ماذا ينتظره مع ترامب في لبنان؟


 عاموس هرئيل

تعدّ القضية الإيرانية ثاني أكبر كارثة في مسيرة نتنياهو الطويلة بعد مذبحة 7 أكتوبر. فالحملة ضد حماس لم تؤد إلى تفكيك هذه المنظمة بالكامل وانتصار إسرائيلي مطلق، كما وعد رئيس الحكومة دائماً، وليس هذا فحسب؛ فالنتائج التي تظهر في إيران محبطة جداً من وجهة نظر إسرائيل. ويسعى ترامب بجهد لإنهاء الحرب وسحب القوات الأمريكية من المنطقة، وربا يحقق الاتفاق جزءاً صغيراً فقط من تطلعات نتنياهو.

لم تنشر تفاصيل الاتفاق بالكامل حتى الآن، لكن هناك جدول زمني واضح وضع هذه المرة. ويضاف إلى ذلك الرغبة في توقيع الاتفاق والتوتر العلني مع نتنياهو، الذي لم يعد يخفيه الرئيس الأمريكي. أما ملف لبنان، الملف الثانوي، فيعد ترامب بوقف إطلاق النار، لكنه كالعادة لا يفسر، في حين تهدد إسرائيل بمواصلة القتال هناك وتعلن بأن قواتها ستبقى متواجدة داخل الأراضي اللبنانية.

وقد تسببت خيبة الأمل، للمرة الثانية، في أزمة ثقة بين مؤيدي نتنياهو. حدث هذا عندما لم يحقق ترامب الأوهام التي سوقها اليمين في إسرائيل حول ضم الضفة الغربية المزعوم في العام 2020، وحدث عندما أجبر نتنياهو على قبول صفقة الرهائن الأخيرة مع حماس في تشرين الأول الماضي.

من المرجح أن نهاية الحرب بالشروط المطروحة ليست خبراً ساراً لأي إسرائيلي، لأن إيران تخرج من هذه الحرب أقوى وأكثر تصميماً. مع ذلك، يصعب تجاهل مأزق المؤيدين المتحمسين، الذين بقوا أشهراً معجبين بخطوة نتنياهو البارعة عندما جر ترامب للحملة الثانية ضد إيران. وتفاخر هؤلاء المؤيدون بالتحالف الذي ظهر وكأنه متين بين الزعيمين. ولكنهم بدأوا يدركون بالتدريج أن ترامب تخلى عن بطلهم، وشملت ردة الفعل وابلاً من الشتائم الموجهة لمساعدي الرئيس، وليس لترامب نفسه في الوقت الحالي، واستخدام عبارات لاسامية.

ما زالت علامات استفهام كثيرة تحلق فوق الاتفاق. من المقرر أن تفتح المرحلة الأولى مضيق هرمز، ثم رفع سريع لمعظم العقوبات الدولية المفروضة على اقتصاد إيران. وفي الفترة القادمة، من المقرر بدء نقاشات معمقة لتفاصيل التفاهمات المتعلقة بالمشروع النووي. وقد تحدث ترامب في الفترة الأخيرة عن إمكانية تخفيف تركيز اليورانيوم المخصب، بدلاً من إزالة كل المخزونات عالية التخصيب. الشيطان يكمن في التفاصيل: ما نسبة اليورانيوم التي سيتم إخراجها خارج إيران؟ (في 2015 أرسل 98 في المئة منها إلى روسيا، والآن يتم التلميح إلى أنها 50 في المئة)، ما الذي سيفعلونه باليورانيوم منخفض التخصيب؟ ما دور الوكالة الدولية للطاقة النووية؟ هل سيكون من الأفضل لإيران مواصلة أبحاثها وتطويرها النووي؟

أما بشأن العقوبات فهي عشرات مليارات الدولارات التي سيتم الإفراج عنها في المرحلة الأولى، بما في ذلك الحسابات المجمدة في قطر والصين. يحاول ترامب إبعاد نفسه عما يصفه بالاتفاق الكارثي الذي وقع عليه الرئيس براك أوباما قبل 11 سنة. سيركز على الاختلافات مع الاتفاقات السابقة، في محاولة لتقديم نفسه كشخص انتزع تنازلات من الإيرانيين. وهناك قضية أخرى تتعلق بالاحتجاجات الضخمة التي قمعها النظام الوحشي في إيران في كانون الثاني الماضي. سيوفر ضخ الأموال في هذه المرة شريان حياة للنظام الذي كان على وشك الانهيار عشية الحملة الحالية. إذا نظرنا إلى أبعد من مصالحنا الضيقة للحظة، فسنجد أن الشعب الإيراني خاب أمله بالفعل من الولايات المتحدة وإسرائيل رغم وعدهما بتقديم المساعدة له.

إن الإهانة والانتقادات التي يوجهها الرئيس لرئيس الحكومة، للأسبوع الثاني على التوالي، تشير إلى مستوى التوتر بينهما. من الواضح أن تأثير نتنياهو على ترامب محدود؛ ففي شؤون الشرق الأوسط يستمع الرئيس بشكل أساسي إلى قادة الدول الغنية، السعودية وقطر والإمارات. إن مثل هذه النهاية للأزمة الإيرانية – من دون تغيير النظام وإحباط البرامج النووية والصاروخية، وتضرر العلاقات الخاصة بشكل واضح – تشير إلى تآكل القيمة التي بناها نتنياهو لمكانة إسرائيل الدولية بدءا من العام 2023.

إن ما بدأ في الانقلاب النظامي يبلغ الذروة مع اقتراب انتهاء الحرب ضد إيران. كان يمكن تجنب ذلك لو لم تحث إسرائيل الولايات المتحدة على خوض الحرب بخطة غير مدروسة وأهداف غير قابلة للتحقق.

قال المحلل دافيد ماكوفسكي، من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، لـ “هآرتس” أمس، بأن ترامب ما زال يلتزم بهدف منع إيران من امتلاك برنامج نووي، وهي قضية شغلته وتحدث عنها علناً منذ تسعينيات القرن الماضي. وأضاف ماكوفسكي بأن الرئيس غير منحاز ولا يتردد في استخدام القوة العسكرية، لكنه يحذر من الحروب الطويلة والدموية. “بالنسبة له، الأمر ينتهي بضربة واحدة” (عملية وأحدة تنتهي بسرعة). “هكذا تصرف في اغتيال قاسم سليماني وأبو بكر البغدادي واختطاف نيكولاس مادورو، وفي قصف المنشأة النووية في فوردو بطائرات “بي 2”.

قبيل المواجهة

قد تكون المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول لبنان بالتحديد. أعلن ترامب بأن الاتفاق سيشمل لبنان، لكنه لم يوضح التفاصيل حتى الآن. إذا كان نتنياهو ما زال يحاول تضليل الرأي العام في إسرائيل بشأن قضية إيران، فإن جبهة لبنان تشتعل أكثر. لا يقتصر الأمر على ضرورة وقف إطلاق النار هناك، بل يتوقع التوصل إلى اتفاق يضمن عدم إطلاق حزب الله للصواريخ والمسيرات من جديد، ما يسمح بعودة آمنة إلى القرى والبلدات على طول الحدود.

قبل يومين، بعد هجوم إسرائيلي على عناصر من حزب الله في الضاحية في بيروت، هددت إيران بالرد من خلال إطلاق النار على إسرائيل. ترامب أوقف الهجوم، لكنه وجه توبيخاً علنياً لنتنياهو. أمس، أعلن نتنياهو ووزير الدفاع كاتس بأن الجيش الإسرائيلي “سيبقى في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة لأجل غير مسمى”، وأن المناطق التي سيطر عليها سيتم إخلاؤها من السكان العرب، مع استمرار التدمير واسع النطاق للبيوت في القرى، كدرس من أحداث 7 أكتوبر. في الواقع، ظهر كاتس وكأنه مصمم على المثول ذات يوم أمام محكمة الجنايات الدولية في لاهاي – وتعتبر أقواله تحدياً متعمداً للسياسة الأمريكية. دائماً واجه الأبيض معضلة كبيرة: كيف يتعامل مع استمرار تواجد الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وكيف يمنع تعزز حزب الله من جديد.

عقد نتنياهو مؤتمراً صحفياً نادراً نسبياً مساء أمس، وصف بالمتوتر والمتلعثم. وكعادته، تهرب نتنياهو من الإجابة المباشرة عن الأسئلة، ورفض الاعتراف بأي خطأ. وبالكاد تم ذكر المذبحة في غلاف غزة، ولم يشر إلى العزلة الدولية التي وجدت إسرائيل نفسها فيها تحت قيادته، أو الأزمة الشديدة مع ترامب. ادعاؤه بأن إيران سارعت إلى امتلاك سلاح نووي عشية الحملة الأولى ضدها في حزيران 2025 لا أساس له من الصحة، وأيضاً تصريحه بأنه لولا تلك العملية لامتلكت إيران بالفعل عدة قنابل نووية. لم يتطرق قط إلى احتياطي اليورانيوم المخصب، القضية الأكثر إلحاحاً. وحتى تصريحه بأن حزب الله كان يهدد كل أراضي إسرائيل من قلعة شقيف التي تمت السيطرة عليها، لا أساس له من الصحة.

لو شغل منصب رئيس الوزراء في دولة تفتقر إلى أدنى قدر من المسؤولية لكان من المؤكد سيستقيل من منصبه بسبب تضرر العلاقات مع الولايات المتحدة والعجز عن ترجمة التفوق العسكري الواضح على إيران إلى اتفاق استراتيجي يضمن وقف المشروع النووي لسنوات كثيرة. ولكن من لم يفكر حتى الآن بالاستقالة في 8 أكتوبر، فمن المرجح أنه لن يفعل ذلك الآن.

 هآرتس 16/6/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *