تشير التطوّرات الميدانية والسياسية المستمرّة في لبنان، إن لجهة مواصلة إسرائيل قصفها للجنوب واجتياحها لمناطق فيه وتهجير سكّانها، أو لجهة المفاوضات على «وقف إطلاق النار» في واشنطن بين ممثّلين عن حكومتَي بيروت وتل أبيب برعاية أحادية أمريكية، إلى أرجحية استمرار التصعيد وفشل الإجراءات التي جرى الإعلان عنها في الاتفاق الموقّع في 4 حزيران/يونيو 2026، لثلاثة أسباب.
الأول، أن إسرائيل لا تريد هدنة شاملة أو وقفاً لجميع «الأعمال العسكرية» ولا تقبل بالبحث بالانسحاب من الأراضي الواسعة التي احتلّتها. وقد أكّد رئيس وزرائها عزمها البقاء لمدّة غير محدودة في الجنوب، وشدّد وزير دفاعها على تمسّك دولته بالحقّ «بضرب حزب الله كلّما اعتبرت أن أمنها مهدّد». وهو أمرٌ يتيحه تأويل ما أُعلن عنه في أي حال، تماماً كما أتاحته التباسات اتفاق وقف النار السابق في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
الثاني، أن حزب الله بلسان أمينه العام رفض الاتفاق الجديد، واعتبره اتفاق إذعان. والأكيد أن الحزب لن يقبل بأي اتفاق قبل اتّضاح مسار التفاوض الأمريكي الإيراني وقبل إيعاز طهران له بالأمر. كما أنه لن يقبل باتفاق يُبقيه عرضة للنيران الإسرائيلية كما كانت حاله طيلة 15 شهراً سبقت 2 آذار/مارس الماضي. وسيجاريه رئيس المجلس النيابي نبيه برّي إلى حدّ بعيد في المواقف هذه.
والثالث، أن السلطة اللبنانية لا تستطيع فرض الاتفاق وتنفيذ ما تعهّدت به في واشنطن إن لم يقبل الحزب به، لأن لا مواجهة ممكنة بين الطرفين، ولأن تأييد جزء واسع من الرأي العام اللبناني لها لا يكفي لتعويض معارضة جزء آخر، غير قليل، لمواقفها التي بدت مؤخراً شديدة الالتصاق بالمواقف الأمريكية والمراهنة عليها.
فشل مزدوج
يطرح كلّ هذا جملة تحدّيات على لبنان واللبنانيين تبدو أقرب إلى المعضلات أو إلى الاستعصاءات. ذلك أن طرفين صارا متنافرين تماماً، حزب الله والسلطة التنفيذية، مطالبان بالتعامل مع اتفاق فرضته إسرائيل بمساعدة واشنطن، انطلاقاً من وقائع ميدانية كارثية. أوّل الطرفين متحرّك على الأرض بمرجعيّة إيرانية ويظنّ أن بمقدوره تعديل موازين القوى من خلال حرب استنزاف للاحتلال؛ وثانيهما مشلول بالكامل، وقّع الاتفاق موكلاً أمره لدونالد ترامب.
والحقّ أن أي مقاربة جدّية للمسألتين الميدانية والتفاوضية من منطلقات سياسية وحقوقية وعلى أساس الواقع المفروض تشير إلى أن حزب الله يعتمد المكابرة بلا اكتراث بمآل القتال والتدمير والتهجير في انتظار جلاء الأمور بين طهران وواشنطن، وأن السلطة من جهتها تبرّر تقاعسها الديبلوماسي وتمنّعها عن مقاضاة إسرائيل على أساس مسؤولية حزب الله عمّا وصلت إليه الأمور. فتصبح محدوديّة جهودها بالتالي مبنيةً على مقولة معروفة سلفاً وهي أنه «ليس في الإمكان أفضل ممّا حصلنا عليه».
المشكلة أننا والحال على هذا النحو من الاضطراب وهشاشة الأداء والتباعد، مقبلون على استحقاقات الاتفاق المعقود، بلا أفق سياسي مفتوح، حتى ولو جرى الاعتماد الموضعي للتنفيذ على ما يسمّى «المناطق النموذجية». فلا الجيش سيصطدم بحزب الله لإلزامه على انسحابات واسعة وتسليم أسلحة وسط استمرار النيران الإسرائيلية وضبابية الموقف على الجبهة الخليجية. ولا إسرائيل ومن خلفها واشنطن سيقبلان بتعديل الاتفاق احتراماً لما تبقّى من مصلحة لبنانية في تجنّب الأسوأ.
وهذا يعني أن الاتفاق ينقل جوانب من الصراع إلى الداخل اللبناني، محيّداً الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يُذكر شيء عن انسحابه ولو التدريجي من الأراضي المحروقة التي أعمل فيها توحّشه. ولا يكفي لتجنّب الصراع الداخلي تكرار ممثلي السلطة للازمة «بناء الدولة واستعادة سيادتها». فالسيادة هذه لا تكون من دون اعتبار جلاء الاحتلال الإسرائيلي ووقف العدوان أولوية وشرطاً موازياً للمضيّ جدّياً في حصر السلاح ونشر الجيش وتسلّمه وحيداً الأمن والحدود. ولا يكفي أبداً التذرّع بموازين القوى وبمسؤولية حزب الله عن جرّ البلد إلى «حرب الآخرين» للتموضع في موقع محايد ميدانياً، ولاعتماد لغة معتدلة تجاه الهمجية الإسرائيلية وعالية العدائية تجاه إيران. فحتى لو أراد البعض أن يكون حيادياً، يبقى واجبه إن ادّعى تمثيل «دولة جامعة» أن ينحاز إلى مئات ألوف المدنيين اللبنانيين الذين اعتدت عليهم إسرائيل قتلاً وتهجيراً وتدميراً للأملاك وللبلدات ولمقوّمات الحياة!
الاحتلال وتداعياته
الأخطر أن مسألة الاحتلال الإسرائيلي لشريط حدودي جديد في الجنوب، وهو الاحتلال الذي قد يطول، لن تسمح لا باستقرار ولا ببناء دولة. ليس لأن ثمة من سيستخدم الأمر ذريعة دائمة لتأجيل الكثير من الاستحقاقات فحسب، بل أيضاً لأن الآثار السياسية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية لهكذا احتلال لن تبقى عارضة أو ثانوية التأثير على الداخل اللبناني.
فنحن سنكون أمام استمرار تهجير أكثر من ربع مليون شخص من المناطق المحتلة وتلك المتاخمة لها، وما يعنيه التهجير من معاناة لهم ولأقاربهم، ومن ضغط سكاني وخدماتي في مناطق لجأوا أو سيلجأون إليها. وسنكون أيضاً أمام احتمالات قضم أراض ومساحات مثل تلك التي أقامت إسرائيل فوقها الجدار الإلكتروني العازل. وسنكون أمام مخاطر سرقة مياه، لا سيّما من الحاصباني، الذي لم تخف تل أبيب مرّة أطماعها فيه وادّعت على الدوام تنازعاً على السيادة المائية وطالبت بتقاسمٍ نتذكّر فصوله السابقة. وسنكون أمام أزمة اقتصادية إضافية تصيب مباشرة منطقة واسعة من لبنان، في قطاعات الزراعة والتجارة تحديداً، في لحظة سيحتاج فيها الجنوبيون لكلّ نشاط ودخل ممكنَين لتخفيف آثار العدوان وكلفته.
أكثر من ذلك، يُخشى أن تُكرّس أحوال فصلِ الجنوب عن باقي لبنان، بمعنى تركه عرضة للسياسات الإسرائيلية ولشروطها إن تعذّرت نهاية الحرب وحُصِرت فيه، أو إن توقّفت واستُثنيَ من توقّفها عبر دوام الاحتلال، واقعاً وطنياً مأزوماً جديداً. واقع تتجاورُ فيه ديناميات سياسية واقتصادية مختلفة، وتتنافر فيه المواقف متّخذة أبعاداً طائفية، لن ينفع للتصدّي لها لا التبرّؤ مما جرى ولا حياد الدولة ولا انتظار مواقف طهران ولا الركون إلى مشروعية المقاومة المسلّحة.
نحن اليوم إذاً أمام مزايدات فوق الخراب والأشلاء، وأمام استسلام بليد يدّعي أن لا بديل عنه. والأمران لن يغيّرا في الواقع الحالي، ولن يؤثّرا على المديين القصير والمتوسّط بما سيصير عليه الاحتلال. لا بل سيُؤثّر الأخير كثيراً في أحوال البلد وناسه.
*كاتب وأكاديمي لبناني