لا تحاكموا أحلام الشباب بل احموها من السراب



عبد العزيز بنعبو

الرباط – «القدس العربي»: ما زالت مشاهد محاولة عدد من الشباب والمراهقين المغاربة الوصول إلى مدينة سبتة المحتلة (شمال البلاد) تثير موجة واسعة من التفاعل داخل المجتمع المغربي، كما دفع العديد من الفنانين والمثقفين إلى التعبير عن مواقفهم وقراءاتهم لهذا الحدث الذي شغل الرأي العام خلال الأيام الأخيرة. ومن بين الأصوات التي توقفت عند هذه الواقعة الفنان والمخرج المغربي إدريس الروخ، الذي دعا إلى مقاربة الموضوع من زاوية إنسانية تتجاوز الأحكام السريعة والقراءات الانفعالية.
ويرى الروخ متحدثا لـ «القدس العربي» أن ما حدث لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد واقعة أمنية أو سياسية، بل بوصفه مأساة إنسانية تكشف هشاشة الإنسان وتعقيدات الواقع في آن واحد. فهؤلاء الشباب، كما يقول، ليسوا مجرد أرقام تتداولها نشرات الأخبار، ولا مجرد أشخاص أخطأوا التقدير، وإنما هم أحلام وطموحات بحثت عن أفق أوسع، قبل أن تجد نفسها في مواجهة سيل من الرسائل والإغراءات التي تنتشر عبر الفضاء الرقمي وتقدم أحيانًا على أنها فرص مؤكدة أو حقائق لا تقبل النقاش.
وأكد الفنان المغربي أن طبيعة المرحلة العمرية التي يعيشها الشباب تجعلهم أكثر ميلاً إلى الحلم والمغامرة، وأكثر قابلية للتأثر بالخطابات العاطفية والمعلومات المضللة، خصوصًا حين تبنى على أنصاف الحقائق أو على تصورات بعيدة عن الواقع. غير أن هذا الفهم لا يعني، كما يوضح، تبرير تجاوز القانون أو التقليل من أهمية احترامه، لأن استقرار الدول وتماسك المجتمعات يظلان رهينين بسيادة القانون واحترام المؤسسات. وفي الوقت نفسه، شدد المتحدث على أن قوة القانون لا تقاس فقط بقدرته على الردع، بل أيضا بمدى اقترانه بالعدالة والإنصات والحكمة، وبقدرته على فتح آفاق حقيقية أمام المواطنين، حتى يشعروا بأن أوطانهم توفر لهم شروط العيش الكريم وفرص تحقيق ذواتهم.
ومن موقعه كفنان، أكد أن دور الفن لا يتمثل في إصدار الأحكام أو توزيع الاتهامات، بل في محاولة فهم الإنسان والاقتراب من معاناته. فالإبداع، في نظره، وسيلة للدفاع عن الوعي والكرامة الإنسانية، وأداة لكشف الجراح الاجتماعية حتى لا تتحول إلى واقع دائم أو قدر محتوم.
وخلص إلى أن قوة الأوطان لا تقاس بغياب الأزمات، وإنما بقدرتها على تحويلها إلى فرص للمراجعة والتعلم والإصلاح. ويرى أن ما جرى يمكن أن يشكل مناسبة لتعزيز الحوار وترسيخ الثقة وإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان، إذا ما تم التعامل معه بروح المسؤولية والحكمة.
وفي ختام حديثه لـ «القدس العربي»، شدد الفنان المغربي على أن الشباب ليسوا أزمة في حد ذاتهم، بل يمثلون الثروة الحقيقية لأي وطن. فكلما أتيحت لهم المعرفة، وفتحت أمامهم آفاق الأمل، واشعروا بأنهم شركاء في صناعة المستقبل، تراجعت قدرة الخطابات المضللة على التأثير فيهم أو توجيههم نحو المجهول. فمستقبل الأوطان، في نظره، لا يبنى بالخوف من الشباب، بل بالإيمان بطاقاتهم والاستثمار في قدراتهم وصون كرامتهم.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *