ماذا تجني الجزائر من كرة القدم؟


انتهى كأس العالم، لكن الحديث عنه لم ينته في الجزائر. لا تزال الفضائيات في الدّاخل تناقش حصيلة المنتخب، وتبحث عن أسباب ما تسميه الخيبة، تتحدّث عن عدم رضاها بأداء اللاعبين ولا خيارات المدرب، وتقول إن النتائج المحققة لم تكن في مستوى التوقعات، ومن يصغي إلى تلك القنوات يظنّ أنها تتحدّث عن منتخب تعوّد على تتويجات، وأن مكانه في الصفّ الأول في المحافل العالمية، وكأننا بصدد منتخب لا يُهزم، إنّها فضائيات تعيش خارج الزّمن ولا تعلم ورطتها، وتجرّ الرّأي العامّ إلى الغلط من غير وعي منها. بحكم أن نظرة سريعة على تاريخ المنتخب تكشف أن الجزائر ليست لها حظوة في الحدث الكروي الأكبر، وأن المنتخب يرضى بمجرد المشاركة أو يلعب أدوار أولى ثم يعود إلى الدّيار. فمنذ الاستقلال في 1962، انتظمت 17 دورة من دورات كأس العالم، ولم تشارك الجزائر سوى في خمس مناسبات. بما يعني أنّها غابت في 70 في المئة من دورات كأس العالم. إنّ غيابها أكثر سطوعًا من حضورها في هذا المحفل، كما أن أفضل نتيجة حققها المنتخب إنّما الدّور الثّاني. مع العلم أن منتخبات أفريقية أخرى، من بلدان لا تملك ميزانية مثل ميزانية الجزائر، مع ذلك فقد تأهلت في مرّات أكثر من المنتخب الوطني، كما أنها بلغت أدوارًا متقدّمة لم تبلغها الجزائر في كأس العالم.
وهذه حقيقة تخفيها الفضائيات، لأنّها تتكلّم بمنطق العاطفة لا منطق النّظرة المقارنة، إنّها قنوات لا تودّ أن تصغي سوى لنفسها، لا أن تصغي إلى التّاريخ وإلى لغة الأرقام، إنها فضائيات توهم النّاس بأن البلاد تمتلك منتخبا قويا، والحقيقة ليست كذلك. هكذا تواصل الفضائيات في الجزائر نصب خيام البكاء في البلاتوهات، وتواصل الكلام عن خيبة في مونديال 2026، وكأن المنتخب تعوّد على أفراح أو بلوغ أدوار حاسمة مثل البرازيل أو فرنسا. لا أحد يودّ مواجهة الحقيقة عارية، من دون تجميل، ويقول إن مشاركة هذا العام كانت حسنة، نظرًا إلى تاريخ المشاركات السابقة، بل الجميع يودّ أن ينفخ في الرّماد ويتكلّم عن المنتخب وكأنه من طينة الكبار.
لقد تحوّلت الكرة إلى ما يشبه عبادة، فالنّاس يخوضون في شأنها بعد الفجر وقبل الظّهر، في ساعة العصر وبعد المغرب، يتحدّثون عن منتخب وكأنه من المقدّسات ولا يحقّ أن يخرج من الأدوار الأولى، ويتغافل المذيعون والمحلّلون في الفضائيات أننا نمتلك منتخبًا يفرح لمجرد التأهل للمونديال، وذلك أكبر إنجاز لأن سيرة هذا المنتخب لم تنضو على نجاحات في مسابقة عالمية.
من المقدّر أن هذه الفضائيات قد وقعت في سوء تقدير، وتظنّ أن نجاحات المنتخب في أفريقيا لا بدّ أن تودي إلى نجاحات في دورة عالمية، لكن المنتخب لم يحظ بنجاحات في أفريقيا، وهذا تفصيل آخر تخفيه الشاشات عن المشاهدين، لأن العودة إلى منطق التّاريخ ولغة الأرقام تفيد بالعكس. فمنذ الاستقلال مرّة أخرى انتظمت 33 دورة من دورات كأس أفريقيا، ولم تتوجّ فيها الجزائر إلا في مناسبتين، من بينها مرّة داخل الدّيار. في عملية حسابية ندرك أن نسبة التتويج لم تتعدّ 6 في المئة من مجموع دورات كأس أفريقيا.
مع العلم أن هناك منتخبات من بلدان أخرى تعاني من ميزانيات منخفضة مع ذلك حصدت اللقب أكثر من الجزائر. ففي كلّ مرّة نحاول فيها العثور على سبب، أو ما يبرّر هذا التشاؤم الذي يحكم القنوات في الجزائر، ونودّ فهم العلة التي تجعل المذيعين غير راضين عن أداء المنتخب، لا نجد لهم عذرًا. إذا وسعنا من دائرة النّظر وطالعنا مشاركات منتخب الكرة في دورات الألعاب الأولمبية، فإن الجزائر لم تتأهل في هذه المنافسة عدا مرتين، وفي المرّة الأخيرة قبل عشر سنوات خرج المنتخب من الدّور الأوّل. وإذا أردنا أن نخوض في شقّ مقارب، يتعلّق بأداء الأندية الجزائرية للكرة، سوف ندرك أن الأندية المحلية لم تفز بكأس رابطة الأبطال الأفريقية سوى مرّة واحدة في الثلاثين سنة الماضية. على طول ثلاثين سنة لم يحطّ الكأس في البلد عدا مرة واحدة، وهذه إحصائية لا تبعث على التّفاؤل. كيف أن أندية عاجزة عن المنافسة في دورات قارية ثم نرجو منها أن تزوّد المنتخب بلاعبين؟ هذا أمر آخر لا نسمعه من القنوات، بل إنها تتحدّث وكأن المنتخب يمتلك لاعبين من طينة رودري وهالاند.
ومنذ الاستقلال كذلك لم يحصل لاعبو الجزائر على جائزة أفضل لاعب في أفريقيا عدا في مرّتين. هكذا يبدو المشهد مكتملًا، فنحن لا ننتج لاعبين ينافسون على اللقب الأغلى في القارّة، لم نفلح على الصعيد الفردي ولا الجماعي، وهذا ليس عيبًا، بل هذا أمر يشير إلى أن العمل لا يزال قيد الإنجاز، وأن الأولوية تعود إلى التّكوين وإعادة التنظيم، هذا هو النّقاش الأهم الذي كان يجدر بالفضائيات أن تخوض فيه، أن تتحدث بما ينفع المشاهد، بأن الجزائر في حاجة إلى مدارس تكوين الناشئة في الكرة، في حاجة إلى إعادة النّظر في تعاملها مع المدربين، أن نفكر بما ينفع في المستقبل، بدل أن تظل القنوات حبيسة الماضي، في التّشكي من نتائج مونديال 2026، كان من الواجب كذلك أن نفكّر في الرّياضات التي تنجح فيها الجزائر، لا سيما في المحافل الدّولية، وهي في الغالب رياضات فردية، على غرار ألعاب القوة، وأن نساعدها في التّطوّر، بدل اختصار الرّياضات كلها في كرة القدم، والتي لم تجن منها الجزائر سوى مضاعفة في التشكي والهجاء. لم نجن من كرة القدم سوى مزيد من القنوات والفضائيات التي تزرع خطابًا من السلبية، بدل أن تزرع التّفاؤل.

 كاتب من الجزائر



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *