انتصار إسرائيل الموضعي في لبنان ربما يتحوّل لمأزق استراتيجي


الناصرة ـ «القدس العربي»: تحذّر باحثة إسرائيلية خبيرة بإدارة الأزمات من احتمالات تحول انتصار موضعي تحققّه إسرائيل في لبنان إلى مأزق استراتيجي تكرّر فيه أخطاء الماضي وتراهن فقط على القوة من دون حكمة وروية. وتقول الدكتورة عنات هوخبيرغ ماروم في مقال مطول نشره ملحق صحيفة «معاريف» العبرية إن إسرائيل الرسمية اعتبرت احتلال قلعة الشقيف أحد أكثر المواقع الاستراتيجية حساسيةً في المنطقة – حدثاً مشحوناً بالرمزية والدلالات ولا سيما أنه يأتي بعد مرور 26 عاماً على انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان. وترى أن الأمر لا يتعلق بمجرد إنجاز تكتيكي إضافي ضمن عملية واسعة تهدف إلى استهداف بنية حزب الله التحتية ووسائله القتالية في منطقة الليطاني، وإبعاد التهديد المباشر مجدداً عن بلدات إصبع الجليل ومدينة المطلة. معللة ذلك بالقول إن قلعة الشقيف تحمل في طياتها جراحاً عميقة وإرثاً ثقيلاً، وترسّخت في الوعي الوطني الإسرائيلي المعركة الصعبة للسيطرة عليها في مثل هذا اليوم الأحد من حزيران/يونيو 1982، والتي قُتل فيها ستة من مقاتلي وحدة الاستطلاع التابعة للواء غولاني، باعتبارها رمزاً مؤلماً للغرق الإسرائيلي في المستنقع اللبناني طوال 18 عاماً. وتتابع: «بسبب هذا الثقل التاريخي تحديداً من الضروري التذكير بأن السيطرة على الأرض، في ظل الواقع الاستراتيجي الحالي، لا توفر رداً كاملاً على مجمل التهديدات، ومن المؤكد أنها لا تعيد ترميم قدرة الردع الإسرائيلية التي تآكلت خلال الأعوام الأخيرة، وحسبما أكد رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق تامير هايمان، فإن السيطرة على معاقل حزب الله لن تلغي تهديد الطائرات المسيّرة والطائرات الانتحارية من دون طيار ولا خطر القصف الذي يصل إلى عمق بلدات الشمال».

حرب عصابات

وتوضح أيضا أن حزب الله، الذي تحوّل من تنظيم حرب عصابات إلى قوة هجينة منظّمة ومموَّلة بشكل جيد من إيران، فيُظهر جرأةً كبيرة، وذلك جزئياً في ظل القيود التي تفرضها الإدارة الأمريكية على حرية العمل الإسرائيلية في لبنان؛ كما أن منظومة الصواريخ البعيدة المدى والطائرات المسيّرة الفتاكة اللتين تزوّده بهما إيران تولّدان تهديداً استراتيجياً يتجاوز كثيراً خط الحدود وطبيعة التضاريس. وترى الباحثة الإسرائيلية إنه في ظل هذه الظروف، فإن الإنجاز التكتيكي الذي لا تدعمه تسوية سياسية مع الحكومة اللبنانية ولا آلية رقابة دولية مستقرة وفعالة، ربما يتحول من انتصار موضعي إلى مأزق استراتيجي.

إدارة المخاطر على جبهات متعددة

وتقول عنات هوخبيرغ ماروم إنه ليس صدفة أن يصرّح الرئيس اللبناني جوزف عون بأن حزب الله وافق على مقترح أمريكي يقضي بعدم إطلاق النار على إسرائيل، في مقابل امتناعها من تنفيذ غارات على ضاحية بيروت الجنوبية. ويعكس هذا التصريح عُمق الأزمة التي تعيشها بيروت وحدود قوة الحزب، وفي الوقت نفسه، يعكس أيضاً التعقيد الاستراتيجي الذي تعمل إسرائيل ضمنه. وتقول أيضا إن التصعيد في الشمال والضربات التي ينفّذها الجيش الإسرائيلي، رداً على ازدياد إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة في اتجاه الجليل، وعلى قواته المنتشرة في الجنوب اللبناني، يُبرزان التحدي الأساسي: فإسرائيل مطالَبة بإدارة مواجهة استراتيجية متعددة الجبهات والأبعاد ضد إيران وشبكة حلفائها ووكلائها المنتشرين في أنحاء الشرق الأوسط. وفي موازاة المواجهة مع حزب الله، يتعين على إسرائيل الاستعداد لاحتمال انهيار وقف إطلاق النار والمباحثات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، وربما يؤدي هذا السيناريو إلى استئناف الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية، وفي المقابل، يمكن أن يسرّع تطوير البرنامج النووي الإيراني. وعن الحالة المعقدة تضيف «في مثل هذا الوضع، سيُطلب من الجيش الإسرائيلي تنفيذ عملية مشتركة تجمع بين القوات الجوية والبحرية والبرية، بحيث لا يقتصر هدفها على إضعاف حزب الله فحسب، بل أيضاً يتعدى ذلك إلى خلق ظروف تدفع الحكومة اللبنانية إلى نزع سلاح الحزب واستعادة احتكار الدولة لوسائل القوة والأجهزة الأمنية والعسكرية. كلما ازداد التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، كلما تراجعت فرص نجاح جهود الوساطة التي جرت هذا الأسبوع في واشنطن، في حين تتفاقم الآثار المدمِّرة للأزمة في لبنان بصورة كبيرة». وتعتبر أنه من منظور أوسع، فإن حجم الدمار المتراكم في لبنان، الذي انكمش اقتصاده بنحو 34 في المئة في الفترة 2019-2024، لم يعُد مجرد أزمة اقتصادية محلية، بل أصبح انهياراً شاملاً لمؤسسات الدولة، فرضه حزب الله على الدولة اللبنانية الهشة، خدمةً للمصالح الإيرانية.

خطر استراتيجي وفرصة تاريخية

أما بالنسبة إلى إسرائيل فيخلق هذا الوضع المحرج برأي الباحثة الإسرائيلية مزيجاً نادراً من الخطر الاستراتيجي والفرصة التاريخية: يكمن الخطر في أن تمتد الفوضى اللبنانية إلى أزمة أُخرى، وتزيد تهديد ونفوذ حزب الله وميليشيات أُخرى موالية لإيران، التي ستشغل الفراغ.
والفرصة برأيها تكمن في استغلال الضغوط الداخلية والدولية التي تزداد على الحزب لفرض مسار سياسي جديد يعزز الردع الإسرائيلي ويعيد تشكيل معادلة الأمن على الحدود الشمالية في مرحلة «اليوم التالي». وتقول هنا إن الجمع الخطِر بين المواجهة مع حزب الله والتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران يحوّل لبنان إلى «بؤرة توتُّر استراتيجية»، حيث تتقاطع ثلاثة عوامل رئيسية: 1- الوضع العسكري لإسرائيل. 2- بقاء حزب الله واستمراره. 3- المفاوضات بين واشنطن وطهران. وحسب هذا الطرح، لم يعُد لبنان مجرد ساحة قتال محلية، بل أصبح جزءاً أساسياً من بنية الصراع الإقليمي الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. وتعتبر أن حزب الله يشكل رصيداً استراتيجياً مهماً لإيران خارج حدودها، إذ يعمل كقوة متقدمة قادرة على فرض تكلفة كبيرة على إسرائيل، وبالتالي التأثير بشكل مباشر في المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران. وتعتقد أن أي تصعيد في لبنان يولّد «تأثير دومينو» مدمراً، يتمثل في تشدّد المواقف الإيرانية واتساع نطاق المواجهة الإقليمية وتبرير اتخاذ إسرائيل خطوات بشأن توسيع انتشار قواتها وتعزيز ما يشبه «الحزام الأمني» بشكل فعلي. وفي الوقت عينه، يتحول لبنان نفسه – بسبب ضعفه البنيوي وأزمته السياسية والاقتصادية العميقة – إلى ورقة ضغط في صراع إقليمي أوسع يُعاد فيه صوغ موازين الردع والقوة والثقة بين الأطراف المتعددة؛ وفي ظل هذه الأوضاع، فإن أي تحرّك إسرائيلي داخل لبنان لا ينعكس على الساحة اللبنانية فقط، بل يتردد صداه أيضاً في واشنطن وطهران، الأمر الذي يزيد في احتمالات التصعيد على الجبهة اللبنانية، وفي المنطقة عموماً، وبشكل خاص على طول الحدود السورية.

عدم الاستقرار

ضمن تحذيراتها تقول عنات هوخبيرغ ماروم إن استمرار عدم الاستقرار في لبنان يؤدي إلى زيادة ضغوط النزوح، تعميق التوترات الطائفية، رفع مخاوف الحكومة اللبنانية من احتمال الانتقام الإيراني، من جهة، ومن ترسيخ وجود إسرائيلي طويل الأمد داخل الأراضي اللبنانية من جهة أُخرى، والنتيجة هي بيئة إقليمية لم يعُد فيها لبنان مجرد ساحة حرب، بل أصبح عاملاً مضاعِفاً لعدم الاستقرار في المنطقة بأسرها.

قصة معروفة سلفاً؟

وفي المقابل تنبّه أن معنى ذلك هو الوقوع في مأزق مزدوج وتضييق مستمر لهامش المناورة؛ ففي حين تُجبَر على تنسيق أي تحرّك عسكري مع واشنطن – التي تنظر إلى حزب الله أولاً، باعتباره أداة إيرانية يمكن أن تقوّض توازُن القوى في الخليج وتهدد حرية الملاحة في مضيق هرمز – ترى إسرائيل أن الحزب يشكل تهديداً مباشراً وفورياً ووجودياً لأمنها. وبرأيها فإن هذا التباين في المصالح يُضعف الثقة بين الطرفين، ويزيد في حالة عدم اليقين ويعمّق الخلافات بينهما، كما أنه يؤدي إلى التأخير والمبالغة في الحذر، ويفرض ضغوطاً أمريكية للحدّ من استخدام القوة، في اللحظات نفسها التي تفكر إسرائيل في تنفيذ عمليات هجومية واسعة تهدف إلى تغيير المعادلة العسكرية على الجبهة الشمالية. كما ترى أنه بالنسبة إلى إسرائيل، تمثل الساحة اللبنانية مجالاً استراتيجياً يمكن أن يحسّن دفاعاتها في المدى القصير في مواجهة تهديد حزب الله، لكن أي خطوة من هذا النوع تزيد الاحتكاك بواشنطن، وتعقّد أي محاولة للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار مع إيران، وترفع خطر الانزلاق إلى انتشار عسكري طويل الأمد. وتقول عنات هوخبيرغ ماروم إن هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان تجربة الفترة 1982-2000، حين بقيت القوات الإسرائيلية فترةً طويلة في الجنوب اللبناني. وتمضي في تحذيراتها: «كلما عمّقت إسرائيل وجودها في لبنان، كلما تحوّل الصراع من مهمة دفاعية لحماية الحدود إلى مشروعٍ لفرض ترتيبات إقليمية بالقوة. لكن مثل هذا التحول ربما يعزز الردع في المدى القصير، لكنه في المقابل، يُضعف المرونة الدبلوماسية، ويحمّل إسرائيل أثماناً عسكرية وسياسية واقتصادية باهظة». وترى في الخلاصة إنه يمكن القول إن التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي والعملياتي الذي تتمتع به إسرائيل يفرض عليها التصرف بروية، وبطريقة متزنة وعملية وواقعية. كما تقول إن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على استخدام القوة العسكرية، بل أيضاً بحكمتها في اختيار كيفية استخدام هذه القوة، والأهم من ذلك، معرفة متى يجب الامتناع عن تكرار أخطاء الماضي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *