كيف يغير «جيل الشبكيين» معالم السياسة والمجتمع في المغرب؟


تمثل الشبكات الرقمية فضاء جديدا للتعبير وطرح الأفكار وتقاسم الرؤى، لدرجة أضحت كإعلام جديد يستأثر بالحدث ويؤثر في الواقع السياسي والاجتماعي، إذ أصبحت مجالا لصناعة الرأي العام وتشكل الهويات الرقمية وتأثير الدين والحركات الاحتجاجية على جيل الشبكيين.
ولعل هذا الجانب تحديداً هو ما يتجلى بوضوح في الكتاب الذي بين أيدينا هو «الشبكات الرقمية ودينامية الحقل الاجتماعي / السياسي بالمغرب» الطبعة الأولى، لمؤلفته المغربية بشرى زكاغ، تتناول فيه الشبكات الرقمية، كما يتضح من عنوانه، ويقع الكتاب في 416 صفحة من القطع المتوسط، وقد صدرت هذه الطبعة عام 2023، ضمن سلسلة أطروحات الدكتوراه، التي يصدرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في قطر، ويعتبر مرجعا سوسيولوجيا، لا غنى عنه، ويمثل إضافة مهمة للمكتبة السوسيولوجية المغربية والعربية، ومرجعا مهما للباحثين والمهتمين بالشبكات الرقمية، وتتمثل أهمية الكتاب أيضا في كثرة المصادر التي استندت المؤلفة إليها في كتابها، وأيضا في كون الكتاب هو أطروحة دكتوراه حصلت عليها الباحثة من جامعة محمد الخامس في الرباط عام 2020، وإضافة إلى كل ذلك اعتناء المؤلفة باستخدام الجداول التوضيحية والبيانات الإحصائية والصور التي تضمنها الجانب الميداني من الكتاب.


في ضوء ما سبق، ترصد بشرى زكاغ، وهي أستاذة علم الاجتماع في جامعة محمد الأول في وجدة، أهمية الشبكات الرقمية باعتبارها فضاءات تسهم في فهم أساليب جيل الشبكيين وردة فعلهم تجاه ما يروج من قضايا الشأن العام، وما يصدر عن المؤسسات والسياسيين من خطابات وقرارات. وتبعا لذلك، فالكتاب يبحث في فهم إشكالية الحدود بين الواقعي والافتراضي، بالإضافة إلى التداخل الحاصل بين الفضاءين في المغرب والعالم العربي ككل، بالموازاة مع هيمنة الشباب على الشبكي ومنصاته التفاعلية. ويركز الكتاب كذلك على استكشاف محتوى التقصي السوسيولوجي الخاص بدراسة الظاهرة الاجتماعية الشبكية، وتحديد الاتجاه الذي يسير فيه هذا المجال الجديد، من خلال تقديم المواقع الميدانية الناشئة، وما ينجم عنها من تفاعلات وتداخلات، إذ تشكل هذه المواقع فضاءات الاستقلالية الهجينة، حيث تسمح لمستخدميها بانتزاع مساحات من الحرية والاستقلالية وممارستها.

بنية الكتاب

يحتوي الكتاب على سبعة فصول ومقدمة عامة وخاتمة، بالإضافة إلى المراجع وفهرس عام وقائمة الجداول والأشكال والرسوم، كما أن كل فصل مسبوق بمقدمة تمهيدية ومذيل بخاتمة. وتناولت الكاتبة في المقدمة أنه لا خلاص خارج فضاء الشبكات الرقمية، باعتبار أن لا وجود لمن لا وجود له مرئيا في هذه الفضاء، بالنظر إلى التسارع والتطور الذي شهدته وسائل التكنولوجيا الحديثة، إذ تحولت من مجرد أدوات للتواصل والاتصال إلى قوى بيئية وأنثروبولوجية، تنشئ وتشكل واقعنا الشخصي والاجتماعي معا، وتغير فهمنا لذواتنا، والكيفية التي نتعامل بها مع بعضنا بعضا، إذا استطاعت هذه الأدوات الجديدة ابتداع بيئة اجتماعية افتراضية، حسب تعبير الباحثة.
وخصت المؤلفة الفصل الأول بالتركيز على المحددات النظرية والمفاهيمية حول مجتمع الشبكات الرقمية، من خلال العودة إلى المفاهيم المؤطرة لهذا المجال، عبر التطرق لمفاهيم من قبيل: إثنوغرافيا الإنترنت، والإنترنت، وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، تواصل واتصال، جيل شبكي، فضاء التدفقات، وفضاء الشبكات، ومجتمع شبكي، وواقع افتراضي. كما أبرزت الباحثة النظريات السوسيولوجية الأولى حول مجتمع المعلومات، واعتبرتها تمثل امتدادا لنظريات ما بعد الصناعة وتعديلا لها في الآن ذاته، حيث تعكس «الدور المتنامي للحوسبة والمعلومات الرقمية في الوساطة بين مجموعات متزايدة من أشكال النشاط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي».
وفي السياق ذاته، انفتحت المؤلفة على الدراسات السابقة حول الموضوع، حيت تطرقت لأعمال السوسيولوجي الإسباني كاستلز، من خلال ثلاثيته المشهورة عصر المعلومات، ثم دراسة حبيب الحق كوندكر (Habibul Haque Khondker) سنة 2011، بالإضافة إلى دراسة جماعية بعنوان «الإثنوغرافيا والعالم الافتراضي: كتيب للطرق» Ethnography) and virtual world : A handbooks of methods) التي قدمها توم بولستورف (Tom Boellstorff). ودراسات أخرى في السياق نفسه، لاسيما كتاب شبكات الغضب والأمل الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت، الذي عمل فيه الباحث كاستلز على دراسة الحركات الاجتماعية الشبكية.
وتطرقت الباحثة في الفصل الثاني إلى فرع جديد من علم الاجتماع، يدعى علم الاجتماع الرقمي، من خلال فحص آليات نشوء هذا الميدان البحثي الجديد، ومختلف التسميات التي رافقت تحديد توجهاته البحثية، عن طريق تناول مراحل تطور النظرية السوسيولوجية، من خلال التركيز على الانتقال من مجتمع التواصل المباشر إلى مجتمع الشبكات الرقمية. كما توقفت الباحثة عند منهجية البحوث المتعلقة بمجتمع الشبكات، عبر اقتراح عدد من التقنيات الاستقصائية الصالحة للتطبيق مع المبحوثين، وصولا إلى عرض عدد من الأدوات الإحصائية، التي يمكن أن تساعد الباحثين في دراسة الظواهر ذات الصلة بالشبكات الرقمية.
وجاء الفصل الثالث لمحاولة الانتقال من مستوى الافتراضية في عموميتها، إلى المستوى المحلي المصغر الخاص بالمجتمع المغربي، وذلك من خلال تعزيز النقاش العلمي حول الطبيعة التغييرية التي وجهتها التكنولوجيا الرقمية في هذا المجتمع، وسعت الباحثة إلى الإجابة على سؤال محوري حول المجتمع الشبكي، الذي نريد دراسته عبر الرصد والملاحظة، ومن خلال المعايشة والحضور في الشبكات الاجتماعية، محاولة في ذلك فهم الثقافة الرقمية وكيفية تفاعلها مع المنطق الشبكي، وخلصت إلى مقاربة تزاوج بين التقنيات الشبكية التي تعتمدها المؤسسات في المغرب من جهة والممارسات الشبكية التي قادها جيل الشبكيين من جهة ثانية.
ويقترن الفصل الرابع بدراسة وتحليل الحركات الاحتجاجية، من خلال وجودها الهوياتي، وتم التركيز فيه على الهويات الرقمية باعتبارها خليطا معقدا من العلاقات والخيارات والأفعال من جهة، والهويات المقابلة أو المواجهة لها، بما هي هويات مقاومة ومنفلتة، تتموقع في الفضاء الرقمي وتوجد خارجه. ولم يغفل هذا الفصل البحث في نقطة جوهرية تتعلق بظروف وخصائص تشكل هوية الجماعات الشبكية وثقافاتها، من حيث إنها ثقافات جمعية تتأسس على الفعل ورد الفعل والتفاوض المشترك في هذه الفضاءات السائلة.
وتتبع الفصل الخامس الأشكال الجديدة للمشاركة السياسية عبر فضاء الشبكات الرقمية، حيث يهيمن عليها الشباب كفاعلين شبكيين يوجدون في خضم دينامية الحقل الاجتماعي والسياسي، بما يظهر فيه من تحولات عميقة مست الاجتماعي والسياسي والشبكي أيضا، إذ تكمن قوة الشباب والحركات الاجتماعية الشبكية في قدرتهم على خلق ثقافة بديلة واستثمار الإمكانات الرقمية للحد من هيمنة الدولة وأطرها التقليدية وابتداع نوع جديد من الديمقراطية المجالية (الهامش) والنوعية (الشباب) والطبقية (عامة الشعب).
وفي الفصل السادس تم تحليل مدى التشابك الحاصل بين الواقعي والافتراضي ومسارات التأثير في الرأي العام، من خلال اعتبار فضاء الشبكات الرقمية بمثابة البنية الأساسية للحوار والنقاش وتشكيل رأي عام وطني من أسفل، ويتجلى ذلك من أن فئة عريضة من المواطنين تمكنت من إيصال صوتها والتعبير عن غضبها بفضل ما أتاحه هذا الفضاء من إمكانات وفرص نقلت الفضاء العمومي المغربي من حال مغلق إلى فضاء مفتوح ومتشكل وفق ما تفرزه تفاعلات الشبكيين عبر هذه الفضاءات الجديدة.
وخصص الفصل السابع والأخير للبحث في ما وراء دينامية فضاء الشبكات من صعود ديني وتشبيك تضامني وتفاوت اجتماعي، من خلال تجاوز الكشف عن الحقائق الاجتماعية الشبكية في ترابطها وتمفصلها إلى تحليل المضامين والمعاني التي يهبها الفاعل الشبكي، الذي سمحت له الشبكات الرقمية من القفز على مقولات الزمن والمكان، والروابط الكلاسيكية القائمة على الدم والقرابة والجوار، نحو مقولات تنحو أكثر فأكثر نحو الجمع بين المحلي والعولمي، حسبما عبر عنه أنتوني غيدنز بـ»دياليكت المحلي والعولمي». وخلص هذا الفصل إلى أن فضاء الشبكات الرقمية أو ما يمكن تسميته بال «بين-بين» الواقعي والافتراضي، ما زال واقعا ضمن منطقة رمادية ودينامية غير قابلة للتشكل أو التحديد النهائي، فمن الديني، إلى التضامني، ومن الحضور والتفاعل إلى الاستبعاد والتفاوت.
ختاما، يثير كتاب الشبكات الرقمية ودينامية الحقل الاجتماعي/ السياسي في المغرب الكثير من الإشكالات والتساؤلات بخصوص الشبكات الاجتماعية باعتبارها ظاهرة اجتماعية كلية، انتقلت من مجرد تمثل طبيعي في مجتمع بشري إلى فضاء أوسع وأكثر تقنية، ما أعطى للبعد الشبكي دورا مهما في بناء الأنساق، وتشكيل الأدوار والهويات. وفي نظر المؤلفة، فالشبكات الرقمية أنتجت فضاءات وحيزات اجتماعية، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وهو أمر يدعونا إلى توسيع اهتمامنا بالظروف الاجتماعية والسياسية والجمالية لفضاء الشبكات.
وتتمثل الأهمية المعرفية لهذا العمل، في مد الباحث في العلوم الاجتماعية بمادة معرفية، على اعتبار أن مدخل مجتمع الشبكات الرقمية في الدرس السوسيولوجي من أهم المداخل العلمية في الفترة الراهنة، من أجل فتح آفاق ومساحات فكرية داخل الدراسات الاجتماعية، وذلك من أجل فهم أوسع وأدق للشبكات الرقمية وتداخلها بين الواقعي والافتراضي.
أكاديمي وصحافي مغربي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *