الأمم المتحدة- “القدس العربي”: قال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، إن المنظمة تعمل على تطوير مجموعة من التدابير التقنية والعملياتية لحماية قوات حفظ السلام من هجمات الطائرات المسيّرة، موضحاً أن هذه الجهود تشمل تحسين قدرات الرصد والوعي بالوضع الميداني، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التدريب ووسائل الحماية غير الهجومية.
وجاءت تصريحات لاكروا خلال مؤتمر صحافي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، عرض فيه نتائج زيارته الأخيرة إلى الشرق الأوسط، ولا سيما لبنان وسوريا ومرتفعات الجولان المحتل، كما تناول مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل”، وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701، وإنهاء مهمة “مينورسو” في الصحراء الغربية، والتحديات التي تواجه بعثة الأمم المتحدة في أبيي.
وقال لاكروا إنه التقى في لبنان الرئيس جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وعدداً من الوزراء وقائد الجيش اللبناني، إلى جانب قيادة “اليونيفيل” وأفرادها. وأضاف أن زيارته ربما كانت الأخيرة للقوة قبل انتهاء مهمتها، مشيداً بما قدّمه عناصرها على مدى عقود.
وأكد أن “اليونيفيل” تواصل تنفيذ ولايتها من خلال مراقبة التطورات والإبلاغ عن الانتهاكات، والحفاظ على قنوات الاتصال ومنع الاحتكاك بين الأطراف، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى سكان جنوب لبنان. وقدّر عدد الأشخاص الذين لا يزالون يعيشون في المنطقة الواقعة بين ما تسمى “الخط الأصفر”، أو خط الدفاع الإسرائيلي المتقدم، والخط الأزرق، بنحو عشرة آلاف شخص، مع إقراره بصعوبة تحديد رقم دقيق.
وأوضح أن الأمين العام قدّم إلى مجلس الأمن في يونيو/ حزيران خيارات تتعلق بشكل الوجود الأممي الذي قد يخلف “اليونيفيل”، وأن المنظمة لا تزال تنتظر توجيهات واضحة من المجلس. وأضاف أن الأمم المتحدة ترى استمرار الحاجة إلى وجود لها في لبنان، وهو موقف قال إن السلطات اللبنانية تشاركه.
ونقل لاكروا عن المسؤولين اللبنانيين قلقهم من احتمال نشوء فراغ أمني عند غياب طرف ثالث بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي، ومن فقدان آليات المراقبة والإبلاغ ومنع الاحتكاك، ولا سيما على امتداد الخط الأزرق. كما أشار إلى مخاوف مرتبطة بمصير الخط نفسه، واستمرار دعم سكان الجنوب، والحفاظ على قدرات إزالة الألغام والهندسة التي توفرها القوة الدولية.
وقال إن آلية الاتصال ومنع الاحتكاك التابعة لـ”اليونيفيل” أثبتت فاعليتها في تجنب الحوادث غير المقصودة التي قد تؤدي إلى تصعيد، وكذلك في تأمين مرور القوافل الإنسانية بعد التنسيق مع الأطراف. وتساءل عن البديل المتاح إذا أصبحت القوات اللبنانية والإسرائيلية وجهاً لوجه دون وجود طرف ثالث.
وأضاف أن مراقبي هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة “أنتسو” سيحتفظون بولايتهم بعد مغادرة “اليونيفيل”، لكن عملهم في جنوب لبنان، ولا سيما بين الخطين الأصفر والأزرق، سيواجه صعوبات عملية في ظل انتشار الذخائر غير المنفجرة والألغام واستمرار الأنشطة العسكرية، فضلاً عن كونهم مراقبين غير مسلحين يحتاجون إلى الحماية والدعم.
وأكد لاكروا أن خطط انسحاب “اليونيفيل” جاهزة، وأنها صُممت بمرونة تسمح بتعديلها إذا قرر مجلس الأمن إنشاء شكل جديد من الوجود الأممي. لكنه أشار إلى أن المناقشات داخل المجلس لم تشهد حتى الآن تحركاً كبيراً، معرباً عن أمله في الحصول على توجيهات واضحة قريباً.
وجعل المسؤول الأممي من القرار 1701 “البوصلة” لأي مسار سياسي مقبل، موضحاً أن الهدف هو استعادة لبنان سيادته الكاملة، بما يشمل حصر السلاح في أيدي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الشرعية، بالتوازي مع معالجة المخاوف الأمنية للبنان وإسرائيل.
وفي حديثه عن حزب الله، أوضح لاكروا أن مهمة “اليونيفيل” لم تكن نزع سلاح الحزب بنفسها، بل دعم الجيش اللبناني في العمليات الرامية إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة. وقال إن ذلك لم يحدث بسبب غياب الإرادة السياسية، وإن أي عملية لحفظ السلام لا تستطيع تحقيق الهدف السياسي الذي أُنشئت لدعمه دون تعاون الأطراف ووحدة مجلس الأمن.
وأشار إلى أن انتهاء مهمة “اليونيفيل” لا يعني اختفاء الأمم المتحدة بالكامل من لبنان، إذ سيواصل المنسق السياسي والفريق القطري الأممي عملهما. لكنه شدد على أن غياب قرار ينشئ وجوداً أممياً جديداً في الجنوب سيؤدي إلى فقدان الحضور الميداني المسؤول عن المراقبة والإبلاغ والاتصال ومنع الاحتكاك ودعم وصول المساعدات الإنسانية.
ورداً على سؤال لـ”القدس العربي” بشأن التحديثات التقنية التي تعمل الأمم المتحدة على تطويرها لمواجهة هجمات المسيّرات، قال لاكروا إن الاستجابة لا تعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل تجمع بين تحسين قدرات الكشف، وتعزيز الوعي بالوضع المحيط بالبعثات، وتحديد مصادر التهديدات المحتملة، وتدريب الأفراد وتوفير وسائل الحماية الميدانية.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي والأدوات التقنية الحديثة يمكن أن تساعد في تحليل البيئة العملياتية ورصد الأخطار قبل تحولها إلى هجوم مباشر. لكنه أوضح أن التعامل مع المسيّرات يثير مسائل قانونية وعملية معقدة، لأن المجال الجوي يعود إلى الدولة المضيفة وليس إلى الأمم المتحدة، كما أن إسقاط الطائرة قد يؤدي إلى سقوط حطامها على المدنيين والتسبب في إصابات أو أضرار إضافية.
وقال إن المنظمة تدرس وسائل مختلفة لتعطيل المسيّرات، وليس مجرد إسقاطها بإطلاق النار، مؤكداً أن العمل لا يزال جارياً لتحديد أنسب الحلول. وأضاف أن الأمم المتحدة تحركت بالفعل لتلبية بعض الاحتياجات العاجلة للبعثات الأكثر تعرّضاً لهذه الهجمات، ومن بينها بعثة أبيي.
أما بشأن تأثير التخفيضات المالية في تطوير هذه التقنيات ونشرها، فقال لاكروا إنه لا يملك تقييماً جاهزاً يمكن تقديمه رداً على “القدس العربي”. لكنه أكد في إجابة أخرى أن تعزيز أمن قوات حفظ السلام يتطلب موارد مالية، وأن تحسين وسائل الحماية “له تكلفة”.
وأوضح أن عمليات السلام لا تزال خاضعة لتجميد التوظيف، وأن البعثات مطالبة بالتحفظ الشديد في إنفاقها. ورغم توقعه أن يكون الوضع المالي أفضل من العام الماضي، حين اضطرت الأمم المتحدة إلى خفض 25 في المئة من قدرات البعثات بسبب عدم سداد أحد كبار المساهمين كامل مستحقاته، أكد أن القيود المالية ستظل قائمة. كما حذر من أن عدم دفع الاشتراكات كاملة يخلق فجوة بين الولايات التي يقرها الأعضاء والموارد اللازمة لتنفيذها، ويؤخر مستحقات الدول المساهمة بالقوات والشرطة، وغالبيتها من البلدان النامية.
وفي سوريا ومرتفعات الجولان المحتل، قال لاكروا إن قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أوندوف” تواصل الإشراف على تنفيذ اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ومراقبة التطورات وتبادل المعلومات ومنع الاحتكاك بين الجانبين. وأضاف أن أهمية هذه الوظائف ازدادت في البيئة الحالية.
وأشار إلى أن سكان المنطقة قدموا شكاوى بشأن حالات احتجاز وفرض قيود على الوصول إلى الممتلكات أو مصادرتها نتيجة وجود القوات الإسرائيلية. وقال إن اتصالات البعثة أسهمت في بعض الحالات في الإفراج عن محتجزين وإعادة ممتلكات، معرباً عن قلقه إزاء أثر الوجود العسكري الإسرائيلي في السكان المدنيين ضمن منطقة عمليات البعثة.
وفي الصحراء الغربية، أعلن لاكروا أن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء “مينورسو” أوقفت عملياتها بعد انتهاء ولايتها في 31 أكتوبر/ تشرين الأول، إثر إخفاق مجلس الأمن في الاتفاق على تمديدها، منهية بذلك 35 عاماً من العمل. وأوضح أن المهمة الوحيدة المتبقية للبعثة هي تنظيم انسحابها وتصفيتها، ولم تعد تملك ولاية لمراقبة الأنشطة العسكرية أو التحقق من الوقائع الميدانية.
وأضاف أن مواقع البعثة ستُخلى، وسيجري التعامل مع معداتها وفق الإجراءات الأممية، بينما تتولى إدارة الدعم العملياتي قيادة عملية التصفية. وقدّر أن تستغرق العملية بضعة أشهر، مع تأكيده أن الجدول الدقيق وكيفية التصرف في المعدات، بما في ذلك احتمال نقل بعضها إلى بعثات أخرى، يحددهما المختصون.
وجدد لاكروا دعوة الأمين العام جميع الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتجنب الخطوات التي قد تزيد التوتر أو تهدد الاستقرار الإقليمي. كما أكد استمرار التزام الأمم المتحدة بدعم التوصل إلى حلّ سياسي مقبول من الطرفين يكفل لشعب الصحراء الغربية حقه في تقرير المصير.