحماية المجتمع، وأخرى تعتبر العودة إلى تنفيذها تراجعا في مجال حقوق الإنسان والضمانات القضائية.

وكان التجمع الوطني الديمقراطي وهو ثاني أحزاب الموالاة الممثلة في البرلمان، من بين الأحزاب التي أعلنت دعما واضحا للتوجه الرئاسي، مثمنا الإجراءات التي اتخذتها السلطات للتكفل بالمتضررين وإعادة الخدمات وترميم السكنات والتعويض عن الخسائر.

وربط الحزب موقفه من عقوبة الإعدام تحديدا بالحرائق العمدية، معتبرا أن تشديد العقوبات على المتسببين فيها مبرر بحجم الخسائر التي لحقت بالأرواح والممتلكات والثروة الغابية والحيوانية والتنوع البيئي. ويؤكد هذا الموقف أن قطاعا من الاحزاب ذات الخلفية الوطنية يتعامل مع العودة الى تنفيذ الاعدام من زاوية الردع ومواجهة الجرائم التي تعتبر ذات اثر بالغ على المجتمع.

الموقف نفسه برز لدى جبهة العدالة والتنمية ذات التوجه الإسلامي، التي عبرت عن استغرابها مما وصفته بمحاولة إخراج النقاش حول إعادة تنفيذ عقوبة الإعدام من سياقه وربطه حصرا بحقوق الإنسان، معتبرة ان طبيعة الجرائم المرتكبة والآثار التي خلفتها على الضحايا وعائلاتهم يجب أن تكون في صلب النقاش.

ورأت الجبهة أن حقوق الضحايا لا ينبغي أن تغيب عند مناقشة حقوق المتهمين والمحكوم عليهم، وذهبت في بيانها الى ربط بعض المواقف الرافضة للعقوبة بسياق أوسع يتعلق بموقع الدين وأحكام الشريعة في المجتمع. ودافعت عن تطبيق العدالة وصيانة امن المجتمع، رافضة ان تتحول حقوق الانسان، بحسب تعبيرها، الى غطاء لحماية مرتكبي الجرائم.

وفي حركة مجتمع السلم، جاء الموقف الداعم على لسان ناصر حمدادوش، نائب رئيس الحركة، الذي اعتبر في تصريح لـ “القدس العربي” ان قسوة العقوبة ينبغي ان تكون من حجم الجريمة، داعيا الى توجيه التعاطف الانساني اولا الى الضحايا. وقال إن تفعيل وتنفيذ عقوبة الإعدام من شأنه رفع مستوى الردع وتعزيز الأمن الاستباقي، معتبرا أن العقوبة القصوى لا تكون قاسية إلا بقدر ما تتناسب مع طبيعة الجريمة.

واستند حمدادوش أيضا إلى استمرار تطبيق عقوبة الإعدام في عدد من الديمقراطيات، معتبرا أن الاختلاف لا يتعلق فقط بمبدأ العقوبة، وإنما أيضا بتحديد الجرائم التي تستوجبها وكيفية تصنيفها وتكييفها قانونيا.

لكن في الضفة المقابلة، جاءت مواقف الأحزاب الديمقراطية رافضة بوضوح للعودة إلى التنفيذ. واعتبر حزب جيل جديد ان الحزم في مواجهة الجريمة لا ينبغي ان يقصي العدالة، مشيرا إلى أن معالجة ظاهرة الحرائق تتطلب البحث في أسبابها الحقيقية، سواء تعلق الامر بالتغير المناخي وتدهور الغطاء الغابي والسلوكيات غير المسؤولة، او بفرضية وجود اعمال تخريبية تستهدف استقرار الدولة والمجتمع.

وبالنسبة للحزب، فان عقوبة الإعدام لا يمكن ان تكون حلا سحريا لظاهرة معقدة، كما أن البت في مسألة بهذه الحساسية لا ينبغي ان يتم بمعزل عن حوار وطني واسع يأخذ في الاعتبار الجوانب القانونية والأخلاقية والحقوقية. وانتهى موقفه إلى الدعوة للحفاظ على تجميد تنفيذ العقوبة.

وذهب يوسف أوشيش، السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية  “الأفافاس”، في الاتجاه نفسه، معلنا رفض حزبه الصريح للعودة إلى تنفيذ عقوبة الإعدام. وقال إن التعامل مع الجرائم لا ينبغي أن يقوم على ردود الفعل تحت تأثير الغضب والصدمة، حتى مع تفهم مشاعر المجتمع أمام الجرائم البشعة.

ويرى “الافافاس” أن عدم تنفيذ الإعدام منذ سنة 1993 لا يعني التساهل مع المجرمين أو إفلاتهم من العقاب، بل يمكن، وفق خطابه، ان يكون تعبيرا عن قدرة الدولة على مواجهة الجريمة دون التخلي عن المبادئ المرتبطة بالحق في الحياة والكرامة الانسانية.

كما أكد عثمان معزوز رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية معارضته الصريحة لأي توسيع لعقوبة الإعدام، مشيرا إلى أن نواب حزبه سيصوتون ضد كل مشروع قانون يهدف إلى إعادة أو توسيع تطبيقها. كما دعا إلى نقاش مجتمعي حول القرار بدل الاكتفاء برد فعل عاطفي، وهو نفس الموقف الرافض الذي الذي ذهبت إليه الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون.

ويعيد هذا الانقسام السياسي فتح ملف ظل قائما في الجزائر منذ أكثر من ثلاثة عقود. فالمحاكم لم تتوقف عن اصدار احكام بالاعدام في الجرائم الخطيرة، لكن تنفيذ هذه الأحكام توقف فعليا منذ سنة 1993، في سياق العشرية السوداء، من دون أن تلغ العقوبة من قانون العقوبات.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *