نواكشوط –«القدس العربي»: لا شغل لحكومات وساسة العالم اليوم سوى متابعة ما يجري في جمهورية مالي، والكل مقتنع بأن الأزمة المالية تهدد أمنه واستقراره ومستقبله، والكل يترقب ولا أحد لديه مفاتيح الحل.
ففي منطقة تتقاطع فيها الهشاشة الأمنية مع رهانات النفوذ الدولي، تتسارع تطورات المشهد في مالي على نحو يكشف عن مرحلة جديدة من الصراع، لا تقتصر على المواجهات المسلحة بقدر ما تتجسد في صراع سرديات ومحاولات إعادة تشكيل المجال الأمني في عموم الساحل.
فبين بيانات عسكرية متناقضة، وتحركات ميدانية متقلبة، وضغوط سياسية متزايدة، تبدو الأزمة المالية وكأنها تدخل طوراً أكثر تعقيداً، تتداخل فيه الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، أثار منشور صادر عن الميليشيا الروسية المعروفة بـ«الفيلق الإفريقي»، جدلاً واسعاً بعدما تحدث عن رصد مجموعة مسلحة تُقدّر بنحو 200 عنصر يُحتمل أنهم عبروا حدود مالي في اتجاه موريتانيا، قبل أن يعلن الفيلق عن استهدافهم وقتل نحو 150 منهم وتدمير عشرات الدراجات النارية.
وذهب المنشور إلى أن الجماعات المسلحة تستغل المناطق ذات السيطرة الضعيفة في الدول المجاورة لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز قدراتها، مشيراً إلى دول من بينها موريتانيا كجزء من هذا الامتداد الجغرافي.
غير أن هذا الطرح سرعان ما قوبل برد رسمي صارم من طرف الأركان العامة للجيوش الموريتانية، التي سارعت إلى تطويق تداعياته داخلياً وخارجياً. فقد أكدت في بيان موجّه للرأي العام الوطني والدولي، أن ما يتم تداوله من معلومات حول تحركات مزعومة لمقاتلين يعبرون الحدود الوطنية لا يعدو كونه معطيات غير دقيقة ومضللة، جرى ترويجها بشكل متعمد عبر بعض الوسائط الرقمية.
ويمضي البيان أبعد من مجرد النفي، ليؤسس لرواية مضادة تقوم على التأكيد بأن موريتانيا تمارس سيطرة كاملة ودائمة وسيادية على كامل ترابها الوطني، ولا سيما في المناطق الحدودية التي لم يُسجَّل فيها أي نشاط معادٍ، مع التشديد على أن مثل هذا النشاط لا يمكن السماح بحدوثه.
وفي هذا الإطار، أبرزت الأركان أن القوات المسلحة الموريتانية توجد في حالة يقظة عالية وعلى أهبة الاستعداد، معبأة بشكل كامل ومنخرطة بحزم في مهام المراقبة والتأمين والدفاع عن وحدة وسلامة التراب الوطني، وأنها مستعدة للتصدي بكل حزم لأي تطور محتمل في الأوضاع.
كما حمل البيان بُعداً تحذيرياً واضحاً، إذ دعا إلى عدم تداول أو ترويج هذه المعلومات التي وصفها بالمغلوطة، معتبراً أنها تندرج ضمن أعمال تضليل من شأنها الإخلال بالنظام العام والإضرار بالمصالح العليا للأمة، وحاثاً في الوقت ذاته على التحلي بأقصى درجات اليقظة وروح المسؤولية في التعامل مع المعطيات ذات الطابع الأمني. ويعكس هذا الخطاب حرص نواكشوط على تحصين جبهتها الداخلية، في ظل إدراكها لحساسية المرحلة وتداعيات أي ارتباك في الفضاء الإعلامي.
وفي هذا السياق، برزت ردود من ساسة وكتاب موريتانيين، كان من أبرزها مقال للإعلامي محمد محمود أبو المعالي، الذي قدّم قراءة نقدية حادة لمضمون البيان، متسائلاً عن منطقية الرواية التي تحدثت عن رصد واستهداف مئات المسلحين خارج الحدود، في وقت يرى فيه أن هؤلاء المسلحين ينتشرون داخل أراضي مالي نفسها على نطاق واسع.
وانطلق أبو المعالي من مفارقة يعتبرها جوهرية، مفادها أن الحديث عن فرار المسلحين نحو دول الجوار يتناقض مع واقع ميداني يشير، حسب طرحه، إلى أن تلك الجماعات تتحرك بحرية داخل مالي، من أقصى الشمال في تنزواتين مروراً بكيدال وتساليت، وصولاً إلى مناطق الوسط وحتى تخوم باماكو وكاتي.
وذهب الكاتب إلى أن هذه الجماعات لا تعاني من ضغط ميداني يدفعها للبحث عن ملاذات خارجية، بل على العكس، تجد في الداخل المالي مساحة كافية للحركة وإعادة الانتشار.
وعزز الكاتب حجته بسلسلة من التساؤلات النقدية التي تستهدف مصداقية الرواية الصادرة عن الفيلق الإفريقي، متسائلاً عن سبب عجز هذا الأخير عن رصد تحركات واسعة للمسلحين داخل مناطق معروفة مثل كيدال وأغلهوك وغورما راروس وموبتي، في مقابل تركيزه على «أهداف مفترضة» خارج الحدود؛ وهو ما يراه أبو المعالي مؤشراً على خلل في ترتيب الأولويات، أو محاولة لتوجيه الأنظار بعيداً عن التحديات الحقيقية داخل مالي.
ولا يقتصر هذا الطرح، في عمقه، على تفنيد رواية بعينها، بل يعكس قلقاً أوسع من تدويل التهديد الأمني عبر الخطاب، ومحاولة إعادة رسم الجغرافيا الأمنية للساحل بطريقة قد تضع دولاً مستقرة نسبياً، مثل موريتانيا، في قلب معادلة الخطر.
وعلى الضفة الأخرى من المشهد، لا تقل التطورات الميدانية في شمال مالي تعقيداً، حيث تتضارب الأنباء بشأن سيطرة الجبهة الأزوادية على قاعدة «أماشاش» الاستراتيجية قرب تساليت.
ففي حين تتحدث بعض المصادر عن انسحاب جيش مالي وقوات الفيلق الإفريقي دون قتال، تشكك مصادر أخرى في صحة هذا الإعلان، ما يعكس حالة التدفق العشوائي للمعلومات التي باتت سمة أساسية للصراع.
وفي موازاة ذلك، تحاول الجبهة الأزوادية إعادة صياغة موقعها السياسي، إذ رفضت في بيان لها تصنيفها كحركة إرهابية، مؤكدة أن ما تصفه بالإرهاب هو ما عانى منه «الشعب الأزوادي» لفترة طويلة، مشيرة إلى ما قالت إنه توثيق منظمات حقوقية وفاعلين مدنيين لـ»جرائم جسيمة» من بينها مجازر جماعية، ومعبّرة عن أسفها لغياب مواقف إقليمية ودولية حازمة تجاه تلك الانتهاكات.
ويعكس هذا الخطاب سعي الحركة إلى كسب شرعية سياسية موازية للشرعية العسكرية، في معركة لا تقل أهمية عن المواجهات الميدانية.
أما في العاصمة باماكو، فتبدو الصورة أكثر تماسكاً مما تحاول بعض الجماعات المسلحة الترويج له، إذ مثّل دخول 830 صهريجاً محملاً بالوقود إلى المدينة مؤشراً على استمرار عمل شرايين الإمداد الحيوية، رغم إعلان تلك الجماعات تشديد حصارها.
ويؤكد هذا التطور أن الضغط المفروض على العاصمة لا يزال في حدود التأثير النفسي والاستنزاف، دون أن يصل إلى مستوى خنق الدولة أو شل قدرتها على إدارة المجال.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب المتخصص في الشؤون الإفريقية، محفوظ السالك، أن وصول الجماعات المسلحة إلى مناطق قريبة من باماكو يدخل في إطار تكتيكات الهجمات الخاطفة التي لا ترقى إلى القدرة على إسقاط الأنظمة، لافتاً إلى أن دعوات هذه الجماعات لانتفاضة شعبية تمثل تحولاً في خطابها، في محاولة لاستمالة المعارضة، خاصة في ظل ما يعتبره التفافاً شعبياً حول النظام العسكري الحاكم.
تزامناً مع ذلك، تعيش السلطة المالية لحظة حساسة بعد مقتل وزير الدفاع، ساديو كامارا، في هجوم بكاتي، وهو حدث يفتح الباب أمام إعادة ترتيب هرم القيادة العسكرية ويطرح تساؤلات حول اتجاهات المرحلة المقبلة، في وقت يترقب فيه إعلان خليفة له قد يحدد ملامح المقاربة الأمنية القادمة.
وعلى الصعيد الدولي، تعزز زيارة وفد مالي إلى موسكو مؤشرات تعمق التحالف بين باماكو وروسيا، التي جددت تأكيدها على البقاء في مالي، مطالبة الجبهة الأزوادية بالانسحاب من كامل الأراضي المالية.
ويعكس هذا التوجه إصرار السلطة المالية على الرهان على الدعم الروسي كركيزة أساسية في استراتيجيتها الأمنية، في مقابل سعي موسكو إلى تثبيت موطئ قدمها في منطقة الساحل ضمن سياق تنافس جيوسياسي أوسع.
ولم تعد تداعيات الأزمة محصورة داخل الحدود، إذ شهدت فرنسا تظاهرات لماليين دعماً لبلادهم في مواجهة الهجمات المسلحة، في مؤشر على امتداد الصراع إلى الفضاءات الخارجية، حيث تلعب الجاليات دوراً متزايداً في تشكيل الرأي العام والتأثير في النقاش الدولي حول مستقبل مالي.
احتمالات مفتوحة
وتكشف هذه التطورات مجتمعة أن مالي تقف اليوم أمام معادلة معقدة، تتداخل فيها الحرب الميدانية مع حرب الروايات، وتتشابك فيها الحسابات المحلية مع رهانات القوى الإقليمية والدولية.
وبينما تحاول باماكو تثبيت سيطرتها وتعزيز تحالفاتها، تسعى الجماعات المسلحة إلى استنزافها وتوسيع هامش تأثيرها، في حين تعمل دول الجوار، وعلى رأسها موريتانيا، على تحصين حدودها ومنع انتقال العدوى الأمنية.
وفي ظل هذا التوازن الهش، لا يبدو أن الصراع يتجه نحو حسم قريب، بل نحو مرحلة أكثر تركيباً، يصبح فيها احتواء التهديد وإدارته بديلاً مؤقتاً عن إنهائه، إلى أن تتبلور معادلة جديدة تعيد رسم ملامح الاستقرار في منطقة الساحل بأكملها.