العنصر المحوري لنجاح الحوار في السودان


بداهةً، جوهر أي حوار وطني، في السودان أو غيره، هو موضوعاته وأجندته التي سيتم التحاور حولها، باعتبارها تتناول مسببات النزاع وجذور الأزمة، وأن الحوار يوسم بالنجاح، فقط عندما تنتهي مداولاته حول هذه الأجندة بالتوافق على مخرجات تخاطب جذور الأزمة ومنع إعادة إنتاجها. لكن هذا الجوهر وحده، أي الاتفاق على موضوعات الحوار وأجندته، لا يكفي ولا يضمن نجاح الحوار، إذا لم يأت ضمن مجموعة من العناصر والمقومات، يُشترط توفرها جميعا، وفي حزمة متكاملة، حتى ينجح الحوار المقترح.

 الحوار الوطني ليس جلسة أكاديمية ، بل هو عملية وجودية ومفاوضات مصيرية لمعالجة الأسباب الجذرية للحرب ومنع تجددها

فحوار «الوثبة» الذي أطلقه الرئيس المخلوع عمر البشير في 27 يناير/كانون الثاني 2014، تضمنت أجندته موضوعات وقضايا استراتيجية تخاطب جذور الأزمة السودانية، منها: *الإجابة على سؤال كيف يحكم السودان، وتحديد شكل الحكم الأمثل، والاتفاق على صيغة دستورية دائمة تحمي التعددية الحزبية والتداول السلمي للسلطة؟ *التوافق على السياسات والقوانين التي تضمن بسط الحريات كاملة واحترام حقوق الإنسان، والمساواة بين جميع أبناء الوطن في الحقوق والواجبات. *كيفية وقف الحرب وصناعة السلام، وتحقيق الأمن والاستقرار في البلاد؟ *ماهية الهوية السودانية والقيم العليا وكيفية الاتفاق حولها والدفاع عنها؟ *مناقشة قضايا المركز والهامش، والتنوع واحترام الآخر، وتقنين كل ذلك في الدستور وقوانين البلاد. *ثوابت سياسة السودان الخارجية، وكيفية تحسين علاقاته الخارجية، وتوطيدها مع المنظمات الدولية. *وأخيراً السياسات الاقتصادية التي تضمن رفع المعاناة عن المواطنين وتحقيق العدالة الاجتماعية وزيادة معدلات التنمية. ولكن، رغم هذه الأجندة والموضوعات المحترمة، فشل حوار «الوثبة» في نزع فتيل الأزمة السودانية، بل زادها إشتعالا. والسبب الرئيسي هو غياب العناصر والمقومات الأخرى التي يشترط توفرها حتى ينجح الحوار، فتحولت هذه الموضوعات الاستراتيجية المحترمة إلى مجرد سفسطة إنشائية على الورق. الحوار الوطني ليس سمنارا أو جلسة أكاديمية أو لقاء للعصف الذهني، بل هو عملية وجودية ومفاوضات مصيرية لمعالجة الأسباب الجذرية للحرب ومنع تجددها، وحول مستقبل السودان. وجلسات الحوار الوطني الحقيقي هي معركة إرادات ترتدي بدلة رسمية، وتحمل في جيبها مفاتيح البر الآمن أو المستنقع الآسن. وفي النهاية، المتحاور ليس من يوقع على ورق؛ بل من يوقع على جبين القدر، محاولاً إقناعه بتغيير مساره، ريثما ينفث آخر نفس في جسد الأمل. وإذا كنا صادقين فعلا في اعتماد الحوار كآلية لمعالجة الأسباب الجذرية للحرب وأزمات السودان المزمنة، ومنع تجددها، وحول مستقبل السودان، فيجب العمل على توفر كل العناصر والمقومات الضرورية لنجاحه، وليس قصر الأمر في الإجابة على سؤال حول ماذا نتحاور، رغم أنه يمثل جوهر وأساس الحوار. لهذا السبب، نحن نناقش قضية الحوار الوطني في السودان في سلسلة مطولة من المقالات، اليوم هو سادسها. وكنا في المقالات السابقة قد ناقشنا اثنين من هذه العناصر والمقومات، هما:1- توفر الإرادة السياسية الصادقة عند كل الأطراف، وتوافقهم على الهدف الرئيسي من الحوار، وعلى أي شيء يتحاورون. وبينا كيفية قياس هذه الإرادة السياسية الصادقة وفق معايير وإجراءات عملية ملموسة. 2- بناء الثقة بين أطراف الحوار، من خلال تنفيذ حزمة من الإجراءات والترتيبات المحددة قبل بدء الحوار. ونواصل اليوم مناقشة بقية العناصر والمقومات التي لن ينجح أي حوار يدون توفرها متكاملة في حزمة واحدة.
العنصر أو المقوم الثالث، هو قبول وقناعة الأطراف المتحاورة بأن الحاكم لعمليات الحوار ليس مبدأ الربح والخسارة وإنما مبدأ المساومة، والتي في إطارها تتم التنازلات، ليكون الرابح في النهاية هو الوطن. هذا العنصر هو الأكثر حساسية وجوهرية في فلسفة الحوار الوطني. فإذا كان العنصر الأول، الإرادة السياسية، هو»المحرك»، والثاني، الثقة قبل بدء الحوار، هو»الوقود»، فإن العنصر الثالث هو «قانون السير» الذي ينظم الحركة ويمنع الاصطدامات. ونناقشه بالتفصيل، في مقال اليوم وما يليه، بالإجابة على الأسئلة التالية: لماذا مبدأ «الربح والخسارة» هو قاتل الحوار رقم واحد؟ وما هو مبدأ المساومة، وكيف يختلف عن مبدأ الربح والخسارة، ولماذا المساومة ضرورية ومتى تعتبر ناجحة؟ ما هي قواعد المساومة الفعالة في الحوار؟ كيف نضمن أن يكون الرابح هو الوطن فعلاً وليس طرفاً بعينه؟ وأخيرا، كيف نقيس نجاح هذا العنصر الثالث عملياً؟
أولا: لماذا مبدأ «الربح والخسارة» هو قاتل الحوار رقم واحد؟
في الصراعات السياسية، العقلية السائدة هي عقلية الفائز يأخذ كل شيء. هذه العقلية تصلح في ساحات المعارك أو التنافس الانتخابي، لكنها تدمّر الحوار الوطني لعدة أسباب: *فعندما يعتقد كل طرف أن أي تنازل هو «خسارة» له و»ربح» للآخر، فإنه يتشبث بموقفه كأنه جزء من عقيدته، ويصبح النقاش عقيمًا، لأن الهدف يصبح «إثبات خطأ الآخر» بدلاً من «إيجاد حل». *والطرف الذي يشعر أنه «خسر»، لن ينفذ الاتفاق بإخلاص؛ بل سيبحث عن فرصة لاستعادة ما «خسره»، مما يجعل أي اتفاق مؤقتاً وهشاً. *في عقلية الربح والخسارة، تُحسب الأرباح والخسائر على أساس مكاسب اللحظة، وليس على أساس مستقبل الوطن. قد يكسب طرف ما نقطة سياسية اليوم، لكنه يخسر استقرار البلد كله غداً.
ثانيا: ما هو مبدأ المساومة وكيف يختلف عن مبدأ الربح والخسارة، ولماذا هي ضرورية ومتى تعتبر ناجحة؟
مصطلح المساومة في سياق الحوارات الوطنية والسياسية لا يعني بالضرورة «تسوية أو صفقة» أو «تنازلا رخيصا»، كما قد يتبادر إلى الذهن في الاستخدام اليومي. ففي علم السياسة وإدارة النزاعات، المساومة هي الآلية الجوهرية التي تتحول بها المواقف المتصارعة، والمتمترسة خلف أسوار الأيديولوجيات، إلى قرارات قابلة للتنفيذ. هي بمثابة الفرن الذي يصهر المواقف، وقد ينتج موقف ثالث لم يكن موجوداً على الطاولة أصلاً. ونواصل نقاش مبدأ المساومة في مقالنا القادم، حيث سنتناول قواعدها الفعالة، وكيفية ضمان أن يكون الرابح هو الوطن. كما سنناقش المعايير العملية لقياس نجاح العنصر الثالث.

٭ كاتب سوداني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *