ماذا بقي من إرث سلطان باشا الأطرش في جبل العرب؟


عندما يُذكر جبل العرب، تقفز إلى الذاكرة فوراً صورة سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى، الرجل الذي قاتل الاستعمار الفرنسي، ورفض التقسيم، وحرر سوريا، وحفر اسمه في ذاكرة السوريين والعرب.
وعندما يُذكر سلطان يحضر الدروز معه، حتى بدا سلطان والجبل والدروز ثلاثة أسماء لحكاية واحدة. لكنه لم يكن بطلاً درزياً، بل سورياً بامتياز. حمل أهل دمشق سيارته على الأكتاف، ورفض الدويلة التي صنعها الفرنسيون في الجبل، لأنه فهم مبكراً ما يبدو أن البعض يريد نسيانه اليوم: جبل العرب لا يعيش جزيرة معزولة عن محيطه.
كان يستطيع أن يكون سيد دويلة صغيرة تحت المظلة الفرنسية. لكنه اختار سوريا. وهنا تحديداً تبدأ الفضيحة السياسية والأخلاقية التي نعيشها اليوم. كل الأمم تحفظ أبطالها، إلا أننا أمام مشهد عجيب يحاول فيه البعض التخلص من أعظم رمز أنجبه جبل العرب، لا لأنه خان الجبل، بل لأنه كان وطنياً أكثر مما يحتمل مشروعهم!
سلطان الذي كانت صورته في كل بيت، واسمه في الأعراس والجوفيات والحصاد، والذي رفعت ساحة الكرامة صوره طوال الاحتجاجات ضد النظام الأسدي، أين هو اليوم؟ أين اختفى سلطان؟ ولماذا اختفى؟ الجواب مؤلم وبسيط: لأن سلطان أصبح عقبة أمام المشروع الانفصالي. فتاريخه يفضحهم. كيف تجعل الانفصال عقيدة ثم ترفع صورة الرجل الذي رفض تقسيم سوريا؟ كيف تستقوي بالخارج ثم تتغنى برجل صنع مجده وهو يقاتل قوة أجنبية احتلت بلاده؟ كيف تريد سلخ الجبل عن سوريا، ثم تطلب من الرجل الذي قاتل من أجل وحدتها أن يكون شاهد زور على مشروعك؟ لا يمكن.
ولهذا لم تعد المعركة على صورة سلطان، بل على معنى سلطان. وبعد تموز الأسود، وما تعرضت له السويداء وقراها من هجمات وحشية وجرائم وفظائع، وجد دعاة الانفصال في دماء الضحايا فرصة ذهبية لإعادة تشكيل هوية الجبل على أساس الخوف والغضب والقطيعة. وهنا أسأل بلا مواربة: دلوني على مظاهرة كبيرة منذ تموز الأسود رفعت صورة سلطان كما كانت تُرفع من قبل. دلوني على فعالية سياسية أعادت نهجه الوطني إلى الواجهة. دلوني على عرس عاد الناس فيه يغنون لسلطان. أين ذهبت الجوفيات؟ أين اختفت صور الرجل الذي كانت صورته تكاد لا تغيب عن بيت؟ وأين صورته على صدور المقاتلين الذين يزعمون اليوم إنهم يدافعون عن الجبل؟
وفي المقابل، كيف ظهرت أعلام إسرائيل وصور بنيامين نتنياهو في بعض المشاهد؟ كيف انتقلنا من صورة قائد الثورة السورية الكبرى إلى صورة مجرم حرب مطلوب دولياً ويداه ملطختان بدماء مئات الألوف من القتلى والأطفال؟
أي انقلاب هذا؟ وأي ذاكرة يراد تصنيعها للجبل حتى يصبح سلطان عبئاً، بينما تصبح رموز الخارج القذرة مقبولة عند البعض؟ أتذكر والدي، رحمه الله، عندما كنا نحصد القمح. إذا خفتت همتنا بدأ يغني لسلطان، وما إن نسمع اسم الباشا حتى ننتفض ونعود إلى الحصاد بحماس شديد. هذه ليست حكاية عائلية صغيرة. هذه قصة جيل كامل. كان اسم سلطان طاقة. كان كرامة. كان يكفي أن يرد اسمه في جوفية حتى يشتعل العرس. فهل أصبح الغناء لسلطان اليوم جريمة؟ وهل وصل العبث بالتاريخ إلى حد أن يصبح المتمسك بإرثه متهماً بأنه قريب من «داعش»؟ أي جنون هذا؟ ما علاقة سلطان باشا الأطرش بداعش؟ الرجل مات قبل ظهور التنظيم بعقود. بل إن المتطرفين الذين هاجموا الجبل اعتدوا على رموزه وتماثيله وصوره أيضاً. فكيف يتحول من استهدفه المتطرفون رمزياً إلى متهم بالتطرف؟ كيف يصبح سلطان نفسه «داعشياً» في قاموس من يريد التخلص من إرثه؟ هذه ليست قراءة للتاريخ. هذا اغتيال للتاريخ. والأخطر ما أثير عن التضييق على من توجهوا إلى قرية القريا مسقط رأس الباشا لإحياء ذكرى الباشا، والاعتداء على بعضهم، وبينهم مسنون، وتوقيفهم وتهديدهم. نحن هنا أمام كارثة أخلاقية قبل أن تكون سياسية.
أي زمن هذا الذي يحتاج فيه درزي في جبل العرب إلى الشجاعة كي يحيي ذكرى سلطان باشا الأطرش؟ أي جبل هذا الذي يصبح فيه الاحتفال بقائد ثورته فعلاً يحتاج إلى إذن؟ وأي مهزلة تجعل رجلاً تجاوز الثمانين يخشى الذهاب إلى القريا لإحياء ذكراه؟
والأغرب أن المتطرفين التكفيريين الذين هاجموا الجبل اعتدوا على صور سلطان، ثم يأتي متشددون من الاتجاه الآخر ليضيّقوا على صوره وذكراه. يختلفون في كل شيء، ثم يلتقون، بقصد أو من دونه، عند سلطان! هؤلاء يحطمون تمثاله، وأولئك يريدون تحطيم معناه.

 كيف انتقلنا من صورة قائد الثورة السورية الكبرى إلى صورة مجرم حرب مطلوب دولياً ويداه ملطختان بدماء مئات الألوف من القتلى والأطفال؟

ثم وصل العبث إلى لقب «قايد الكلّة»، المرتبط بسلطان في الوجدان الدرزي، فحاول البعض منحه لزعامة معاصرة. بهذه الخفة والسهولة؟ مئة عام من التاريخ تمحى بابتسامة وهتاف في مضافة؟ هل أصبحت عظمة سلطان منصباً شاغراً يستطيع أي شيخ أو قائد فصيل أن يرثه؟ سلطان لم تصنعه ميليشيا. ولا زعران ومجرمون مطلوبون للعدالة وتجار كبتاغون. لم تصنعه كاميرا. لم تصنعه أجهزة دعاية. ولم يحتج إلى رجال مسلحين يفرضون زعامته على الناس. صنعته المعارك والتضحيات والتاريخ.
ثم امتدت حملة التشويه إلى بعض أحفاده وأقاربه لأنهم طالبوا بالحفاظ على نهجه الوطني. فكان الرد التخوين والتشهير، تحت شعار التخلص من «حكم الباشاوات». جميل! تريدون التخلص من حكم الباشاوات، فتستبدلون سلطان بشيخ أو قائد فصيل لا يرتقي إلى شسع نعل سلطان؟ إذا كنتم ضد تقديس الأشخاص، فابدؤوا بمن تقدسونهم اليوم. أما أن تهدموا تمثالاً تاريخياً في وجدان الناس لكي تبنوا تمثالاً جديداً لشخص معاصر لا يحظى بواحد بالمائة من قيمة سلطان، فهذا ليس تحرراً من عبادة الأشخاص، بل تغيير للشخص المطلوب عبادته.
ثم نصل إلى قمة العبث: هل نعاقب سلطان بأثر رجعي لأن مجرمين وقتلة هاجموا السويداء بعد وفاته بعقود؟ هل يتحمل عمر المختار جرائم الليبيين اليوم؟ وهل يتحمل سلطان جرائم الدواعش الأوباش؟ ما علاقته بهم؟
هل أصبحت الوطنية السورية جريمة لأن مجرمين يحملون الهوية السورية؟ وإذا ارتكب سوري جريمة، فهل نمحو سوريا من تاريخ سلطان؟ المسألة إذن ليست خلافاً على رجل مات منذ عقود. المطلوب محاكمة فكرة سوريا من خلال سلطان. وهنا يجب أن يتوقف الصمت. يمكن لأهل السويداء أن يرفضوا أي حكومة، وأن يثوروا على الظلم، وأن يدافعوا عن الجبل، وأن يطالبوا بحقوقهم كاملة، لكنهم لا يحتاجون إلى قتل سلطان مرة ثانية كي يفعلوا ذلك.
آن الأوان لمن بقي في داخله شيء من إرث الباشا أن يخرج من الصمت، سلمياً وعلنياً. ارفعوا صور سلطان. غنوا له. اكتبوا عنه. أعيدوا الجوفيات التي تحمل اسمه. أحيوا ذكراه في القريا وفي كل قرية. علّموا أبناءكم من كان، ولماذا قاتل، ولماذا رفض تقسيم سوريا. لا تستأذنوا فصيلاً كي تتذكروا تاريخكم. ولا شيخاً كي تحترموا بطلكم. ولا مسلحاً كي ترفعوا صورة رجل كان أكبر من كل الفصائل والزعامات الطارئة.
تاريخ جبل العرب ليس ملكاً لفصيل، ولا لشيخ، ولا لزعيم، ولا لجماعة مسلحة، فالزعماء يأتون ويذهبون، والفصائل تظهر وتختفي، والذين تملأ صورهم الساحات اليوم قد لا يتذكر أسماءهم أحد غداً. أما سلطان فقد اجتاز الامتحان الذي لا يستطيع أحد تزوير نتائجه. امتحان التاريخ. ومحاولة محوه لن تصغّر سلطان.
ستصغّر الذين يحاولون محوه. فلا تنتظروا حتى يصبح رفع صورة سلطان عملاً بطولياً. ولا تنتظروا حتى يسألكم أبناؤكم: لماذا اختفت صورة الرجل الذي كانت صورته في بيوت أجدادنا؟ والسؤال لم يعد: ماذا بقي من سلطان باشا الأطرش؟ السؤال الأكثر إيلاماً، والذي يجب أن يواجه به كل درزي نفسه، هو: ماذا بقي فينا نحن من سلطان باشا الأطرش؟ وإذا كنا نخشى حتى رفع صورته والدفاع عن إرثه، فبأي حق نزعم أننا أحفاد الرجال الذين ساروا خلفه؟

٭ كاتب واعلامي سوري
[email protected]



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *