مأزق سياسي في إسرائيل


جاءت الانتخابات الإسرائيلية، التي جرت الأسبوع الماضي، بتغييرات كبرى في تركيبة الكنيست، إذ هبطت كتلة نتنياهو من 68 عضوا إلى 53، وزادت قوّة المعسكر المناهض له من 42 إلى 46 عضوا، وارتفعت بشكل حاد قوّة الأحزاب العربية من 10 مقاعد في الكنيست المنتهية ولايتها، إلى 19 عضوا بعد الانتخابات.
النتيجة الأبرز للانتخابات أن نتنياهو خسر الأغلبية البرلمانية، ولن يستطيع إعادة تشكيل حكومته الحالية، لكن لم يحسم مصيره السياسي بعد. فقد أفرزت النتائج خريطة سياسية لا تمنح أياً من المعسكرين أغلبية برلمانية لتشكيل الحكومة، وانتقلت المعركة من تنافس على أصوات الناخبين إلى تسابق على أصوات أعضاء الكنيست. وستبقى حكومة نتنياهو الحالية في السلطة إلى أن تتشكّل حكومة جديدة قريبا، أو ربّما بعد إعادة الانتخابات.
خلقت انتخابات أكتوبر حالة من الانسداد السياسي في إسرائيل، قد يؤدّي إلى عدم تشكيل حكومة بديلة، وإلى انتخابات جديدة في الربيع المقبل. ويتفاقم الانسداد بعد حملة التشكيك بنتائج الانتخابات، التي يقودها حزب الليكود برئاسة نتنياهو، بادعاء تأثير «تمويل أجنبي معادٍ» على الانتخابات، والهدف القريب لهذه الحملة هو منع عقد جلسة الكنيست الثلاثاء المقبل.

سيطرة على الكنيست

حصل معارضو نتنياهو مع الأحزاب العربية على أغلبية برلمانية مطلقة تصل إلى 67 عضو كنيست من 120، وصار بمقدورهم السيطرة على الكنيست. وهم عقدوا النية على انتخاب رئيس كنيست جديد وعلى السيطرة على لجان الكنيست، ما سيخلق أزمة دستورية بين سلطة تشريعية تسيّرها المعارضة وسلطة تنفيذية يحكمها الائتلاف. هذا يختلف عن أزمات مماثلة في دول أخرى، لأن النظام الإسرائيلي هو نظام برلماني، وليس نظاما رئاسيا، كما في الولايات المتحدة مثلا. وفي سبيل السيطرة على الكنيست، يحتاج معسكر التغيير إلى أصوات الأحزاب العربية، لذا يشن نتنياهو حملة فاشية شعواء لسحب شرعية الاعتماد على أصوات النواب العرب، بادعاءات ملفّقة حول «تزييف الانتخابات»، وعبر اتهامهم بدعم «الإرهاب» ورفض اعتبار حماس «منظمة إرهابية».

تبرز أهمية سيطرة «معسكر التغيير» مع الأحزاب العربية على الكنيست، بأنّها قد تشكّل اختبارا لردود الفعل في الشارع الإسرائيلي، على التعاون مع الأحزاب العربية

بعد الإقرار الرسمي القانوني للنتائج من قبل لجنة الانتخابات المركزية، لا يوجد أي عائق قانوني لعقد جلسة الكنيست الافتتاحية الثلاثاء المقبل، ويبدو أنّها ستعقد فعلا، حتى لو جرت احتجاجات صاخبة من اليمين المتطرّف، الذي يعلن جهارا أنّه لا يعترف بنتيجة الانتخابات. لقد قرر معسكر التغيير الاستيلاء على مفاصل التحكّم بالكنيست، لكنّه لم يقرر إلى الآن من هو مرشّحه كرئيس للكنيست. وينص القانون الإسرائيلي على أن انتخابه يتم بأغلبية الأصوات في حين أن إقالته بحاجة إلى أصوات 90 عضو كنيست. لذا هناك خلاف حول المرشّح، فإذا كان يئير لبيد هو المرشح، فهذا سيشكل عائقا كبيرا أمام تشكيل حكومة «وحدة قومية»، لأنّه يعارضها وسيعمل ضدها من كرسي رئيس الكنيست إن هي قامت. أمّا إذا كان المرشح شخصا آخر، فهذا يعني ترك الباب مفتوحا أمام احتمال حكومة كهذه. سيطرة المعارضة على الكنيست لا تمنع حكومة تصريف الأعمال التي يرأسها نتنياهو من اتخاذ قرار بالقيام بعمليات عسكرية، أو حتى بشن الحرب، ولا تفرض عليها قيودا بما يخص السياسة الخارجية. لكن باستطاعة المعارضة تشكيل لجان برلمانية مؤقّتة، تعمل إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة، وبإمكانها أيضا سن قوانين جديدة وإلغاء قوانين قائمة. كما تمنحها السيطرة على الكنيست صلاحية منع إقرار تشريعات وميزانيات جديدة تطلبها الحكومة.
ستواجه المعارضة صعوبة في تمرير القوانين التي تطرحها قياداتها. ومنها مثلا «قانون المتهم»، الذي ينص على منع من صدرت ضده لائحة اتهام من تولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ من المرجّح ان يُصنّف كقانون ضد شخص وليس قانونا عاما وقد تلغيه المحكمة العليا. وقبل أيّام اقترح جادي آيزنكوت، تمرير قرار برلماني بإقامة «لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر»، ما عارضه نتنياهو بشدّة في السنوات الثلاث الماضية. لكن الإجراء في غاية التعقيد، وبحاجة إلى سن قانون جديد يتيح للهيئة العامة للكنيست إقامة مثل هذه اللجنة. هذا ممكن، لكنّ لن يكون سهلا. وذهب بعض قادة المعارضة إلى طرح المبادرة لتمرير قانون التجنيد للخدمة العسكرية والمدنية، ولكن تمريره غير ممكن لأن الأحزاب العربية لن تقبل بفرض الخدمة المدنية الإلزامية على الشباب العرب.
من المحتمل أن تدوم حالة «أغلبية برلمانية بلا حكومة، وحكومة بلا أغلبية برلمانية» لأكثر من شهرين، وربما تمتد حتى أبريل المقبل، إذا جرت إعادة الانتخابات، وهذا هو السيناريو المرجّح حاليا. وتبرز أهمية سيطرة «معسكر التغيير» مع الأحزاب العربية على الكنيست، بأنّها قد تشكّل اختبارا لردود الفعل في الشارع الإسرائيلي، على التعاون مع الأحزاب العربية، ما قد يردع المعارضة عن إقامة حكومة أقلية بدعم عربي، أو قد يكون له أثر معاكس ويشجّعها على القيام بذلك. كما أن درجة سخونة المواجهة المحتملة بين الكنيست والحكومة، ستكون عاملا ومؤشّرا بشأن إقامة حكومة وحدة.

الصوت العربي

شكل نجاح 19 عضو كنيست من الأحزاب العربية في الانتخابات البرلمانية مفاجأة للجميع. وفاقت النتيجة أكثر التوقّعات تفاؤلا، ومنها حسابات كاتب هذه السطور، الذي رجّح أن العدد سيصل إلى 17 عضو كنيست عربي بالحد الأقصى، انطلاقا من إمكانية تساوي نسبة التصويت بين العرب واليهود. وتعود الزيادة في قوة الأحزاب العربية إلى الارتفاع الحاد في نسبة التصويت، التي قفزت من 55% إلى ما يزيد عن 80% في الانتخابات الحالية، وهي أعلى نسبة منذ ستين عاما، وتفوق ولأول مرة منذ ستين عاما أيضا نسبة تصويت اليهود في الانتخابات.
السبب المباشر والحاسم للزيادة في نسبة تصويت العرب في إسرائيل هو الغضب العارم على سياسات حكومة نتنياهو ـ سموتريش ـ بن غفير، وبالأخص رعايتها لمنظمات الإجرام، التي تمارس القتل والابتزاز وتنشر الرعب في نفوس المواطنين في جميع البلدات العربية. كما كان التصويت «عقابا» لنتنياهو وأعضاء حكومته على ما ارتكبوه من إبادة جماعية وتدمير شامل في غزة، وما اقترفوه من جرائم في لبنان وفي الضفة.
لقد كان للصوت العربي تأثير حاسم في حرمان نتنياهو من الأغلبية، وقطع عليه طريق إعادة تشكيل حكومة تقوم على الائتلاف الحاكم الحالي. وأطلق نتنياهو وأبواقه الدعائية، حملة تحريض عنصرية وفاشية غير مسبوقة لسحب الشرعية السياسية للأحزاب العربية والمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل عموما. واتخذت الحملة طابعا أكثر خطورة لأن الشاباك شارك فيها بعد أن سيطر عليه نتنياهو وأخضعه لأغراضه السياسية الحزبية وليس فقط لهوسه الأمني المعروف. وترتفع حدة التحريض العنصري المنفلت على العرب لتحقيق هدف ردع أحزاب «معسكر التغيير» عن إقامة حكومة أقلية بدعم الأحزاب العربية أو بامتناعها، واجتمعت هنا بشكل خطير العقلية العنصرية مع المصلحة السياسية والخوف من خسارة السلطة.

ثلاثة سيناريوهات

كما تبدو الأمور اليوم، هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة بالنسبة لمرحلة ما بعد الانتخابات الإسرائيلية: أولا، إقامة حكومة أقلية: وهي تتعلق باتفاق قادة «معسكر التغيير» على إقامتها، فلديه 48 عضو كنيست ويمكنه أن يحظى بدعم 8 نواب من القائمة الموحّدة وبامتناع نواب القائمة المشتركة المكوّنة من 11 نائبا. وفي هذه الحال ستفوز حكومة الأقلية في الكنيست بأغلبية 56 مقابل 53، ليجلس نتنياهو في كرسي المعارضة. العائق الأكبر أمام تشكيل هذه الحكومة هو رفض أفيغدور ليبرمان. لكن هناك احتمال معيّن أن يغيّر رأيه بعد استنفاد البدائل الأخرى.
ثانيا، حكومة وحدة: وهو الخيار الذي تدعمه الإدارة الأمريكية ويسعى إليه الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ وينادي به بعض صنّاع الرأي العام في إسرائيل. وهناك عوامل يمكن أن ترجّح هذا الخيار وهي نشوب حرب والدعوة لحكومة طوارئ، وكذلك إمكانية منح عفو لنتنياهو في إطار اتفاق على تناوب على رئاسة الحكومة مع آيزنكوت. ويؤكّد جميع قادة المعارضة رفضهم لحكومة الوحدة، لكنّهم قد يغيّرون رأيهم في حال تغيّرت الظروف خلال الأسابيع المقبلة.
ثالثا، انتخابات جديدة: وهذا ممكن جدّا إذا تمسّكت الأطراف السياسية الإسرائيلية بمواقفها المعلنة. المعادلة الحالية أن «معسكر التغيير» يخشى الانتخابات ويخاف من إضعاف قوته فيها، لذا سيسعى جاهدا إلى منعها. نتنياهو من جهة أخرى يرى أنّ قوته ستزداد، وهو يضع معادلة، إمّا أن تقبلوا بشروطي أو الانتخابات.
لم تحسم الانتخابات الإسرائيلية مصير الحكومة، وتفتح نتائجها الباب على احتمالات متعددة، كلّها سيئة. لكن الحكومة الحالية هي الأسوأ في كل الأحوال، وهي ستبقى في الحكم إلى حين تشكيل حكومة بديلة.

كاتب وباحث فلسطيني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *