وصف كبير الحاخامات في بريطانيا أفرايم ميرفيس تصويت المجمع العام لكنيسة إنكلترا على التعامل مع وثيقة «كايروس فلسطين 2»، الصادرة عن المبادرة المسيحية الفلسطينية، تشير إلى تنفيذ إبادة جماعية في غزة بأنه «مخز ويوم حزين للعلاقات اليهودية – المسيحية».
أثار قرار الكنيسة غضبا ضمن اللوبي الإسرائيلي ومجلس نواب اليهود البريطانيين، لكنه أطلق، في المقابل، ردود فعل أخرى غاضبة من ناشطين يهود ومسيحيين ضد موقف كبير الحاخامات.
يعتبر المجمع العام بمثابة الهيئة التشريعية للكنيسة المسيحية الرسمية في إنكلترا وفي المناطق الملحقة بالتاج البريطاني، ويرأسه الملك الحالي تشارلز الثالث، وهي تتمثل في مجلس اللوردات بقرابة 26 مقعدا، وكانت سارة مولالي، أول امرأة ترأس كنيسة انكلترا، قد أكدت خلال مداخلة عقب اعتماد القرار أن موقف الكنيسة ينطلق من اعتبارات أخلاقية وروحية لا سياسية، كما أن قرار الكنيسة تضمن أيضا معارضة معاداة السامية والكراهية ضد المسلمين.
رغم أن المجمع لم «يتبنّ» كل أحكام وثيقة «كايروس فلسطين 2» التي حملت عنوان «لحظة حقيقة: الإيمان في زمن الإبادة الجماعية»، ولا يعتبر انقلابا كاملا في موقف الكنائس الغربية، لكنه يمثل نقلة نوعية في مستوى الخطاب وأدوات الضغط، ما يدل على اقتناع لدى الكنيسة بعدم صلاحية المناشدات الإنسانية المتوازنة ومطالب وقف إطلاق النار، وانتقلت إلى الإصغاء المؤسسي للرواية المسيحية الفلسطينية، مع ربط التضامن مع الفلسطينيين بالقانون الدولي وممارسات الاحتلال والاستيطان والسياسات الاستثمارية.
يكشف القرار عن تطوّر في الخطاب الكنسي الغربي التقليدي الذي كان يساوي غالبا بين معاناة الفلسطينيين وSمعاناة» الإسرائيليين، ويدعو إلى الحوار والسلام من دون تحديد واضح لمسؤوليات الاحتلال الإسرائيلي عما يحصل ضد الفلسطينيين. الجديد في الموقف أن كنيسة إنكلترا قررت التعامل مع المسيحيين الفلسطينيين ليس باعتبارهم مجرد جماعة تحتاج إلى الحماية، بل باعتبارهم «جهة لاهوتية صاحبة شهادة سياسية وأخلاقية مستقلة»، وهو أمر بالغ الدلالة لأن إحدى مشكلات المسيحيين الفلسطينيين تاريخيا أن الكنائس الغربية تتحدث باسمهم بدلا من الاستماع إليهم.
التحول الثاني الذي يظهره القرار هو الانتقال من الاهتمام بتقديم المساعدات الإنسانية الى مناقشة أسباب المأساة الفلسطينية: الاحتلال، الاستيطان، والتهجير، والقيود المجحفة على حركة الفلسطينيين، والإفلات من العقاب. لا يقتصر هذا الاتجاه على كنيسة إنكلترا فقد استقبلت الكنيسة الميثودية في المملكة المتحدة الوثيقة نفسها في مؤتمرها في حزيران/يونيو الماضي، وقررت إعداد مادة دراسية عنها ومخاطبة الحكومة البريطانية لحثها على احترام القانون الدولي فيما يخص الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. وسبق لمجلس الكنائس العالمي أن استخدم لغة شديدة الوضوح في إدانة ممارسات الحكومة الإسرائيلية في غزة.
أحد التطوّرات المهمة أيضا، والتي لا بد أزعج إسرائيل ومناصريها في بريطانيا، هو الانتقال من المواقف الأخلاقية المهمة، عبر استخدام مصطلحات مثل الاستعمار الاستيطاني والأبارتهايد إلى ترجمة المواقف الأخلاقية إلى أفعال مؤلمة لدولة الاحتلال ومنها مراجعة الاستثمارات في إسرائيل، والتدقيق في الشركات المرتبطة بالمستوطنات أو بالاحتلال، والضغط على الحكومة والبرلمان، وإدخال الرواية الفلسطينية في التعليم اللاهوتي وبرامج الرعايا.
لم تنتج هذه التحولات عن تغيّر «لاهوتي» مفاجئ بل عن تراكم وقائع سياسية وإنسانية جعلت استمرار اللغة الكنسية وسلوكياتها أكثر صعوبة. لقد أدت فظاعة الممارسات الإسرائيلية في غزة، من تدمير البنى التحتية المدنية إلى التجويع والتضييق على دخول المساعدات إلى انتقال السؤال الكنسي من «كيف نساعد المدنيين؟» إلى «هل يؤدي الصمت أو الاكتفاء بالمناشدة إلى تبرير هذه السياسات؟».
تحرّك الكنائس الغربية بهذا المعنى، لا يتم في فراغ، بل يحصل ضمن بيئة سياسية أوسع تشهد انتقال الحكومات الأوروبية من الإدانات اللفظية الشكلية إلى تحديد عقوبات، وتصاعد القانون الدولي في النقاش العام، وتراجع القدرة على تقديم المأساة الفلسطينية باعتبارها مجرد «نزاع أمني» منفصل عن الاحتلال، وازدياد الاحتكاك المباشر بين القيادات الكنسية والواقع الفلسطيني.