ما هي أهمية العقوبات البريطانية على إسرائيل؟


ردّت الحكومة الإسرائيلية على إعلان بريطانيا، أول أمس الأربعاء، على بيان شديد اللهجة مرفوقا بحزمة عقوبات ضد الاستيطان.
يظهر الرد ما بات مألوفا في طباع إسرائيل المتوحّشة ضد من ينتقدها أو يحاول الحد من إجرامها: هجمات من كبار المسؤولين الإسرائيليين على الحكومة البريطانية، ووزير خارجيتها إد ميليباند (الذي هو من أصل يهودي)، شارك فيها أيضا الحاخام اليهودي الأكبر في بريطانيا، وإعلانات عن إقفال القنصلية البريطانية في القدس المحتلة وطرد موظفين دبلوماسيين… وإعلان طرح مشروع بناء 1670 وحدة استيطانية جديدة (إضافة إلى ظهور نتنياهو ووزير حربه في شريط مصور من جبل الشيخ وهو يهدد دول المنطقة).
يعتبر ما حصل تغيّرا غير مسبوق في العلاقات البريطانية – الإسرائيلية، فحين يصف ميليباند ما يجري في الضفة الغربية بـ»التطهير العرقي»، وحين تتجسّد الإدانة في قيود على التجارة والاستثمار والخدمات المرتبطة بالمستوطنات، لا يعود الأمر مجرد بيان دبلوماسي يمكن لإسرائيل تجاهله. يعبّر البيان عن لغة سياسية جديدة تغادر هوامش اليسار الأوروبي ومنظمات حقوق الإنسان لتدخل في صلب سياسات حكومات غربية حليفة لإسرائيل.
لا تنبع أهمية العقوبات الجديدة على المستوطنات من حجم الخسارة الاقتصادية التي ستلحق بالمستوطنين. فهذه الخسارة، في ميزان الاقتصاد الإسرائيلي، محدودة، وقد لا تكون كافية لوقف بناء وحدة استيطانية واحدة. تكمن أهمية القرار في مكان آخر: في أن بريطانيا بدأت في كسر واحد من أكثر التابوهات رسوخا في السياسات الغربية تجاه إسرائيل، وهو الانتقال من إدانة نتائج الاحتلال إلى مساءلة الاحتلال نفسه.
تقوم العقوبات على فصل واضح بين إسرائيل والمستوطنات، وبين الدولة والمشروع الاستيطاني. يعتبر هذا الفصل مهما قانونيا، لأن الأراضي الفلسطينية المحتلة ليست جزءا من السيادة الإسرائيلية، ولا يجوز، حسب القوانين الأممية والدولية المتعلقة بالاحتلال، التعامل مع المستوطنات باعتبارها امتدادا طبيعيا لدولة إسرائيل.
يظهر هذا الفصل تناقضا على المستوى السياسي، لأنه يبدو وكأنه يتجاهل أسئلة أساسية عن الجهة التي بنت المستوطنات، وموّلت بناءها وشقت لها الطرق ووفّرت لها الكهرباء والمياه والحماية العسكرية، وأرسلت الجنود لحماية المستوطن الذي يستولي على أرض فلسطيني.
الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف أن المستوطنات ليست تمردا على الدولة الإسرائيلية وأنها أكثر مشاريع هذه الدولة استمرارية. لقد تعاقبت على إنشاء المستوطنات حكومات اليمين واليسار، التي اختلفت في سرعتها وأساليبها، لكنها لم تختلف على جوهرها. لهذا السبب يصبح من السهل جدا تحويل حظر منتجات المستوطنات إلى معادلة مريحة للضمير الغربي: نعاقب المستوطن، ونترك الدولة التي صنعته خارج دائرة العقاب.
قد تؤدي العقوبات إلى منع زجاجة نبيذ وصندوق برتقال وعلب الحمّص من دخول لندن، فيما تستمر التجارة عامرة مع الشركات والمصارف والمؤسسات الإسرائيلية التي تعمل داخل منظومة الاحتلال التي يقوم الاستيطان عليها. يمكن، بالطريقة نفسها، معاقبة «مستوطن متطرّف»، بينما تبقى العلاقات العسكرية والدبلوماسية طبيعية مع الحكومة التي يحرس جيشها ذلك المستوطن ويرعى هجمات قطعانه على البشر والأراضي والحيوانات والمياه وحتى الأجواء.
لا يمكننا تقليل شأن القرار فإدخال كلمة «العقوبات» إلى قاموس العلاقة بين إسرائيل وحلفائها الغربيين هو تطوّر مهم شارك في صنعه الآلاف من المواطنين البريطانيين والأوروبيين، الذين لم يتوقّفوا عن الإبداع في مظاهراتهم واحتجاجاتهم، وأشكال المقاطعة والتضامن مع الفلسطينيين، وأدى، في بعض الأحوال، لسجن بعضهم، أو خسارة وظائفهم، أو جامعاتهم.
كما أن تنسيق عدد من الدول الغربية قراراتها المماثلة يزيد من عزلة إسرائيل السياسية، ولو تدريجيا، فالتحوّلات الكبرى لا تبدأ دائما بإجراءات قادرة فورا على تغيير معادلات القوة التي تحكم العالم، ويمكن أن يبدأ تغيير ما أصبح ممكنا قوله وما أصبح مقبولا فعله، وعليه فإن الخطوة البريطانية ستُقاس بما يأتي بعدها.
إذا انتهى الأمر عند مقاطعة المستوطنات، فسنكون أمام عقوبات على هوامش الاحتلال مع حماية مركزه، أما إذا تحول الاعتراف بعدم شرعية الاحتلال إلى إعادة نظر في إجراءات التجارة والسلاح والعلاقات السياسية مع إسرائيل، فعندها فقط يمكن الحديث عن ابتداء الحساب الحقيقي، فإذا كان الاحتلال برمّته غير شرعي، كما قال ميليباند، فلابد في النهاية من الوصول إلى استنتاج حاسم: من يجب أن يدفع ثمن استمرار الاحتلال؟
لا بد من التذكير بأن الفضل بهذه الخطوة البريطانية يعود أولا لضحايا الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وضحايا انتهاكات جيش الاحتلال وإرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، ويعود ثانيا للجهود الدبلوماسية الحثيثة التي بذلها د. حسام زملط سفير فلسطين لدى المملكة المتحدة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *