«لا تثق بجنازة يشيعها الشعراء»… الشعر في مواجهة النهاية


تمثل التجربة الشعرية أحد الأبواب الممكنة لتشكيل اللغة في قربها من الحياة، لتمثل الحياة ذاتها كقصيدة، فيصبح الكلام الشعري لحظة من لحظات المكاشفة بلسان الحال اليومي، لكن بجمالية تعرية اللغة والصبر عليها حتى تضطلع بمهمة إعادة اكتشاف العالم في مسار الكلمات.

الحكاية الشعرية للعالم

ربّما وقف الشاعر أحمد الدمناتي في لحظة استشعر فيها اللغة وهي تهتف له بمعنى، تارة يجده قريبا منه فتسلس له قيادة الجملة الشعرية إلى حيث القرابات الممكنة، وأحيانا يستشعر صعوبة المقاربة لأنّ الهدف الشعري يتطلب القول الممهور بماء الفكر. رؤى فلسفية متاحة في شفافيات السريان الشعري داخل المساحات الوجودية.
«لا تثق بجنازة يشيّعها الشعراء»، مجموعة شعرية تنطلق من عتبات كأنّها الدرجات الممهِّدة لصورة شعرية تتباسط كلما أمعن القارئ في الاقتراب من تجربته الشّخصية ومحاولة رؤيتها من خلال الحكاية الشعرية للعالم.
تتوزّع الدلالة في جملة العنوان «لا تثق بجنازة يشيّعها الشعراء» إلى مستويات يدرك فيها الدمناتي أنّ في كل منها يتأسّس هو كشاعر، وليس شيئا آخر، «لا تثق» ينتقل المعنى من المستوى الأخلاقي إلى المستوى الشعري، حيث السياق الجنائزي لا يليق بحياة يستمر فيها الشعر، وكل «جنازة» يشيّعها شاعر فهي إعلان عن قهقهة كبرى في وجه الموت، حيث هوامش السخرية من العالم تتكثف في رؤية الشاعر، إلى درجة أنّه يرى في الحياة هامشا للضحك على نثريته القارة في رسم الكلمات على منوال الجدية، والمعنى الذي يقول الحكاية كما لو كان العالم طريقا بعلامات دالة، فتختفي منه الدهشة التي لا تكون بغير التيه في طريق الوصول، الشعر امتياز عدم الوصول، ولهذا فحضور الشاعر في الجنازة تأكيد على عدم الاستقرار عند النهايات؛ لا حكاية تنتهي شعريا.

علاقات الشعر الدالة على الاستمرار:

تنبني المجموعة على استهلال عتباتي يجعل الإهداء إلى الأخت: «إلى أختي أمينة في هولندا/آخر العش أول السلالة/ما تزالين طفلة في القلب باستمرار»، ثم ينزلق الشعر صوب الأم فالوطن والبحر، المرأة، ويؤشّر على الموضوعة بالسيرة، ثم يقول الغياب والقصيدة و«فصول الشاعر»، وغيرها من الموضوعات التي تتراوح بين المحسوس والمجرّد، ليصبح بذلك العنوان مبرّرا عند أفق إدراك أنّ حضور الشاعر في الموت إنّما هو كشف عن سرّ في الموت يتعلّق بالحياة، سخرية من الموت ومن هيبته في لحظة حدوثه:
«الغياب خصوبة الحنين لتقليم أظافر
المنفى بمقص القصيدة»
الغياب حنين يلغي المعنى في «المنفى» عن طريق ما يؤسّس له الشاعر في القصيدة ويسمَّى شعرا، ولعل «خصوبة الحنين» تتشكل عميقا في هيبة «الجنازة»، إذ كلّما تحرّك الموكب، اتشحت عناوين النهاية، فينبثق الحنين شبحا للحركة الأولى في الحياة ليستمر فيها حالات أخرى من الكينونة.
تتعرّش «القصيدة» سيرتها لتنجز معنى ما يؤول به الشاعر إلى حركته في الحياة، إلى استمرار الشعر في سقي النثرية الجافة بمياهه:
«القصيدة بهدوئها تضرب عن الطعام
لأنّ الوطن يفتّش في حقيبة الجوع»
سرّ القصيدة أن تكون هادئة، لأنّها في لحظة ما لا تكشف عن هويتها باعتبارها استمرارا للشاعر؛ القصيدة لحظة من وجود الشاعر في مساحة تعرّف هويته باعتباره كينونة منتمية. هدوء القصيدة لا يعني الصّمت المطبق على جوانح اللغة، لا يعني أنّ الكلمات في مستويات الدلالة تحجم عن الإشارة، كل ذلك يستحيل أن يكون واقعا في كيان القصيدة بوصفها ابتداءً دلالة، فهي تحيل إلى معنى يتخلّل الهدوء لكنّه متفجّر بالصمت، فالقصيدة باعتبار طبيعتها الشعرية، استمرار لما هو جمالي وحركة كامنة في الوجود، معبّرة عن الاستمرار، كتغريد العصافير، مثلها تماما «الوطن يفتش حقيبة الجوع»؛ جوع الأشياء للحنين والحميمية في اللقاء، لابد من لقاء القصيدة بالوطن، لذلك تتدثر بالهدوء و«تضرب عن الطعام»؛ تصمت القصيدة في هدوئها حتى لا يستمر الوطن في التفتيش الجمالي عن الأشياء التي تعتبر أداة الحركة في الحياة؛ الوطن حياة أولى تعتمد أشياءها لتنتفض من رماداتها المتكرّرة معلنة أنّ الكينونة علاقة لا تتحقّق إلا بالاستمرار، لذلك تتخفى القصيدة في الهدوء وتنشد الجوع باستمرار، تضرب عن الطعام ليس عصيانا ولكن رغبة في أن تتجاوز نثرية العالم المشدود إلى المعنى القابع على رؤوس الكلمات. تضرب القصيدة عن طعام المباشرة، عن الكشف البسيط عن دلالاتها، ويمارس الوطن التفتيش في حقائب الجوع، جوع الأشياء إلى امتلاك هوية تكسبها معنى في الحياة، فيستمر الحدوث وتستمر الدلالات والرموز والإشارات لتفضي إلى المفاصل الأصيلة في مرونة العلاقات الدالة على الاستمرار.

شعرية المدى الأبيض

أن ترى القصيدة بعيدا وتستدل على البحر، بحرها، من خلال المعنى الكامن في وعي شاعر مهوس بالكلام، بالقول الذي يجرّ الأشياء إلى معمعان الغليان واستدامة الفوران المؤدّي إلى النسج والتشكيل على منوال التوازنات العريقة بين الرؤى والمعنى والكتابة:
«البحر حبر المعنى بدم الفريسة
تكون القصيدة قربانا
أو سريرا لاعتقال البياض»
يتراقص معنى شاعر يقف قبالة المدى، يقيس قوّته في الاستمرار بامتداد ما يراه، الخيال بوصفه الدال الذي لا ينقطع ولا يتناهى لأنّه يحيل إلى ما وراء الأشياء؛ يقدّمها على غير العادة ولا يكرّر صورها، لهذا يستمر العالم المادي في دلالات تخفّف من حدّة أحاديته. تكون القصيدة ذلك الشيء الذي يكشف الصور اللامعلنة في الظاهر، والوقوف أمام المدى؛ مدى البحر، اختبارا للامتداد في اللانهائي وماذا يمكن أن يحقن في القصيدة من خيال؟ تقع القصيدة موقع «الفريسة»، شهيدة في محراب القول، لأنّ دمها المسفوح حاز شهوة المقامية والعلوية: «تكون القصيدة قربانا»!!
لا يستقيم المعنى عند قربانية القصيدة، إذ يلغي هذا الكلام اللاحق المعنى السابق في كون القصيدة «فريسة»، لأنّها لا تُعرّف في مجال تحده «الطواعية» من جانب و«الجبر» من جانب آخر، فانتبه الشاعر إلى كينونته التي تستهدف الاستمرار وتنبذ القطيعة، فكرّس المعنى في الوقوف أمام المدى وجعل القصيدة مطرقة لا سندانا؛ فاعلا منجِزا لدلالةٍ في فضاء يملؤه الفراغ، كائنا تتحقق هويته بحيّز يحيل إلى هويته كمنتج: «سريرا لاعتقال البياض»، كينونة للرحيل في المدى الأبيض للأشياء، البياض الذي يؤدي معنى الفراغ في الورقة باعتبارها مسند الشاعر وهو يحاول القبض على تسرّبات المعنى وهروبه. ينام البياض على كف القصيدة بروح الاستسلام، لأنّ هويته ستنتقل من السكون إلى الحركة ومن اللزوم إلى التعدي.
بداية الشعر نهاية القصيدة:
تبدأ مجموعة «لا تثق بجنازة يشيّعها الشعراء» برؤية تؤول إلى الأم باعتبارها حامية جوانح الشاعر من الانفضاض الشعري:
«الأم شاعرة تنفق سيرة عمرها على شاعر مشاكس
يحدّد جغرافية بياضه ببوصلة القصيدة»
يتعدّد المعنى في «الأم» بوصفها ملهمة، وأيضا بوصفها القصيدة، تختزن الشعر وتنتظر استلهام الشاعر جاهزيتها العطائية، فيكون كل منهما شاعرا، يتبادلان الأدوار في ما يتعلق بالإمداد، ويتحدّد اتجاه الشاعر بمحل الكينونة الشعرية، فيتحول العالم بأشيائه إلى بعد شعري، حيث الشاعر يتقمّص مهمّة شعرنة العالم. العالم والقصيدة كلاهما شبيه الأم في العطاء، لا يبخلان على الشاعر بشيء، لكن هل تقع القصيدة سابقة على الشاعر أم لاحقة له؟ لا تقع الأشياء مصنّفة في العالم ومهيّأة، فقط هي بارقات يلتقط الشاعر لمعها في لحظات تتوافق فيها الدلالة في عمقه مع الدلالة في بواطن العالم، انسجام خفي لا ينم عن هدوء بقدر ما يكشف عما وراء الهدوء؛ الهدوء الذي يسبق العاصفة.
تنام المجموعة في نهاية إفضاءاتها على:
«تقطف المرأة الوردة من الشرفة
تبكي الحديقة
يضرب الربيع عن الطعام
تتعطّل حواس العالم»
يعود الشعر إلى فكرة الطعام والجوع، إذ بعد الامتلاء لا بد من إفراغ، لحظة الإفراغ خوف من عدم الامتلاء ثانية، تشكل المرأة معادلا موضوعيا للقصيدة، والشرفة معادل موضوعي للشعر؛ العلاقة بين الشعر والقصيدة تقع ملتبسة، لا تكشف عن حدود اللقاء ولا التداخل بينهما، فقط تحيل إلى تبادلية هلامية، في أفق ما في كينونة الشاعر وكينونة العالم التي تحتضن قصيدة ذات طبيعة لا تكشف عن شكل لها ولا مضمون، فقط هي المعنى الكامن في القصيدة بإيحاءاتها التي نستقبلها كمتلقين وعارفين مسبقا بأنّ الشعر لا يتحقق سوى في قصيدة؛ تنفلت هذه القصيدة في لحظة ما من التحديد ليغيب شكلها في ألوان من الكتابة تتعدّد بتعدّد إحساس المتلقي بشيء يتناغم مع لذّة ملتبسة، لكنّها مهيبة تتعرّف بأنّها الشعر أو شعرية الأشياء، هنا «تتعطّل حواس العالم» كما ينهي الدمناتي جنازة يشيّعها الشعراء، ليقول، إنّ الشعر حركة مستمرّة، لأنّنا سوف نحاول أن نفكك ونحرّك من جديد عطالة حواس العالم؛ حواس العالم لا تتعطل، المتلقي والشاعر كلاهما يتأخّران عن إدراك حالة من المعنى في لحظة ما يُرجف فيها العالم.

كاتب جزائري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *