لن تنتهي الحرب


رحل الأمريكيون عن فيتنام، مخلّفين إرثاً ثقيلاً لم تستطع الطائرات العمودية التي رحلت على عجل حمله على متنها، إرثاً لا يتعلق بالعدد الكبير من الجثث الذي ملأ الشوارع، بل بالعدد الكبير من الأحياء الذين ألقي بهم وكانوا بمثابة المخلفات لهذه الحرب الرهيبة التي عصفت بالبشر والشجر والحجر.
لكن المهزوم الفَرِح بنجاته حمل معه أيضاً الكثير من مخلفات انتصاره الفادحة التي كان يظن أنه حققها، يوم كان يصول متحكّماً بالأرض ومن عليها.
كثيرة هي الأفلام التي تناولت حرب فيتنام، وقد شكل بعضها الهجاء الأكبر للسياسة الأمريكية وأمريكا نفسها، وكانت هذه الأفلام ولم تزل شهادات كبرى حققها بعض أهم المخرجين الأمريكيين: كوبريك، ستون، كوبولا. وقد شكلت هذه الأفلام علامات كبيرة في مسيرة الاحتجاج ومسيرة الفن السابع على السواء، «وهذا ما لم نجده بالعمق نفسه وبالكثافة نفسها، ما بعد حربهم على العراق وحربهم على أفغانستان».
.. بعد سنوات من انتهاء تلك الحرب البشعة، واصلت ثمار القسوة نموها، عبر آلاف الأبناء الذين ولدوا لآباء أمريكيين وتم تجاوزهم كما لو أنهم جزء من مشهد الحرب الذي لا يريد أحد أن يتذكّره.
يسلط فيلم «البلد الجميل» للمخرج النرويجي هانز بيتر مولاند، الضوء على واحدة من ثمار تلك الحرب، الشاب «بينه» الذي ولِد لأم فيتنامية من سايغون ولأب جندي في الجيش الأمريكي.
يتتبع الفيلم تفاصيل الجحيم الجديد الذي خلّفه الأمريكيون وراءهم، كما فعلوا وما زلوا يفعلون حتى اليوم، ويتتبع العذابات الكبرى التي يرزح تحت وطأتها هذا الشاب، بدءاً من رفض المجتمع له باعتباره عنوان مرحلة لا يريد أحد تذكّرها، وانتهاء بمحاولته العثور على جحيمه الخاص كخلاص أخير، عبر بحثه عن أمه في الرحلة الصغرى، من القرية إلى سايغون، وبحثه عن أبيه في الرحلة الكبرى من سايغون إلى تكساس.
لا يصور لنا الفيلم طفولة «بينه»، لكن ومنذ المشهد الأول الذي نراه، نكتشف فيه شاباً منكسراً أمام كل شخص أمامه. لذا، ليس غريباً أن تقول له الفتاة «لينغ» التي أحبته في رحلة المهالك: انظر إليّ. فيرد: «إنني أنظر إليكِ»، ولكنه في الحقيقة كان ينظر إلى حذائها لا إلى وجهها، وهذا ما كان يفعله دائماً مع كلّ من يصادفه.
للحظة، يبدو لنا حجم انكساره كما لو أنه نوع من الإعاقة، لكننا نعود ونتذكر مهارته في اصطياد السّمك، خفّته، وقدرته على القيام بأشياء كثيرة بإتقان، كما سيتبيّن لنا مع تطور الأحداث.
في المسافة التي تفصل «بينه» صاحب النظرة الكسيرة ووالده ستيف صاحب القدم الكبيرة (يقوم بدور الأب نيك نولت) ثمة مساحة هائلة من الرعب، وليس من المصادفة أن يكون الأب الذي يعثر عليه الابن أخيراً أعمى، وإلّا فكيف يمكن لابن عاش كلّ ذلك الانكسار أن يحدّق في النهاية في عينين مبصرتين؟! لقد وجد ذلك الانكسار معادله الموضوعي في عينين مصابتين بالعمى. لذا، كان من الطبيعي أن يحدق فيهما «بينه» مباشرة، أخيراً، دون خوف!
لا يصور المخرج الجانب المشرق لأي شيء، سوى تلك العلاقة الطيبة التي ربطت «بينه» بفتاة صينية وجد نفسه إلى جانبها في معسكر اعتقال ماليزي للمهاجرين عاثري الحظ الذين وقعوا في أيدي رجال خفر السواحل لهذا السبب أو ذاك. ويعتبر دور الفتاة واحداً من أهم الأدوار، حيث تحطمَت أحلامها بالوصول إلى المسارح كفنانة، وحوّلها الاعتقال إلى فتاة تبيع جسدها من أجل الحصول على أبسط شروط العيش في ذلك المعسكر.
تنمو علاقة «بينه» بها في حيز مغلق، لا يتربص الحراس فيه بالمهاجرين فقط، بل يتربص فيه المهاجرون بأنفسهم، ويكون «بينه» نفسه معادياً في نظرته لها، بسبب ما تفعله، لكن علاقة الفتاة بأخيه الصغير الذي لا يتجاوز عمره السنوات الخمس، تفصِح عن حميمية وأمومة ورحمة غير عادية تسكن قلب هذه الفتاة.
الانكسار، إذن، هو محصلة وجوهر هذا التاريخ الثقيل والشخصية المطحونة بكل أنواع الإذلال، وهكذا تتحول رحلة الحلم المتمثلة في العثور على الأب إلى رحلة للوصول إلى الجحيم، ولا شيء غير ذلك، فالأم بقيت وراءه مرشحة مثالية لاتهامها بجريمة لم ترتكبها بعد وقوع سيدة البيت وموتها على البلاط المبتل، والابن الأصغر لها شقيق «بينه» ذو الحضور الجميل والطاغي يموت على متن السفينة المتوجهة إلى أمريكا، هذا الابن الذي سيتبين لنا فيما بعد أن والده هو ابن تلك المرأة الأرستقراطية، كما لو أن الأمريكيين وأثرياء سايغون يقومون بالدور نفسه: إنجاب أولاد من فتيات عامة الشعب الفيتنامي وإلقائهم إلى المجهول فاقدي الهوية والمصير.
يرسم الشاب لأبيه صورة راعي البقر الجسور الذي يمتطي حصانه ويلوّح بحبل في يده ويلقيه بمهارة حول عنق بقرة هاربة، وتوقد تكساس في مخيلته صوراً كثيرة في هذا المجال، لكنه حين يهتدي لأبيه، يجد أنه أمام شخص أكثر انكساراً، محطم بسبب فقدان البصر نتيجة انفجار صندوق متفجرات في وجهه، وأن صاحب المزرعة يتحين فرصة لطرده، ولم تكن هناك فرصة أفضل من وصول عامل جديد شاب، حتى لو كان فيتناميًّا، لكن الابن يرفض أن يُطرد العامل الآخر ويقترح أن يتقاسم معه العيش في المقطورة، وهكذا يصل الابن لأبيه.
الأيام التالية لهما معاً محاولة للتعرف على ماضي الأب وأسباب عدم عودته لاصطحاب زوجته وابنه معه «كان قد تزوج الأم في الكنيسة» لكن هذه الأيام التي تتوالى رتيبة في ذلك البرِّ الصحراوي الفسيح الموحش، لا تعِد بشيء يجعل لتلك الرحلة المميتة طعماً، فالشيء الوحيد الذي نحسّ به أن علاقة طيبة تنمو ببطء، تحكمها الضرورة من قبل الأب الذي وجد في النهاية شخصاً ما، أي شخص، إلى جانبه، ويحكمها الاختيار الذي تحوّل إلى قدر، لأن ذلك الشاب لا يملك حرية العودة إلى الوراء، لأنه لا يملك أي شيء خلفه.
وبعد:
قدران بائسان على حواف الصحراء، يؤنِس الواحد منهما وحدة الآخر، ولا شيء أمامها يعد ببلد جميل أو نهاية جميلة، كما لو أن كلاً منهما قد عثر على يأسه أخيراً، يأسه الذي لا يملك شيئاً سواه، ولذا انزرع إلى جانبه متشبثاً به مستميتاً.
بقي الإشارة هنا إلى أن الشخصيات الرئيسة كلها غير أمريكية باستثناء الدورين القصيرين المؤثرين للمثل نك نولت «الأب»، والممثل تيم روث الذي قام بدور قبطان سفينة الهجرة.
فيلم «البلد الجميل» فيلم مؤثر حقاً، وهو مرافعة عميقة ضد القسوة والعنف والتحلل من المسؤولية، وهو شهادة حية على أن الحروب لا تنتهي لمجرد وقف إطلاق النار، شهادة حية على أن الحروب التي تبدأ لا تنتهي أبداً.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *