لحن ضد الحرب… ويد تعيد المعنى


لم يكن الصباح في الجنوب اعتيادياً. كان ضوءاً رمادياً يتسرّب بخجل إلى بيت لم يعد بيتاً. الجدران التي تعلّمت أسماء أصحابها صارت ذاكرة مفتوحة على الغبار، والباب الذي كان يضحك كلما عاد الأطفال من المدرسة، صار فجوة تتأرجح فيها الريح. في زاوية من هذا البيت، كان هناك بيانو صغير، لعبة بقدر ما هي وعد، تركه طفل على عجل.
كان الطفل قد علّم أصابعه الأولى أن تتهجّى العالم على مفاتيح بلاكستيكية، دو، ري، مي. كان البيانو لعبة، نعم، لكنه أيضاً نافذة، تطل على عالم لا يهدّه صوت ولا يقصيه خوف. حين كانت أمه تناديه، كان يؤجّل النداء إلى أن ينهي جملة موسيقية صغيرة.
ثم جاء الصوت الذي لا ينتظر، صواريخ تكتب جملها في الهواء، خرج الطفل، ولم يأخذ سوى ما تستطيع يداه أن تمسكه دون أن ترتجف. لم يأخذ البيانو.
بعد الرحيل، ظل البيانو في مكانه، يحدّق في الفراغ. لم يكن يعرف أن الغياب له صوت، وأن الصمت يمكن أن يكون أعلى من أي ضجيج. إلى أن دخل رجل بزيّ عسكري، نظر إلى البيانو وقرر أن يلهو به.
في الخارج، كانت الجرافة تقتلع شجرات، شجرات كانت تحفظ أسرار العصافير، وتدفع الجدران إلى الأرض، كما لو أنها تعيدها إلى طينها الأول. وفي هذا المشهد الذي لا يحتمل لحناً، جلس الجندي على حجر مكسور، ووضع البيانو الصغير في حضنه. ابتسم. ابتسامة قبيحة، ثم ضغط بإصبعه على مفتاحٍ أبيض. خرج صوت خافت، كأنّه نفس ضائع يبحث عن صاحبه. ثم ضغط على آخر. لم يكن يعرف النوتة، فالموسيقى بالنسبة له ليست علاقة، بل نتيجة. ضغط، فصدر صوت، هكذا ببساطة، كما تضغط الأزرار في آلةٍ أكبر، فتسقط بيوت. خلفه، كانت الجرافة تكتب سطراً جديداً من الخراب. أمامه، كان البيانو يحاول أن يتذكّر الطفل، بين الصوتين، انشطر العالم، هناك من يعزف، وهناك من يمحى، هناك ابتسامة، وهناك بيت ينهار، أيهما الحقيقة؟ وأيهما الوهم الذي نختاره كي نستطيع أن ننام؟!
البيانو الصغير لم يكن يعرف الجغرافيا، لكنه كان يعرف الأصابع، يعرف حرارة الكف، التي كانت تحمله بحنان، ويعرف التردّد الجميل حين يخطئ الطفل في ترتيب النوتات. يعرف ضحكة كانت تسبق اللحن، ونداء كان يقطعه. أما الآن، فهو بين يدي رجل لا يعرفه، يعزف بلا ذاكرة. مفاتيح تضغط بلا قصة، وأصوات تخرج بلا معنى. الموسيقى حين تُسلب من سياقها، تصير مجرد ضجيج.
كان يمكن للبيانو أن يصمت، لكن الأشياء لا تختار، الأشياء تشهد، تشهد على من لمسها، وعلى من انتزعها. تشهد على البيت الذي ولدت فيه، وعلى الطريق التي سارت فيها مكرهة. كان البيانو يشهد الآن على مفارقة قاسية، مفارقة أن تعزف الحياة في حضرة الموت!
في مكانٍ آخر، ربما في غرفة ضيّقة عند أقارب أو في مدرسة تحوّلت إلى مأوى، كان الطفل يجلس بلا بيانو. يضع يديه على الطاولة، ويحاول أن يتذكّر مفاتيحه. يضغط على الخشب، فيخرج صمت. يحاول أن يعزف على الهواء، فيخرج وجع. يسأل أمه، هل سنعود؟ ويسأل نفسه: هل بقيت نافذتي مفتوحة؟ ولا يعرف أن نافذته الآن في حضن رجل غريب.
أي معنى للموسيقى حين تؤخذ من طفل لتعطى ليد ملطخة بدماء الأبرياء؟ أيُّ لحنٍ يمكن أن ينجو من هذا التبديل القاسي؟
لكن، في قلب هذا المشهد، هناك شيء لا يسرق، الذاكرة. الذاكرة التي تحمل أصابع الطفل وهي تتعلّم، وصوت أمه وهي تنادي، وضحكة كانت تصلح كل خطأ. الذاكرة التي تجعل من البيانو أكثر من لعبة، وتجعل من البيت أكثر من جدران. هذه الذاكرة لا يقدر عليها أحد. قد تبعثر، قد ترهق، لكنها لا تمحى.
ربما، يوماً ما، يعود الطفل. ربما يجد مكان البيت وقد تغيّر، وقد لا يجد شيئاً سوى شجرة نجت بمعجزة. ربما لا يجد البيانو. لكنّه سيجد القدرة على أن يعزف من جديد. ليس على المفاتيح نفسها، إنما على فكرة أعمق، إن اللحن الذي بدأه لن ينتهي عند جرافة.
وفي مكان ما، سيجلس مرة أخرى، يضع يديه على مفاتيح، أي مفاتيح، ويبدأ: دو، ري، مي، سيخطئ، سيضحك، سيعيد. سيكتب جملته الصغيرة في وجه عالم كبير. وسيكون في هذا الفعل البسيط انتصار، انتصار أن تبقى إنساناً، حتى حين يحاول العالم أن يعزفك كآلة.
أما الجندي، فسيغادر، سيترك خلفه بيوتاً أقل، سيأخذ معه ثقل النظرة حين تتقاطع مع خراب صنعته يداه، ورعشة الصوت الذي خرج من مفاتيحٍ لا تخصّه، سيبقى هناك، في زاوية من ذاكرته، لحن ناقص، لحن لا يعرف كيف يكمله.
ربما الجواب ليس في الكلمات، بل في الإصرار على اللحن. في أن نواصل العزف لنذكّر العالم أن هناك أصواتاً لا تهزم. أن هناك بيانو صغيراً، في بيت كان هنا، ما زال يعزف، ولو في الذاكرة.

حين تلمس الحياة بكفّ صغير

في غزة، حيث لم يعد البيت بيتاً إنما ذكرى، وحيث الخوف صار صوتاً يومياً، ولدت فكرة بسيطة، لكنها عميقة بما يكفي لتعيد قلباً إلى مكانه.
لم يحمل ذلك الرجل سلاحاً، حمل كائناً صغيراً يرتجف، مدّ يده نحو حيوانٍ خائف، كأنه يمدّها نحو طفل فقد طريقه إلى الطمأنينة. لم يسأل ماذا يمكن إنقاذه، بدأ بما هو أمامه، تلك الحياة الصغيرة التي تحتاج دفئاً.
جمع الحيوانات ووضعها في حضن الأطفال، فولد الفرح من حضن الألم. أصابع خائفة بدأت تقترب، قلوب مرتجفة بدأت تهدأ. طفل يلمس ريش طائر، فيتذكّر أنه ما زال قادراً على الشعور.
في غرفة بسيطة، بعيداً عن ضجيج الحرب، كان يبنى شيئاً آخر. هو الأمان. كان الأطفال يضحكون بخفوت، ثم أعلى قليلاً، كأنهم يستعيدون صوتهم تدريجياً. وكان الطائر، الصغير جداً، يعلّمهم درساً كبيراً بأن الضعف لا يعني النهاية.
لم يكن الرجل يعالج الحيوانات فقط، كان يعيد للطفل جزءاً من نفسه.
في الخارج، تستمر الحرب. لكن في الداخل، في كفّ طفل تحمل حياة صغيرة، يولد عالم آخر.
فبالرغم من كل شيء، ما زال في القلب مكان للحياة.

 كاتبة لبنانية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *