عراقيون يرسمون الذاكرة في لندن


لندن – «القدس العربي»:  الفنانون قتيبة الجنابي وصادق طعمة ويمام نبيل وسمير جمال الدين، جمعهم معرض فني بعنوان (أصوات من المنفى) تضمن أعمالا فوتوغرافية لكل من قتيبة ويمام، وأعمالا غرافيكية لصادق، وأعمالا سينمائية تم عرضها لسمير؛ المعرض الذي افتتح رسميا في 17 أبريل/ نيسان ويستمر حتى 23 مايو/ أيار 2026، في غاليري- مؤسسة (Art Forward) في لندن، وهي مؤسسة بدأ نشاطها قبل خمس سنوات، وفق يمام نبيل أحد مؤسسيها: «تهدف إلى تمثيل العالم العربي ثقافياً عن طريق الفن وتقديمه للعالم الغربي، أصالة لا كما يتصوره الغرب، وذلك عبر أنشطة من ضمنها مهرجان سينمائي سنوي، دورته الثانية كانت في فبراير/ شباط هذه السنة؛ وكذلك إنتاج أفلام وثائقية، ومعارض تشكيلية يعتبر هذا المعرض باكورة فعالياتها».

تكوينات على سطح خشبي:

في الصالة الأولى للمعرض تشاهد بوسترات من إرشيف الفنان صادق طعمة، من تصميمه في سبعينيات القرن المنصرم، وبوسترات تدعو لزيارة المتحف العراقي، ومن ثم تجد أعمال صادق الغرافيكية في الصالتين الثانية والثالثة بالتجاور مع أعمال يمام وقتيبة الفوتوغرافية، يقول صادق: «إن ما تركه رافع الناصري المختص في الفن الغرافيكي من أثر، على طلابه في معهد الفنون الجميلة في الستينيات والسبعينيات؛ قرّبه أكثر إلى الـ(Woodblock) وهو فن الحفر على السطوح الخشبية وطباعتها، وقد أنجز عدة أعمال فنية في تلك الفترة أثارت إعجاب أستاذه، ما شجعه على الاستمرار في هذا الضرب من الإبداع، دوناً عن الضروب الأخرى، في هذا المجال مثل فنون طباعة الحفر على الزنك، أو الطباعة على الحرير إلخ؛ حتى وصوله إلى بريطانيا سنة (1978) حيث واصل العمل في فترات متقطعة، يداعب سطوح الخشب لإبداع أشكال وتكوينات قريبة من ذاكرته ومن أعمال كان ينتجها في بغداد»؛ ويستطرد: «الغرافيك هو في الأصل أحد الفنون الصينية القديمة، والأعمال الفنية التي شاركت بها هنا هي أعمال مبكرة من فترة التسعينيات، وهي مجموعة ترى فيها أشكالاً غير واقعية كأنها في الحلم، أو ربما تسبح في الهواء، وهي تكوينيات معكوسة، أو هذا ما بدر على ذهني في تلك الفترة، من مشاعر مختلطة، لكن ظلت لها جاذبيتها الخاصة بالنسبة لي؛ وهي أعمال تختلف عن الأعمال الفنية التقليدية المعروفة (ألوان على قماش)». لم يشارك صادق في معارض فنية منذ مدة طويلة، آخرها كانت مشاركته سنة 1994 في معرض (أوساكا) الغرافيكي في اليابان – لوحة واحدة اختيرت من ضمن ثلاث لوحات، وله أعمال مقتناة في المتحف البريطاني.

لعب على الضوء والظلال:

يمام نبيل لم يمارس الرسم، أو التشكيل بوصفه الاحترافي المعروف، درسه مثل كل طالب في المدارس، ومارسه كهواية فقط، لم يك مدخله للإبداع عبر الفوتوغراف، ربما كان مدخله للصورة هو عمله منتجا تلفزيونيا، يقول: «الصورة كانت مهمة بالنسبة لي من ناحية الذكريات، ألعب فيها على ما هو واقعي بدرجة من الدرجات، وما هو تجريدي بدرجة ليست كاملة بالضبط، الصورة هي الوحيدة التي تحفظ الذكريات – خاصة في المنفى، أنا نشأت في المنفى الذي كان هو قدر عائلتي، وبالتالي قدري كطفل – وقتها، خرجنا من العراق في ثمانينيات القرن المنصرم، وارتبطتُ بالصور التي كان يرسلها لنا الأهل من هناك، والتي كنا نرسلها لهم، تراثنا يبقى في الصور أكثر مما يبقى في الفنون الأخرى، مثل الموسيقى والكتابة؛ يقولون إن الصورة تحفظ لقطة من التاريخ، والصورة مثل القصيدة، كل شخص يفهمها على طريقته؛ كل هذه الأعمال المعروضة مأخوذة على فيلم (35) مم، ليست ديجتال، وهي بالتالي لا تتعرض للتغيير، هي لقطات من عدة بلدان تمثل ذكريات تختزن إحساس المنفى، العمل بالكاميرا القديمة و»تحميض» الفيلم يمكنّك من لعب بعض التغير في الضوء والأشباح والظلال وإبداع لمسات تجريدية على الصورة الواقعية – من دون تحرير للصور؛ مثل هذه الأعمال المعروضة، كل صورة لها قصة معك، ومع كل من يشاهدها لها قصة أخرى».

داخل الصورة:

«الفوتوغراف لم يك اختياراً بالنسبة لي، هو امتداد طبيعي لحياتي»، يقول قتيبة الجنابي، ويستطرد: «الكاميرا كانت دائماً قريبة مني كأنها وسيلة لفهم العالم أكثر من كونها أداة لتوثيقه، في بداياتي، قبل السينما، كانت الصورة الثابتة هي الطريق الأسرع للاقتراب من اللحظة، لالتقاط شيء يمرّ بسرعة، يكاد أن يختفي، وفي تجربة المنفى تحديداً، يصبح هذا الإحساس أكثر حدة، كل شيء مؤقت، عابرٌ وعصيٌّ على الإمساك به: محطة القطار، المقهى، الوجوه لا تتكرر؛ الفوتوغراف هنا محاولة للإمساك بما هو هشّ فيها، بما لا يُرى مباشرة، ربما هو بعض من حياة يومية تحمل في داخلها طبقات من المعنى والحنين والانتظار- ليست رموزاً جاهزة، بالضرورة؛ لكن، رغم هذا القرب، لا أستطيع القول إن الفوتوغراف يلبّي كل ما أبحث عنه فنياً، الصورة هي بداية سؤال، وليست جواباً، كل صورة ألتقطها تحتوي في داخلها فيلماً لم يُصوَّر بعد، أو حكاية لم تُروَ بالكامل، لذا أتنقل بين الفوتوغراف والسينما، بين الثابت والمتحرك، لأن التجربة الإنسانية، خاصة تجربة المنفى، أوسع من أن تُختصر في وسيط فني واحد».
ويختتم: «مدخلي إلى الفوتوغراف لم يك عبر الفن التشكيلي بالمعنى الأكاديمي، بل جاء من الحياة نفسها، من بغداد، من الشارع، من تفاصيل صغيرة جداً كانت تمرّ أمامي وتترك أثراً عميقاً، لاحقاً، عندما درست وعملت في السينما، بدأت أفهم هذه الصور بشكل مختلف، وأرى كيف يمكن للصورة أن تحمل زمنها الخاص، وكيف يمكن للضوء والظل أن يكونا جزءاً من السرد؛ ما يهمني الصدق الداخلي للصورة، أن تحمل شيئاً من التجربة الإنسانية، في هذا المعرض، لا أقدّم أجوبة بقدر ما أطرح حالات من العيش في المنفى، من التذكّر، من محاولة إيجاد مكانٍ ما، حتى لو كان مؤقتاً، ربما هذا هو الدور الحقيقي للفن بالنسبة لي: ليس أن يشرح، بل أن يفتح مساحة للتأمل، وأن يترك للمتلقي حرية أن يرى نفسه داخل الصورة».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *