أحمد كوكب/المدى
في خطوة تستهدف تعظيم موارد الدولة وتعزيز كفاءة إدارة المال العام، تتجه الحكومة إلى توظيف الأموال المستردة من ملفات الفساد عبر حساب خاص تشرف عليه وزارة المالية، وسط تأكيدات بأن هذه الأموال ستسهم في تقليص الهدر، ودعم الإنفاق الحكومي، وتمويل أولويات خدمية واستثمارية.
وقال المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء مظهر محمد صالح، خلال حديث لـ(المدى) إن انعكاسات استرداد الأموال المرتبطة بملفات الفساد على الموازنة العامة تتجه في مسارين رئيسيين، الأول يتمثل بتعزيز المالية العامة عبر إيرادات نقدية تدخل الموازنة وتسجل ضمن باب الإيرادات الأخرى، فيما يتمثل المسار الثاني بوقف نزيف الفساد، الأمر الذي ينعكس على تقليل كلفة الموازنة العامة ونفقاتها، مبيناً أن الأثر سيكون مزدوجاً من خلال تدفقات مالية جديدة وقطع الهدر الناجم عن الفساد.
وأضاف أن إنشاء حساب خاص لإيداع الأموال المستردة يحمل دلالات مالية وتربوية مهمة، إذ يعكس كفاءة الحوكمة في إدارة البرنامج الحكومي لمكافحة الفساد، كما يضمن عدم ذوبان هذه الأموال أو نسيانها، وإنما توثيقها ضمن الذاكرة المالية العراقية، على أن توجه بشفافية إلى مشاريع بناء المستشفيات والطرق، وسد احتياجات الطبقات الفقيرة، وشبكات الرعاية الاجتماعية، والأيتام والأرامل، مؤكداً أن هذه الأموال ستذهب إلى مسارات إنفاق صحيحة.
وأوضح صالح أن الأموال المستردة ستعوض عن نفقات أخرى كانت الحكومة قد تلجأ إلى تمويلها عبر الاقتراض الداخلي أو الخارجي، ما يجعل صندوق أو حساب الاسترداد مساهماً في تخفيف جانب من العجز المالي، إلا أن حجم هذا الأثر يعتمد على مقدار الأموال التي سيتم تحصيلها واستردادها فعلياً، مشيراً إلى أن التقديرات المتداولة تتراوح بين 60 مليار دولار و300 مليار دولار، لكنها تبقى تقديرات غير محسومة، وأن الرقم الحقيقي يعتمد على كفاءة استرداد الأموال الفاسدة بإرادة قانونية تمثل العراق.
وبيّن أن الحكومة لا تمتلك حتى الآن تقديراً نهائياً لحجم الأموال المتوقع استردادها، لأن الموجودات لا تقتصر على الأموال النقدية، وإنما تشمل عجلات وأراضي ومزارع وعقارات وأموالاً موجودة خارج البلاد، فضلاً عن الأبنية والأسهم والسندات، ما يتطلب وقتاً لحصرها وتقييمها، مؤكداً أن الهدف يتمثل في جمع هذه الأموال وإعادتها إلى الخزينة العامة، وأن حملة مكافحة الفساد مستمرة لتحقيق أهداف أخلاقية وإنسانية واجتماعية تصب في خدمة المواطن.
وأشار صالح إلى أن الأموال المستردة ستسهم في تقليل الحاجة إلى الاقتراض من خلال تعويض جزء من الاحتياجات الأساسية للدولة، كما ستعزز الإنفاق، ولا سيما في المشاريع الاستثمارية المولدة للدخل وفرص العمل، أو في القطاعات الاجتماعية المرتبطة بمحاربة الفقر والأمراض، موضحاً أن آليات الصرف ستخضع لقرارات مجلس الوزراء ووفق قانون الموازنة العامة أو قانون الإدارة المالية رقم (6) لسنة 2019 المعدل.
وأكد أن الحكومة ستتولى، بعد تراكم الأموال في الحساب الخاص وجعلها قابلة للاستخدام، دراسة أولويات الإنفاق عبر مؤسساتها التخطيطية والمالية، بما يحقق منفعة المواطن العراقي، باعتبار أن هذه الأموال هي أموال عامة استحوذ عليها بطرق غير مشروعة.
من جانبه، قال المتخصص بالشأن الاقتصادي حيدر الشيخ، خلال حديث لـ(المدى) إن رئيس مجلس الوزراء وجّه وزير المالية بفتح حساب خاص لإيداع الأموال المستردة من الشخصيات المتهمة بالفساد والمتلاعبين بالمال العام ممن حصلوا عليها بطرق غير مشروعة ومخالفة للقانون.
وأضاف أن حجم الأموال النقدية المستردة سيتجاوز 500 مليون دولار، فيما سترتفع قيمتها إلى نحو مليار دولار بعد مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة والعقارات والأملاك العائدة للفاسدين.
وأوضح الشيخ أن الأموال المستردة والمودعة في الحساب الخاص لدى وزارة المالية لا يمكن التصرف بها إلا بأمر مباشر من رئيس مجلس الوزراء، مبيناً أنه بعد انتهاء حملة “صولة الفجر” ومعرفة الرقم الحقيقي والنهائي للأموال المستردة، ستجري الحكومة مناقلات مالية للاستفادة من هذه الأموال التي تم الحصول عليها من الفاسدين عبر الكسب غير المشروع.
وأشار إلى أن الحكومة ستستفيد من الأموال المستردة في تمويل النفقات العامة أو تنفيذ المشاريع بحسب الحاجة، إلا أنها لن تكون كافية لمعالجة العجز المالي القائم، موضحاً أن قيمة الأموال المستردة قد تصل إلى مليار دولار، في حين يحتاج العراق إلى نحو 50 مليار دولار لسد العجز في الموازنة.
وأكد أن حملة “صولة الفجر” ستمنح دافعاً كبيراً للمستثمرين العرب والأجانب للدخول إلى السوق العراقية، ولا سيما مع الزيارة المرتقبة لرئيس مجلس الوزراء إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي من شأنها أن تشكل حافزاً إضافياً للاستثمار في العراق.
ولفت إلى أنه لا توجد حتى الآن أولوية محددة لكيفية الاستفادة من الأموال المستردة، إلا أن الحكومة تبحث حالياً آليات تبويبها، بما يسهم في تأمين رواتب الموظفين، مشيراً إلى أن الحكومة تحتاج شهرياً إلى نحو 8 تريليونات دينار لتأمين وصرف رواتب العاملين في القطاع العام.