دمشق ـ «القدس العربي»: بحث المبعوث الرئاسي الخاص للولايات المتحدة الأمريكية إلى سوريا والعراق توم براك، أمس الأربعاء، مع الرئيس السوري أحمد الشرع، أوضاع المنطقة والتعاون والتنسيق في ملفات ذات اهتمام مشترك.
براك القادم من الدوحة، بعد مشاركته في منتدى الأمن العالمي، حيث دعا دول المنطقة إلى بناء تحالفات إقليمية وتعزيز التعاون المشترك، وعدم الاعتماد على الولايات المتحدة لحل مشكلاتها وأزماتها، وصل دمشق، قبيل زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الأسبوع المقبل إلى سوريا، هي الأولى له منذ إسقاط نظام الأسد.
وأعلنت الرئاسة السورية عبر صفحتها الرسمية على «تليغرام»، أن الشرع استقبل اليوم (أمس) في قصر الشعب في دمشق، براك، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني.
وجرى خلال اللقاء «بحث تطورات الأوضاع في سوريا والمنطقة، والتعاون والتنسيق في عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك، بما يخدم مصالح البلدين ويُسهم في تعزيز الأمن والاستقرار».
واعتبر عضو مجلس الشعب نوار نجمة في تصريح لـ«القدس العربي» أن زيارة براك إلى دمشق تأتي في سياق حلقة متصلة من مسار متصاعد وثابت يربط بين دمشق واشنطن، واللقاء بين الشرع وبراك ليس حدثاً عابراً أو تقليدياً، بل هو ترجمة حية لعلاقة وثيقة تتوطد يوماً بعد يوم، وتستمد رصانتها من ثقة متبادلة تجاوزت الأطر الدبلوماسية التقليدية لتكتسب أبعاداً شخصية واضحة. وبين أن الثقة المتبادلة تتجلى في الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي طالما عبر عن تقديره العميق لإمكانيات الرئيس الشرع، وقدرته الفذة على تفكيك التحديات الراهنة، وتقديم مقاربات سياسية واقعية للأزمات المعقدة، مشيرا إلى أنها الرؤية نفسها التي ترجمتها تصريحات براك الأخيرة في الدوحة، التي أثنى فيها على إدارة دمشق لملفات السياسة الخارجية بحنكة وبصيرة.
وعلى هامش مشاركته في منتدى الأمن العالمي، الثلاثاء، دعا برّاك إسرائيل إلى وقف عملياتها العسكرية في سوريا، مثنيا على كيفية إدارة الرئيس الشرع للمرحلة الانتقالية في ظل ظروف صعبة، وقال إن الرئيس الشرع مستعد للتوصل إلى تفاهم مع إسرائيل، بما في ذلك اتفاق عدم اعتداء قد يمهّد لتطبيع العلاقات بين الجانبين، موضحا أنه متفائل بإمكانية التوصل إلى تفاهم من دون أن يعني ذلك إنجاز اتفاق نهائي.
أبعد من الثنائي
وأكد نجمة أن الشراكة المتينة التي أكد عليها براك، تجعل من لقاءات دمشق وواشنطن منصة لمناقشة قضايا الشرق الأوسط الكبرى، لا سيما تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة، وانعكاساتها الخطيرة على الملاحة في المضائق الحيوية والاستقرار الاقتصادي والسياسي عالمياً وإقليمياً، فضلاً عن مسار الأزمات المتشعبة في اليمن، وفي قلب هذه الملفات، يحضر الموقف السوري ـ الإسرائيلي كأولوية استراتيجية.
واعتبر نجمة أن الخطاب الأمريكي الأخير يشكل تطورا ملموسا نحو التفهم، بل والتبني، للموقف السوري الداعي إلى التهدئة ومعالجة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة بالسياسة لا بردات الفعل العسكرية التي قد تدفع المنطقة إلى حافة الانفجار.
نجمة لـ«القدس العربي»: تباعد رؤى بين أمريكا وإسرائيل حول سوريا
وأردف: هنا يبدو بوضوح حجم التباعد في الرؤى بين الحليف الأمريكي والجانب الإسرائيلي؛ فالولايات المتحدة تنظر اليوم إلى سوريا كدولة حليفة ومستقرة، وقطب رئيس في صناعة حلول المنطقة، في حين لا تزال إسرائيل تنظر بقلق بالغ إلى صعود دور دمشق الإقليمي.
وشدد على أن القلق الإسرائيلي لا يستند إلى مبررات أمنية حقيقية، بل يعكس ريبا بنيويّا من قيام دول مستقرة في المنطقة، سعيا وراء استراتيجيات أقدم تقوم على الفوضى والتقسيم، بينما تتقاطع رؤية واشنطن الحالية مع مقاربة الرئيس الشرع القائمة على الاستقرار، وإدارة الأزمات بروية واستثمار الوقت بمهارة بعيدة النظر.
وأكد نجمة أن التقارب في قراءة المشهد بين دمشق وواشنطن يتطابق تماماً مع الثوابت التي أعلنها وزير الخارجية أسعد الشيباني مؤخراً من بغداد، على هامش مشاركته في اجتماعات مجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، لجهة تمسك دمشق بضرورة عودة إسرائيل إلى حدود الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024.
وقال إن سوريا الجديدة لا تعترف بالطروحات الإسرائيلية التي تحاول فرض معادلات سياسية يرفضها الشارع والحكومة معا، ولن يتم التنازل عن شبر واحد من الجولان المحتل، ولا تراجع عن الحقوق الاستراتيجية السورية، معتبرا أن المواقف الأمريكية تكتسب طابعا إيجابيا بالغ الأهمية، متأثرة بمتانة قنوات التواصل المباشر والثقة العالية بين الرئيسين ترامب والشرع.
تغليب الحلول السياسية
وبين أن الدبلوماسية السورية تؤكد بوضوح أن بوصلتها موجهة نحو السلام والتهدئة وتغليب الحلول السياسية، بعيداً عن مغامرات تفجير المنطقة، وقال: هذا النهج ليس خياراً ظرفياً، بل هو ضرورة وطنية ملحة تقتضيها مصلحة سوريا العليا اليوم، وهي تخوض غمار ملحمة بناء الدولة الحديثة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، متكئة على استقرار داخلي وإقليمي تفتقده المنطقة منذ عقود.
وقبل وصوله العاصمة السورية، أطلق براك، الثلاثاء، من الدوحة، مواقف لافتة تجاه السياسة الأمريكية من ملفات المنطقة وعلاقات واشنطن مع دولها، وقال إن الولايات المتحدة تبتعد عن نهج محاولة السيطرة على الدول الأخرى، موضحا أنها ورغم ما سبق، ستحافظ على وجودها في منطقة الشرق الأوسط.
الزيدي إلى دمشق
وسبقت زيارة براك، الذي يوصف بمهندس علاقات دمشق وبغداد، زيارة ستكون الأولى من نوعها لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى العاصمة السورية الأسبوع المقبل.
ونقلت وكالة «شفق نيوز» العراقية عن مصدر حكومي عراقي الأربعاء، أن الزيدي سيجري زيارة رسمية إلى سوريا ولبنان الأسبوع المقبل، على رأس وفد حكومي، لبحث عدد من القضايا المشتركة بين بغداد وكل من دمشق وبيروت.
وقال المصدر إن لبنان سيكون المحطة الأولى في الجولة، قبل أن يتوجه الزيدي إلى سوريا، دون أن يحدد المصدر موعد الزيارة بالتفصيل أو أسماء المسؤولين الذين سيلتقيهم رئيس الوزراء العراقي.
وسبق أن التقى الشرع والزيدي في نيويورك، في أيلول/ سبتمبر الماضي، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبحثا سبل تعزيز العلاقات الثنائية، ولا سيما في المجالين الأمني والاقتصادي.
وتأتي زيارة الزيدي المرتقبة وسط تطور كبير في العلاقات الثنائية وخصوصا منها الاقتصادية حيث باتت سوريا واحدة من طرق تصدير واستيراد العراق للنفط ومشتقاته، مع الإعلان عن مشروع لنقل نفط البصرة إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية عبر أنبوب يصل حتى ميناء بانياس السوري على المتوسط، وباستطاعة ستصل إلى 2.5 مليون برميل يوميا، إلى جانب إعادة تأهيل الأنبوب الواصل بي حقول كركوك وبانياس باستطاعة 700 ألف برميل يوميا.