كل عام وأنتم في مدارس…


في الأول من أيلول/سبتمبر، ومع عودة الطلاب إلى المدارس، تعود الحياة إلى روتينها الذي بدأ يتبلور في صورته الحالية منذ حوالي مئة عام في أوروبا وأمريكا، ثم انتقل تدريجياً إلى سائر دول العالم.
هنالك من يقول إن سبب عطلة الصيف كان في الأساس كي يشارك الأولاد مع ذويهم في جمع المحاصيل الزراعية. كذلك فإن حرارة الصيف تشكل ذريعة جيدة لإغلاق المدارس في غرف كانت خالية من التكييف.
في هذه الأيام، تعتبر عطلة الشهرين مدة طويلة، حتى إن الأهالي يتذمرون ويتمنون الإسراع في فتح المدارس للتخلص من عبء إدارة ساعات وأيام فراغ أبنائهم.
عاد مشهد طلاب المدارس مع حقائبهم الثقيلة على ظهورهم، أقدّر أن حقيبة طالب في صف ثالث ابتدائي أكثر من عشرة كيلوغرامات، المختصون يوصون بأن لا يزيد وزن الحقيبة على 15% من وزن الطالب، يعني على الوالدين اقتناء ميزان ووزن ابنهم وكتبه في كل الصباح.
أعتقد أن أكثر الطلاب يحملون ضعف التوصية، ولولا أن أكثرهم يصل السيارات لكانت مشكلة، خصوصاً لمن يقطنون بعيداً عن المدرسة، نحتاج إلى محارب كوماندو صغير وليس إلى طالبٍ طريّ العود.
بعضهم يجر حقيبة ذات عجلات كأنه مسافر في المطار!
هنالك دول بدأت في حل مشكلة الحقائب من خلال مكتبة في الصف، وهنالك دول متقدمة صارت تعتمد أكثر وأكثر على الكتب الرقمية، ولكنها لم تتخلّ عن الحقيبة.
لا يمكن الحديث عن المدارس من غير أن نتذكر أن هنالك شعباً يتعلّم في الخيام وفي العراء، ويتشارك عدد من الإخوة على الدفاتر والأقلام، وبعضهم يكتب على كرتون المساعدات الغذائية، لأن أكثر مدارسه دُمرت ولم تعد صالحة لاستقبال الطلاب الذين نقصت أعدادهم نتيجة حرب الإبادة.
تعود الاختناقات المرورية أكثر مما كانت عليه، الشوارع في بلداتنا ضيقة، ويكفي توقف مركبة واحدة في الطريق لتسبب اختناقاً طويلاً وراءها، ورغم التفاؤل الكبير في العام الدراسي الجديد، إلا أنه لا بد من التوتر بين الناس الذين يحتاجون المرور من الشارع.
تكتظ صفحات الأخبار المحلية بتكريم معلمين ومديرين تقاعدوا بعد عقود من العمل، بعضهم يعتبر خسارة للطلاب يصعب تعويضه، الجميع يثنون عليه وعلى أخلاقه وأسلوبه الإنساني في التدريس وعلاقته الطيبة مع الأهالي، وبعضهم يجري التهامس حوله «مليح إنه راح».
معظم الطلاب قضوا العطلة في السهر حتى ساعات الفجر الأولى يلعبون على شاشات رقمية، ثم النوم حتى ساعات متأخرة من النهار.
الأول من سبتمبر، ليلة الانقلاب على نظام استمر شهرين، محاولات شبه يائسة لفرض الانضباط الصباحي من جديد. يحتاج أكثرهم إلى عملية إعادة تأهيل.
معظم سكان البلدة قرروا الوصول بسياراتهم إلى النقطة نفسها وفي الدقيقة نفسها، وتسأل نفسك متى يعمل هؤلاء الناس إذا كان أكثرهم ينقلون الأولاد إلى المدارس في السابعة والنصف؟
أحدهم يوقف سيارته في وسط الشارع «دقيقة وبس» يحاول أن يُوقظ ابنه الذي نام في المقعد الخلفي، تبدأ الاحتجاجات لأنه أغلق الشارع الذي لا يتسع عرضه لأكثر من سيارة.
أم تجر طفلها وتوصله حتى بوابة المدرسة، يرحب بهما آذن المدرسة، تقبّل ابنها وتوصيه: «كُل الزوادة واشرب ماءً من مطرتك، لا توسخ ملابسك، دير بالك على أقلامك وكتبك ودفاترك، ولا تتشاجر مع أحد». ويرد ابنها البريء موافقاً على جميع البنود سوى البند الأخير «من يعتدي عليّ سوف أكسر يده أو رجله وأسحبه من شعره في الساحة».
لأ …لا نريد تكسير أحد، إذا اعتدى عليك أحدهم، يجب أن تخبر المدير أو مربية الصف!
يرد ابن التاسعة بوقار ابن ستين: «فقط إذا كان المعتدون من البنات لن أرد عليهن، عيب أن أضرب البنات صح؟ فقط أشكوهن للمدير… ثم يستدرك: أما الأولاد فمن يتنمر عليّ فسوف أقطع أذنه… وأدعس على وجهه».
ترد والدته مذهولة: من أين تأتي بهذا الكلام؟ نحن لا نريد مشاكل مع أحد. فيجهش الطفل بالبكاء ويردد: «طيّب أنا شو أعمل؟ الأولاد وسخين يتنمرون عليّ».
آذن المدرسة يرحّب بالطلاب ومرافقيهم، ويوقف السيارات كي يسمح للطلاب بعبور الشارع بأمان.
هنالك طالب تكاد أمه تدخل معه إلى الصف وهي تردد «حبيبي لا تخف…».
الولد لا يبدو خائفاً أصلاً، ولكنه يردّد «لا أريد العودة إلى المعلمة نبيهة.. إنها مقرفة».
يدخل طلاب الصفوف الأعلى بوجوه ناعسة، كأنهم مجموعة أسرى جرى تسليمهم عند الثامنة صباحاً.
تدور المعلمة على الطلاب كي يضع كل منهم هاتفه في سلة بلاستيكية وتحذر: «من أجد هاتفاً في يده يطرد من الحصة».
في غرفة المعلمين تبدأ سنة دراسية أخرى تمامًا.
جدول الحصص وثيقة خطيرة، أكثر من معلم يكتشف ظلماً وقع عليه شخصياً.
أحدهم يريد تغيير الثلاثاء لأنه يعمل بعد الظهر في مكان آخر، وآخر يريد تغييرات في دوام يوم الخميس، وثالث يريد الحصة الأولى يوم الأربعاء، ورابع لا يستطيع الوصول إلى المدرسة في الحصة الأولى لأنه يأتي من بلدة أخرى ومتذرعاً بالانسداد المروري الصباحي.
المدير يؤكد أنه متمسك بأحد المعلمين وبأكبر عدد من الحصص، والمعلم يفسر الأمر بأنه انتقام منه كي يحرمه من عمل إضافي.
آخر يسهب في الحديث عن العمل الذي لا ينتهي في الشارع… «السيارات تضطر إلى تغيير مسارها من غير سابق إنذار، أحياناً تشعر أنك في متاهة».
المدير الجديد يحاول أن يثبت جدارته وسيطرته منذ اليوم الأول.
رسمي جداً، يمشي في الممرات بين الصفوف، يسجل الملاحظات، يتصنّع الهيبة. المعلمون من جهتهم، يدرسون شخصية المدير الجديد!
هل هو عصبي؟ هل يتقبل النقاش أو الاعتراض؟ هل يسجل التأخيرات بالدقيقة؟ هل يسمح بالقهوة والتدخين؟ وسياسة «الباب المفتوح» التي أعلنها، هل هي حقيقة أم مجرد تعبير أدبي؟
يذكرون المدير الذي خرج للتقاعد بالخير: «الآن نعرف قيمته… الله يسهل عليه، كان ملاكاً مقارنة بهذا! لا تعرف قيمة الإنسان الحقيقية إلا بعد أن يغادر منصبه».
مع تطور وسائل وأدوات التدريس وطرق الحصول على المعلومات والتحليل، قد يتقلص دور المدرسة وتتحوّل وظيفة المعلم من ملقن للطالب إلى شريك في البحث معه وتوجيهه في طرق الاستغلال الصحيح لمصادر المعلومات والذكاء الصُّنعي، ويزداد توجه الناس إلى التعليم الخاص الذي قد يتجاوز بعضه الحدود بين الدول، ويبدو أن البنايات الضخمة ذات الطبقات التي تستوعب مئات الطلاب والمعلمين والموظفين بعشرات الغرف التدريسية والمكاتب والمختبرات، قد يتقلص دورها كثيراً في العقود المقبلة، وستصبح عملية إزالة مبنى كان مدرسة أمراً مألوفاً لتشييد مبنى في مكانها لأغراض أخرى تلائم روح العصر.
سيحتاج طلاب اليوم إلى ثلاثة أو أربعة عقود كي يكتشفوا أن المدرسة ليست مجرد كتب وامتحانات ومعلم غضوب وانضباط، بل هي المكان الذي تبقى بصمته في نفوسنا إلى الأبد، وسنذكره بالحب والحنين أكثر من أي مكان آخر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *