لندن- “القدس العربي”:
دعت مجلة “إيكونوميست” في افتتاحيتها، الولايات المتحدة وإيران إلى التوصل لاتفاق مع أنه في أي حالة لن يكون كاملا ومرضيا للطرفين. وقالت إن استمرار وقف إطلاق النار هو من النعم الصغيرة التي يجب علينا أن نحمد الله عليها. فالمحادثات التي بدأت في إسلام آباد نهاية الأسبوع الماضي قد تستأنف قريبا. ورغم إغلاق مضيق هرمز، فإن أسواق النفط لم تتأثر أكثر مما كانت عليه.
وبينما ينتشر الضرر الاقتصادي تدريجيا على مستوى العالم، لا يزال من الممكن تجنب ركود اقتصادي حاد ناجم عن إغلاق مضيق هرمز.
ومع ذلك، فهذه النعمة وحدها لا تكفي، وبخاصة إن أرادت أمريكا وإيران تجنب العودة إلى حرب عبثية. وعليهما والحالة هذه، ضمان أن يقود وقف إطلاق النار إلى سلام دائم، وذلك بفتح المضيق وتسوية نزاعهما حول البرنامج النووي. وهذا يتطلب تنازلات واستعدادا للتعامل مع تعقيدات استعصت على كلا الجانبين، ولا سيما الرئيس دونالد ترامب.
على إيران وأمريكا ضمان أن يقود وقف إطلاق النار إلى سلام دائم، وذلك بفتح مضيق هرمز وتسوية نزاعهما حول البرنامج النووي
وأشارت المجلة إلى أن الطريق للسلام يبدأ بتقييم نفوذ أمريكا، فقد كان فرض الحصار البحري الذي أمر به ترامب، محاولة لتعزيز موقفه بعد أسابيع من القصف الذي فشل في إجبار إيران على الاستسلام. فهذا الإجراء يمنع ناقلات النفط التي تنقل ما يصل إلى مليوني برميل يوميا من النفط الإيراني إلى الأسواق الخارجية، حتى في خضم الحرب. والهدف هو استخدام الوضع الاقتصادي للضغط على المتشددين الإيرانيين للتراجع في المفاوضات.
وتقول المجلة إن الحصار هو تكتيك أقل ضررا من الأفكار السيئة التي طرحها ترامب في الأسابيع الماضية، كقصف محطات الطاقة الإيرانية وإرسال القوات الأمريكية إلى جزيرة خرج لتكون هدفا سهلا، أو تدمير صناعة النفط الإيرانية.
وتعلق المجلة أن الاقتصاد المتردي كان في الحقيقة أكبر نقاط ضعف إيران قبل بدء الحرب.
وقد اندلعت الاحتجاجات الجماهيرية في إيران نتيجة الغضب من انهيار العملة ونقص الطاقة والمياه وانتشارالبطالة والفقر، ورد النظام بقمع وقتل المتظاهرين في كانون الثاني/يناير.
إلا أن نجاح الحصار الأمريكي غير مؤكد إلى حد كبير، فمثل هذه الإجراءات عادة ما تستغرق شهورا، بل سنوات، لفرض الشروط والتأكد من الامتثال إليها.
وتعتقد المجلة أن النظام الإيراني الذي يريد يائسا تخفيف العقوبات، يعلم أن هذه فرصته للتوصل إلى اتفاق جيد.
وهذا قد يعني أنه مستعد لتحمل الحصار لفترة أطول. وقد ينفد صبر ترامب، وبخاصة مع ارتفاع أسعار البنزين للمستهلكين الأمريكيين. وما يهم في النهاية إن كانت المفاوضات ستؤدي إلى اتفاق.
ومن هنا، فالمرحلة الأولى تتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز، وهو أمر يفترض أن تكون إيران والولايات المتحدة قادرتين على الاتفاق بشأنه، فكلاهما يدرك قدرته على فرض إغلاقه مجددا. ويجب على الولايات المتحدة مقاومة فكرة تحصيل إيران رسوما على السفن العابرة للمضيق، فمن شأن هذا أن يعطيها سيطرة دائمة على المنطقة. ولا بد من وجود نقاش قد تضطر فيه الولايات المتحدة إلى التنازل عن بعض العقوبات مقابل ضمان المرور الآمن.
أما المرحلة الثانية، فتتمحور حول البرنامج النووي الإيراني. والخطوط العريضة للاتفاق واضحة هنا أيضا: يجب على إيران أن توقف محاولاتها لامتلاك سلاح نووي مقابل تخفيف المزيد من العقوبات. ومع ذلك، ستكون التفاصيل معقدة.
فالطرفان لا يثقان ببعضهما البعض، لذا لن يقدم أي منهما على خطوات جريئة، خشية ألا يلتزم الطرف الآخر بتعهداته في الاتفاق لاحقا.
كما قد تغيب الجاهزية للتسوية، لأن كلا الطرفين يريد الحصول أو تصوير ما يحققه على طاولة المفاوضات كانتصار، وهو ما لم يتمكن أي منهما من تحقيقه أثناء الحرب.
وأخيرا، وكما تشهد على ذلك المفاوضات التي استمرت قرابة عامين بشأن الاتفاق مع إيران في عام 2015، فإن تحديد تفاصيل البرنامج النووي سيكون أمرا صعبا جدا.
وفي جوهر التعقيدات، هناك مخزون إيران من اليورانيوم المخصب البالغ حجمه 400 كيلوغرام، حيث تطالب الولايات المتحدة بسحب هذا المخزون من إيران وحظر أي تخصيب جديد.
التوصل إلى اتفاق معقول كان ممكنا قبل أن تبدأ أمريكا وإسرائيل بإطلاق النار على إيران، وعليه، فمن الصعب تصور أن تكون نتائج هذه الجولة أفضل حالا.
وفي المقابل، تسعى إيران إلى تخفيف العقوبات المفروضة عليها والسماح لها بالتخصيب، كأمر يتعلق بالسيادة يصعب عليها التخلي عنه.
وتقول المجلة إن هناك حلولا وسطا، كأن تقوم إيران بتخفيف تركيز اليورانيوم إلى مستوى منخفض مناسب للاستخدام المدني، كما يمكنها التخلي عن التخصيب لفترة طويلة ولكن محدودة، أو تخصيب اليورانيوم ضمن تحالف. ولن تُرفع جميع العقوبات عن إيران، ولكن يمكن رفع التجميد عن بعض أصولها المالية المحدودة المحتجزة في الخارج.
وتعترف المجلة أن مثل هذه الصفقة معقدة، وتحتاج إلى مراقبين دوليين، لضمان مصداقيتها. وحتى لو لم تخصب إيران اليورانيوم، إلا أنها ستخضع لقيود على عدد أجهزة الطرد المركزي، وعلى الأبحاث النظرية، نظرا لأن إيران ما بعد الحرب لديها حافز أكبر للسعي الحثيث نحو امتلاك قنبلة نووية.
ويكمن الخطر في أن تطيل إيران أمد المفاوضات على أمل انتزاع المزيد من الأموال من الولايات المتحدة، ولكنها ستنتهي دون أي نتيجة.
وحتى لو توصل الطرفان إلى اتفاق، فلن يكون هناك مجال للانتصار، وستبقى إيران تشكل تهديدا في الشرق الأوسط. فقد اكتشف نظامها المرير وغير الآمن أنه يستطيع استخدام مضيق هرمز والضربات الإقليمية كأسلحة. كما أدركت أمريكا أن خوض حرب مع إيران أمر محفوف بالمخاطر، وسيتطلب الأمر جهدا كبيرا لإعادة بناء البنية التحتية الأمنية واقتصاديات دول الخليج، بما في ذلك في إيران.
وتقول المجلة إن التوصل إلى اتفاق معقول كان ممكنا قبل أن تبدأ أمريكا وإسرائيل بإطلاق النار على إيران، وعليه، فمن الصعب تصور أن تكون نتائج هذه الجولة أفضل حالا.