يوم الأحد الماضي (12 يوليو/تموز)، فقدت قناة ««الجزيرة»» مؤسسها، وصاحب فكرتها، ومن وفر لها كل عوامل النجاح؛ فنجحت، وأسبغ عليها حمايته، وصنعها على عينه، فصارت معلمًا من معالم العالم العربي!
فلم يكن الشيخ حمد بن خليفة هو فقط باني قطر الحديثة، الذي جعل لها موقعًا متميزًا على خريطة العالم، وانتقل بها لتكون رقمًا صحيحًا في المنطقة والعالم، ولكنه، إلى جانب هذا، صاحب مشروع قناة «الجزيرة»، التي هي بمثابة حجر كبير أُلقي في بحيرة الإعلام العربي الراكدة، فكانت عنوانًا من عناوين المنطقة، وأثارت العالم الغربي، الذي ذهب ليدرسها، وصدرت عشرات الكتب والدراسات، وآلاف التقارير الصحافية عنها بكل لغات الدنيا، منذ إطلاق إرسالها!
الذين ولدوا في لحظة إعلان جمال ريان انطلاق بث القناة المرتقبة هم الآن في الثلاثين من عمرهم، والمعنى أن أجيالًا قد تقترب من الأربعين وما بعد ذلك جاءت إلى الدنيا في وجود قناة «الجزيرة»، فلم يعاصروا حال إعلامنا قبلها، وإن كان ثمة حراك إعلامي الآن، فالفضل فيه يرجع إلى مشروع قناة «الجزيرة»!
فمنذ البداية حاولت عواصم عربية أن تستنسخ «الجزيرة»، ولا تزال المحاولات إلى الآن، وإن كانت قد فشلت، فقد غيرت، إلى حد ما، من شكل الإعلام العربي الذي كان نائمًا على نفسه فاستيقظ. فهذه العواصم لم تبخل على مشروعاتها الإعلامية المنافسة بالمال، وجاءت لها بالكوادر من كل صوب وحدب، لكن كان ينقصها عامل مهم، هو أن يكون على رأسها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الرجل الذي أبهر العالم بفكرة قناة ««الجزيرة»».
ولم تقتصر المحاولات على العواصم العربية، فعواصم أجنبية عدة سعت إلى أن تدخل مجال المنافسة، ولم توفق، من الولايات المتحدة الأمريكية، حيث «الحرة»، إلى فرنسا، حيث «فرانس 24»، إلى روسيا، وألمانيا، وإيران، بل إن تركيا، وقد رأت تأثير قناة «الجزيرة» في جذب المشاهدين، قررت الوصول إلى المشاهد العربي عن طريق محطتها التلفزيونية «تي آر تي»، لكن أيًا من هذه القنوات لم تنجح في محاولاتها، وإن ساهمت في تغيير الشكل من خلال التركيز على الأخبار والسياسة، فلم يكن على رأس هذه المشروعات من يملك عقلية الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
الداعم للمهنية والتنوع
قبل ««الجزيرة»»، كان قد استقر في وجدان الناس أن السياسة ليس لها «زبون» في منطقتنا العربية، وأنها طاردة للمشاهدين، فكان الاستغراق في المنوعات، والدراما، وما إلى ذلك، وجاءت قناة «الجزيرة» لتنسف هذا الاعتقاد نسفًا؛ لأنها قدمت سياسة غير التي نعرف، فالخبر الأول ليس عن نشاط أو تصريحات لفخامة الرئيس، أو الأخ القائد، أو جلالة الملك المفدى، والخبر الثاني ليس عن أنشطة السيدة الأولى والأنجال، فلم يكن الشيخ حمد بن خليفة خبرًا في قناة «الجزيرة»، وقد يكون حضور قطر في أحداث مهمة، لكنه كان يتأخر إلى ما بعد الخبر الأول، وإن كان يستحق أن يكون في ترتيب متقدم لأهميته.
الأمير هو من قرر لها أن تكون هكذا، وأن تكون قناة الرأي والرأي الآخر، وأن تكون منحازة لقضايا أمته، وللشعوب لا للقصور، وكان الداعم الأكبر لمهنيتها، ولهذا التنوع الذي ساهم في نجاحها، فاختارت كوادرها على أساس مهني، وليس على أساس حزبي، فكان هذا سر الصنعة.
والمدهش أن صاحب المشروع حاكم عربي، لم يُعرف عنه أنه اشتغل بالمهنة، والمدهش أيضًا أنه ابن البيئة العربية، فلم يكن من الذين تشكلت ثقافتهم في الغرب، فمن أين جاءته هذه الفكرة المبدعة؟!
الحاكم العربي يضع في تصوره، منذ اليوم الأول لتوليه الحكم، السيطرة على الإعلام، من الرقابة إلى المصادرات إلى التأميم، لكن صاحب مشروع «الجزيرة» ذهب بعيدًا؛ إنه يريد إعلامًا مختلفًا، وعلاقة مغايرة، وأن يصنع منبرًا على قواعد مهنية، ثم يكون دوره توفير الحماية له، مهما سبب له هذا من متاعب.
والحال كذلك، فلم يكن بإمكاننا استيعاب هذا التصور، وكانت النظرة إلى «الجزيرة» بارتياب، فهل يعقل أن تكون فكرة اختمرت في عقل حاكم من الحكام العرب، وعهدنا بهم أن ما يختمر في عقولهم هو تحقيق المزيد من القبضة الحديدية؟! لكن بمرور الوقت أمكننا الاهتداء إلى أننا أمام عقلية مختلفة، وحاكم من طراز آخر. ليس دقيقًا أن يقال إنه سابق لعصره، فنحن في عصر جديد، وانظر إلى العواصم العربية، من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر؛ هل جاء في أي عاصمة عربية من يمكنه أن يؤسس مشروعًا إعلاميًا على قواعد «الجزيرة»؟!
كوادر ليست من المريخ
لم يستعن الشيخ حمد بن خليفة في فكرته بخبراء أجانب، أو بإعلاميين من المريخ، فالكوادر عربية من رحم الاستبداد، ولعل لسان حاله حينذاك: أعينوني بقوة أجعل بينكم وبين الطغيان ردمًا، فلبوا معه، ولم يخذلهم ولم يسلمهم، بالرغم مما سببت له «الجزيرة» ولقطر من مشكلات مع جيرانها، ومع كثير من دول العالم، لدرجة أن يفكر الرئيس الأمريكي بوش الابن في قصفها؛ لأنها لم تمكنه من تحقيق نصر سريع في العراق، فيعلن، بشكل متكرر، سقوط أم القصر، وتعلن «الجزيرة»، عبر مراسليها ومصادرها، أن أم القصر لم تسقط، مما جعله وجيشه في حرج بالغ.
ولم يكن لمنبر إعلامي أن يصمد في مهمة نقل الحقيقة إلا بهذه الحماية التي كفلها له الشيخ حمد بن خليفة، ولم يكن لحاكم دولة صغيرة أن يفعل ذلك في مواجهة الغطرسة الأمريكية إلا استشعارًا بقيمة المنبر، فلم يخذله ولم يسلمه، وبدت قطر، مع هذه الحماية لقناتها، كما لو كانت قوة عظمى، فمن أين له بهذه القدرة على أن يتحمل ما فوق الطاقة، وكأنه موقن بعناية السماء، وقد لاحظته عيونها، فلم يُهزم في معركة «الجزيرة»، كما لم تُهزم بلاده في أي معارك أخرى، حتى عندما جمعوا جمعهم للانقضاض على قطر، وجعلوا على رأس أهدافهم إغلاق قناة «الجزيرة»، فقد انتهت معركة الحصار دون تنازل من جانب الدوحة، واستمرت «الجزيرة» على خط النار.
و«الجزيرة» قناة عربية، هي فكرة وحماية رجل عروبي، جعل من القضية الفلسطينية قضيتها، وهي التي كسرت الحصار الإعلامي الغربي، ونقلت من الميدان صور الإبادة، فانتصرت على الحصار، وبدا العالم وكأنه يتعرف على إسرائيل حديثًا، فإذا هي على خلاف الرواية التي يقدمها الإعلام الغربي، فتغيرت الرؤى عنها، وانطلقت مظاهرات في أمريكا وأوروبا تهتف ضد إسرائيل، وتؤثر في مواقف سياسيين غربيين، كانوا ضحايا للرواية الواحدة، أو كانت مصالحهم السياسية في الانحياز إلى هذه الرواية، لكن التحول في مزاج الناس أثر في موقف الساسة.
ولهذا استهدفت إسرائيل مراسلي قناة «الجزيرة» وعوائلهم، واحدًا تلو الآخر، وأغلقت مكتبها في الأرض المحتلة، من دون أن تقدم دليلًا واحدًا على أنها نقلت صورة مولدة، أو فبركت خبرًا، أو قالت غير الحقيقة، فالحقيقة وحدها كفيلة بكشفها للعالم، وقد نقلتها «الجزيرة»، فكانت قطر، الدولة برموزها وسياستها، هدفًا للعدوان الإسرائيلي، من خلال استهدافها بتفجيرات في محاولة لاغتيال قادة من حماس.
أعدى أعداء إسرائيل
وقد بدت البغضاء من أفواههم، فكانت حلقة وثائقي «أعداء» على القناة (11) الحكومية الإسرائيلية، في الأسبوع الماضي، تصنيفًا للشيخة موزا بنت ناصر، حرم الأمير الوالد، ضمن أعدى أعداء دولة إسرائيل، واتهامًا لها بأنها عززت نزع الشرعية عن الكيان، ودعمت حماس، وتقود حربًا مستخدمة القوى الناعمة لتشويه سمعته الحسنة، من خلال الحديث عن أطفال غزة، واستقالتها من منظمة اليونسكو، التي تقاعست عن حمايتهم.
ثم تخطو إسرائيل خطوة أخرى بالتحريض على قطر، من خلال ما نشرته «واشنطن بوست» عن أن الدوحة تدعم إيران، مع أن العدوان الإيراني على دول الخليج لم يستثنها.
وعمومًا، فقد ثبت أن الأمير الوالد لدولة قطر، الشيخ حمد بن خليفة، لم يكن يستثمر في فراغ، فهذه المهنية التي رعاها، وأسبغ عليها حمايته، كانت مدفعية ثقيلة في معركة حصار قطر، ف«الجزيرة»، في الحصار، كانت جيشًا في المعركة، بددت شمل من حاصروا، واغتالت هيبتهم، ولم تتخل عن شعارها «الرأي والرأي الآخر»، وأفسحت المجال لمن ينحازون إلى دول الحصار، فلم تكن بوقًا، وهو ما عُرف بالإعلام بالضرورة في الحروب، فقد كانت معركة قطر عادلة، والعدل لا يحتاج إلى أبواق، وإنما إلى مجرد العرض، فظهرت الحقيقة، وهموا بما لم ينالوا، ولا تزال «الجزيرة» مستمرة.
رحم الله الأمير الوالد وأحسن إليه.
صحافي من مصر