باريس- “القدس العربي”:
تجري السلطات القضائية الفرنسية تحقيقًا واسعًا حول شبكة معقدة تضم عسكريين حاليين وسابقين، إلى جانب مدنيين، يُشتبه في تورطهم في إنشاء شركة خاصة استُخدمت لبيع معلومات مصنفة ضمن أسرار الدفاع الوطني، بل وربما التوسط في صفقات أسلحة، وفق ما كشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية في تحقيق.
جاء في التحقيق أنه تم حتى الآن توجيه الاتهام إلى ستة أشخاص، أبرزهم موظف سابق في قصر الإليزيه، أوقف في الـ 13 أبريل الماضي من قبل جهاز الأمن الداخلي الفرنسي (DGSI). وقد تم وضعه رهن الحجز لدى جهاز الاستخبارات الداخلية، ثم وُجهت إليه تهم خطيرة تتعلق باختلاس وتسريب معلومات سرية تخص الدفاع الوطني.
يبلغ هذا الموظف من العمر 38 عامًا، وكان يعمل حتى عام 2025 مترجمًا متخصصًا في الشأن الروسي داخل الرئاسة الفرنسية، وهو منصب حساس كان يتطلب اطلاعًا على معلومات دقيقة للغاية، حيث كان مكلفًا بإعداد الاتصالات بين رئيس الجمهورية ونظرائه، وصياغة مذكرات تحليلية حول روسيا، وهو ما يفرض حصوله على تصريح أمني رفيع المستوى.
تجري السلطات تحقيقًا واسعًا حول شبكة معقدة تضم عسكريين حاليين وسابقين إلى جانب مدنيين، يُشتبه في تورطهم في إنشاء شركة خاصة استُخدمت لبيع معلومات مصنفة ضمن أسرار الدفاع الوطني
كان يُطلق على نفسه لقب “الأدميرال” أو “فلاديمير”، وكان شغوفًا بروسيا وبالشؤون العسكرية، ويمارس في وقت فراغه تحليل المعلومات المفتوحة، حيث كان يتتبع السفن الحربية الروسية ويرسم خرائط لتحركاتها.
تشير التحقيقات إلى صلته بشركة تدعى Archange، وهي شركة خاصة كانت تقدم نفسها كمؤسسة متخصصة في تحليل المعلومات الجيوسياسية والاقتصادية باستخدام مصادر مفتوحة.
بداية هذه القضية تعود إلى تنبيه صدر عن جهاز أمني تابع لوزارة الدفاع الفرنسية، رصد تسريب وثائق شديدة الحساسية مصنفة ضمن أعلى درجات السرية، وذلك بالتزامن مع نشاط شركة Archange، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2024 و2025.
أسس هذه الشركة عسكري سابق يبلغ من العمر 34 عامًا، كان يعمل في وحدة الاتصالات الخاصة داخل قصر الإليزيه، وهي وحدة مسؤولة عن تأمين الاتصالات الحساسة لرئيس الجمهورية مع القادة الأجانب.
كما قرر هذا العسكري السابق، الذي عانى من إرهاق شديد ومشكلات نفسية دفعته لمغادرة الجيش، إنشاء شركته الخاصة بهدف تقديم تحليلات استراتيجية لجهات حكومية أو شركات خاصة، مستندًا في ذلك إلى المعلومات المتاحة علنًا. غير أن التحقيقات كشفت لاحقًا أن الشركة لم تكتفِ بالمصادر المفتوحة، بل استندت إلى وثائق سرية حقيقية.
عثر المحققون، خلال مداهمة منزل مؤسس الشركة في شهر مايو/أيار عام 2025، على عدة وثائق مصنفة، بما في ذلك ثلاث وثائق سرية للغاية ووثيقة محدودة التداول، صادرة عن أجهزة استخبارات عسكرية.
تضمنت هذه الوثائق تحليلات دقيقة حول أوضاع حساسة، مثل سيناريوهات أزمة محتملة في لبنان، ووضع القوات المسلحة في ليبيا، وسيرة جنرال في تشاد، إضافة إلى معلومات تقنية حول تحديث سفينة حربية روسية. وقد تبيّن أن محتوى هذه الوثائق أُعيدت صياغته واستخدامه داخل تقارير الشركة، في محاولة لإضفاء طابع احترافي عليها.
وأيضا أثارت المداهمة شكوكًا إضافية بعد العثور على معدات توصف بأنها ذات استخدامات تجسسية، مثل نظارات ذكية وطائرة مسيرة وأجهزة تتبع.
تضمنت هذه الوثائق تحليلات دقيقة حول أوضاع حساسة، مثل سيناريوهات أزمة محتملة في لبنان، ووضع القوات المسلحة في ليبيا، وسيرة جنرال في تشاد
ولم تتوقف الشبهات عند هذا الحد، حيث كشفت التحقيقات عن رسائل متبادلة بين أعضاء الشبكة تشير إلى محاولات للتوسع في مجال تجارة الأسلحة. تضمنت هذه الرسائل إشارات إلى مروحيات وقذائف وألغام وذخائر، إضافة إلى نية بيع هذه المعدات لجهات مختلفة، من بينها مجموعات مرتزقة أو دول في مناطق معينة.
تشير إفادات بعض المتهمين إلى أن الشركة حاولت التحول إلى دور الوسيط بين جهات راغبة في شراء الأسلحة وشركات تصنيعها، بعد أن فشلت في تحقيق نجاح يُذكر في مجال تحليل المعلومات المفتوحة. وقد أدى ذلك إلى توجيه تهم إضافية تتعلق بممارسة نشاط الوساطة في تجارة الأسلحة دون ترخيص، وهي تهم خطيرة في القانون الفرنسي.
من بين المتورطين أيضًا شابة تعمل مترجمة للغة الروسية داخل الإليزيه، كانت على علاقة شخصية بمؤسس الشركة، وقد ثبت أنها كانت تُعد تقارير لصالح الشركة خلال وقت عملها الرسمي وترسلها إلى بريدها الإلكتروني الشخصي.
كما شملت التحقيقات شابًا موهوبًا في مجال المعلوماتية، يعاني من متلازمة أسبرجر، وكان مسؤولًا عن الجانب التقني للشركة، إلى جانب محلل عسكري يعمل خارج فرنسا.
رغم خطورة الوقائع، لم تتمكن التحقيقات حتى الآن من إثبات وجود علاقة مباشرة مع دولة أجنبية أو نشاط تجسسي لصالحها، رغم أن بعض المتهمين أبدوا اهتمامًا واضحًا بروسيا. ويبدو أن الدافع الرئيسي وراء هذه الأنشطة كان ماليًا بالدرجة الأولى، تؤكد “لوموند”.
تثير هذه القضية العديد من التساؤلات حول فعالية أنظمة الحماية الأمنية داخل المؤسسات الحساسة، وكيف تمكن هؤلاء الأشخاص من استغلال مواقعهم السابقة أو الحالية للوصول إلى معلومات سرية واستخدامها لأغراض خاصة.
كما تطرح تساؤلات حول الضغوط النفسية التي يتعرض لها العاملون في هذه القطاعات، وإمكانية تأثيرها على سلوكهم. تقول “لوموند”، موضحة في نهاية تحقيقها أن التحقيقات ما تزال مستمرة بهدف تحديد مصدر تسريب الوثائق بدقة، ومعرفة ما إذا كانت هناك أطراف أخرى داخل هذه الشبكة أو خارجها، وربما الكشف عن امتدادات دولية محتملة لهذه القضية المعقدة.