نواكشوط –«القدس العربي»: أعلنت موريتانيا عن تفعيل إطارها الوطني للعمل الاستباقي لمواجهة الجفاف، في سابقة تعكس تحولاً متسارعاً في طريقة التعامل مع الكوارث المناخية بمنطقة الساحل.
وقد أتاح هذا التفعيل الإفراج الفوري عن 2.5 مليون دولار من الصندوق المركزي للاستجابة للطوارئ التابع للأمم المتحدة، في خطوة استباقية قبل أن تظهر آثار الأزمة بشكل كامل على السكان.
ويأتي القرار استناداً إلى توقعات مناخية تشير إلى احتمال مرتفع لحدوث جفاف خلال الموسم الزراعي الحالي، في خطوة تراهن السلطات الموريتانية وشركاؤها الدوليون من خلالها على تقليص الخسائر الاقتصادية والإنسانية قبل وقوعها، بدلاً من الاكتفاء بعمليات الإغاثة التقليدية بعد تفاقم الأزمة.
ويستفيد من البرنامج الجديد نحو 120 ألف شخص في مقاطعات ولد ينجه وسيلبابي وومبو بولاية كيدي ماغه، جنوب موريتانيا، وهي مناطق تعتمد بصورة كبيرة على الزراعة المطرية وتربية الماشية، ما يجعلها من أكثر المناطق تأثراً بتقلبات المناخ.
وتشمل التدخلات المبرمجة تقديم مساعدات نقدية للأسر الهشة، وتوزيع بذور مقاومة للجفاف، ودعم الثروة الحيوانية عبر اللقاحات والأعلاف، وتأهيل نقاط المياه الجماعية، إضافة إلى برامج للوقاية من سوء التغذية وعلاجه، وحملات إنذار مبكر وتوعية مجتمعية.
ويُنظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها نموذجاً لما يسمى «العمل الاستباقي»، وهو نهج جديد يعتمد على استخدام التنبؤات المناخية لاتخاذ قرارات تمويلية وتنفيذية قبل وقوع الكارثة.
ولا يمثل التمويل الحالي إجراءً منفصلاً، بل يأتي ضمن مسار إصلاحي بدأته موريتانيا خلال العامين الأخيرين لإدماج العمل الاستباقي في منظومتها الوطنية لإدارة المخاطر والكوارث.
ففي عام 2025 تم اعتماد خطة وطنية للعمل الاستباقي ضد الجفاف، وربطها بآليات مفوضية الأمن الغذائي وجهاز الوقاية والاستجابة لأزمات الغذاء والتغذية، كما جرى إنشاء مجموعة عمل حكومية مختصة لتقييم المؤشرات المناخية واتخاذ قرارات التفعيل عند تجاوز مستويات الخطر المحددة مسبقاً.
ويعتمد النظام على توقعات المكتب الوطني للأرصاد الجوية، الذي شهد خلال الفترة الأخيرة تعزيزاً لقدراته الفنية بدعم من برنامج الأغذية العالمي وشركاء دوليين، بهدف تحسين دقة التنبؤات الموسمية وربطها بقرارات التدخل المبكر.
ويرى مراقبون أن تفعيل الآلية الحالية يشكل أول اختبار عملي واسع النطاق للمنظومة الجديدة، إذ إن نجاحها في حماية سبل عيش السكان وتقليل خسائر الماشية والمحاصيل قد يفتح الباب أمام توسيع التجربة لتشمل مخاطر أخرى مثل الفيضانات والعواصف الرملية.
كما يأتي القرار في سياق إقليمي يشهد توجهاً متزايداً نحو اعتماد العمل الاستباقي في دول الساحل، حيث فعّلت تشاد خلال الأسابيع الماضية آلية مشابهة لمواجهة الجفاف، فيما تدفع الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية نحو تعميم هذا النموذج باعتباره أقل تكلفة وأكثر فعالية من الاستجابة المتأخرة للكوارث.
ورغم أهمية التمويل الجديد، يرى خبراء أن مواجهة آثار الجفاف في موريتانيا تتطلب استثمارات أكبر في البنية التحتية المائية، وتطوير الزراعة المقاومة للمناخ، وتعزيز نظم الإنذار المبكر والحماية الاجتماعية.
فالتقديرات الدولية تشير إلى أن منطقة الساحل تواجه واحدة من أكثر الأزمات المناخية تعقيداً في العالم، في ظل تزايد تواتر موجات الجفاف والفيضانات وتراجع الموارد الطبيعية، ما يجعل القدرة على التنبؤ المبكر والاستجابة السريعة عاملاً حاسماً في حماية الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي خلال السنوات المقبلة.
وبذلك لا يمثل الإفراج عن 2.5 مليون دولار مجرد تمويل طارئ، بل يعكس تحولاً أعمق في فلسفة إدارة المخاطر بموريتانيا، من انتظار الكارثة إلى محاولة استباقها قبل أن تتحول إلى أزمة إنسانية واسعة النطاق.
وتعزز المعطيات الميدانية الحديثة أهمية قرار تفعيل آلية الاستجابة المبكرة، إذ كشف تقييم أجرته المنظمة الدولية للهجرة بالتعاون مع وحدة تنسيق الحوض الشرقي التابعة لها في موريتانيا أن الجفاف بات يمثل الخطر المناخي الأكثر انتشاراً وتأثيراً على السكان في المناطق الداخلية من البلاد.
وأظهرت نتائج الدراسة، التي شملت أكثر من 3200 أسرة في ولاية الحوض الشرقي، أن 92 بالمائة من الأسر المستجوبة تأثرت بالجفاف خلال السنوات الخمس الماضية، بينما أفادت جميع الأسر المشاركة بأنها واجهت شكلاً واحداً على الأقل من الظواهر المناخية المتطرفة خلال الفترة نفسها.
وبحسب التقييم، جاءت حرائق الأدغال في المرتبة الثانية بين المخاطر المناخية الأكثر انتشاراً بنسبة 77 بالمائة، تلتها الفيضانات بنسبة 38 بالمائة، ما يعكس تعدد التحديات البيئية التي تواجه المجتمعات الريفية في شرق البلاد.
وأكدت المنظمة أن تكرار موجات الجفاف والصدمات المناخية أدى إلى نفوق أعداد من الماشية، وتراجع الإنتاج الزراعي، واستنزاف الموارد المائية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الأمن الغذائي ومصادر دخل السكان، خصوصاً في المناطق المعتمدة على الزراعة المطرية والرعي التقليدي.
ويأتي نشر هذه النتائج بالتزامن مع إطلاق مشروع جديد للوقاية من الكوارث وإدارة المخاطر في ولاية الحوض الشرقي، تنفذه المنظمة الدولية للهجرة بالشراكة مع السلطات المحلية وبدعم من الاتحاد الأوروبي، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام الدولي بتعزيز قدرة المجتمعات الموريتانية على التكيف مع التغيرات المناخية.
وتوفر هذه المؤشرات خلفية إضافية لفهم قرار الأمم المتحدة الإفراج المبكر عن 2.5 مليون دولار لمواجهة آثار الجفاف المحتمل، إذ تشير إلى أن البلاد لم تعد تواجه مخاطر موسمية عابرة، بل تواجه تحدياً هيكلياً متصاعداً يهدد الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي في عدد من الولايات الريفية، وهو ما يدفع الشركاء الدوليين والحكومة الموريتانية إلى تبني مقاربة تقوم على التنبؤ بالمخاطر والتدخل قبل تحولها إلى أزمات إنسانية واسعة النطاق.
لماذا الجفاف؟
تعد موريتانيا من أكثر الدول عرضة لمخاطر الجفاف في غرب إفريقيا، إذ يقع نحو ثلاثة أرباع أراضيها داخل النطاق الصحراوي، بينما يعتمد جزء كبير من سكانها الريفيين على الأمطار الموسمية في الزراعة والرعي. كما تواجه البلاد ضغوطاً متزايدة نتيجة التصحر وتدهور الأراضي وتقلب معدلات التساقطات المطرية بفعل التغير المناخي.
وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن الجفاف والفيضانات المتكررة باتت تشكل أحد أبرز أسباب انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية في البلاد، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعتمد بشكل شبه كامل على الأنشطة الزراعية والرعوية.