كيف مات حامد المجنون؟


وسط – السكلة – حيث رُزَم الحطب وأكوام الخشب التي كسرناها بفؤوسنا، تجثم بالقرب منا، جلسنا نحن أولاد الحي العتيق، تلك الجمعة التي لم نكن ندرك بأنها ستكون آخر جمعة تجمعنا مع حامد المجنون.
كنا قد أوقدنا ناراً لتدفئ أجسادنا المقرورة، في ذلك الشتاء الفظ الذي جعل بيع الحطب والخشب مزدهراً، لمسنا هذا في إقبال النساء اللواتي جئن مع صبيان يدفعون بأيديهم عربات تسير على عجلتين، وعربات تجرها حمير، ليحصلنّ على الحطب الذي يستخدم في سجر تنانير الخبّازات في محلة – دكة بركة – أو ليكون طعام المواقد في بيوت الحي العتيق.
جلسنا في الجمعة الأخيرة، ننتظر حامد المجنون.
كان أبي يقول:
– نحن المجانين، وحامد هو العاقل الوحيد بيننا!
وكان خالي يوافقه في الرأي بقوله:
– حكاياته، حكايات عاقل!
بينما كان صوصي أبو الزمايل، صديق خالي، ما يفتأ يردد:
– أكاد أحفظ تعليقاته عن ظهر قلب.
ونكاد نحن أولاد الحي العتيق نحفظ تعليقاته، ونصفن طويلاً أمام بعض حكاياته التي تبدو عصية على فهم عقولنا الصغيرة.
نجلس قرب النار منتظرين، أتذكر حكاية الجمعة السابقة التي حكاها لنا وظلت مغلّقة علينا، وعلى الرغم من أن أكثر من ولد منا سأل أباه أو أمه عن مغزى الحكاية، إلاّ أن كل ولد جاء بتفسير زادنا إرباكاً على إرباك.
في الجمعة السابقة، كنا قد أوقدنا نارنا، وكان حامد المجنون معنا، الريح تصفر في – السكلة – وتتخلّل حزم الحطب كأنها تفح مثل أفعى، والسماء من فوقنا قد تلبدت بكتلة من غيوم سود انتشرت على أطرافها غيوم بيض بدت مثل ريش ناعم، وبين الغيم الأسود والغيم الأبيض، ومضت شعل من نار برتقالية انتشرت لتخترم الغيوم في وسطها وأطرافها وتمنحها لوناً، جعل قلوبنا تنتفض دهشة.
التمّ حامد المجنون على نفسه، وتدثر بعباءته المغزولة من وبر أبيض، ومد يديه لينال بعض الدفء من نارنا، وقال:
– اليوم سأحك+-+
لكم عن الجمّال وجماله وحماره.
تعلقت عيوننا بشفتيه، ووضعنا آذاننا بين يديه.
عدلَّ من كوفيته ورتب وضع عقاله، وعبّ من دخان غليونه الذي كان من شيح أصفر
– وصفه أبي مرة بأنه عجبة للناظرين – قال وصوته يمتزج بصوت الريح:
– عاش في قديم الزمان، يا أولاد، جمّال امتلك إبلاً يرتزق منها، انصب عمله على نقل البضائع من الواحة والريف إلى المدينة، يحمل من الأولى الزيت والتمر والصوف والجلود، ويعود من المدينة مُحمّلاً بالخيام والملابس والسكر والشاي، وبما يحتاجه سكان الريف من سلع.
اعتاد الجمّال أن يسير مع قافلته التي يتقدمها حمار أعور! في الذهاب والإياب! وذات يوم، وبعد سنوات من العمل المضني، شعر الجمّال بالتعب، وتوجس من جسده الذي غدر به، والجسد غدار يا أولاد، أسقطه غدر الجسد على الأرض جوار نخلة في إحدى الواحات:
كنا جامدين من الشوق وبرد الشتاء.
وكانت غيوم السماء تتداخل وتتعانق وترحل بعيداً عن بيتنا.
وكان صوت حامد المجنون، قد أسرنا:
– جمع الجمّال يا أولاد، جماله وحماره الأعور، وقال لهم: يا أخوتي قلبي يحدثني أنني هالك! وسألاقي ربي قريباً، وأني أعرف أن عملكم معي قد أصابكم بالأذى، فسامحوني يا أخوتي إن كنت قد أرهقتكم وحمّلتكم من الأثقال أكبر مما تحتملون! سامحوني، فأني ملاقي ربي وأريد أن أقف بين يديه وقد سامحتموني، وسلمتموني إليه بلا ذنوب! وتقدم كبير الجمال من الجمّال وقال له: اسمع يا أخي، نستطيع أن نسامحك على الأثقال التي حملناها وهي أكبر من طاقتنا، ونستطيع أن نسامحك على تجويعنا، وتعطيشنا، وعلى مسيرنا في زمهرير الشتاء وقيظ الصيف، ونسامحك على الشتائم وضربنا أيضاً، لكننا لا نستطيع أن نسامحك على شيء واحد، وأشار كبير الجمال إلى الحمار الأعور، وقال لا نستطيع أن نسامحك على جعل هذا الحمار يتقدم قافلتنا في الذهاب والإياب، أبداً، لا نستطيع أن ننسى كيف جعلت هذا الحمار الأعور يقودنا طوال كل هذه السنوات. حينذاك نظرنا إلى بعضنا نحن أولاد الحي العتيق، وكتمنا ضحكة اختنقت في أعماقنا.
الآن ننتظر حامد المجنون.
والآن أتذكره وهو ينهر صبيان الحي الذين تمرَّسوا في مشاكسته.
الصبيان يصرخون:
– حامد بقرته نامت.
وشارباه السوداوان كالفحم، يقفان وعيناه الماكرتان تتحرّكان وهو يهمس بنبرة باردة ومتشفية:
– هل سألتم آباءكم عن البقرات في بيوتكم؟ وهل تنام؟ وكيف تنام؟ وعلى أي جهة تنام؟ وهل ترفع سيقانها عند النوم، أم تجعلها مغلقة؟ إسألوا الثيران في بيوتكم عن البقرات الجائعات؟ وأتذكر سؤال صوصي أبو الزمايل، لخالي، وهما في مقهى الحي العتيق الذي شهد هجمات حامد المجنون، لزواره مراراً:
– يدهشني هذا المجنون بأفكاره، مرة ينصحنا بأن نصبغ أبواب منازلنا باللون الأحمر كما يفعل أحباب الزعيم الأوحد في البلدة، وأن نضع على صدورنا شارة المطرقة والمنجل! ومرة يتهجم على الصاغة، ويسألنا: لماذا يتركون مساحة خلف دكاكينهم؟ ولماذا تفتح أبوابها الصغيرة وتغلق فجأة عندما تحضر بعض النساء الجميلات ويتوارين وراء الجدران؟
قال خالي:
– ماكر وداهية هذا الحامد!
قال صوصي:
– هو حكيم وجفجير البلد!
قال خالي:
– لا يمكن أن تصدر هذه الأقوال عن مجنون!
وقال صوصي:
– حكاياته لها طعم النار اللاسعة.
وصمتا.
سأل صوصي:
– هل جاءتك أخباره عن ملاهي الليل؟
قال خالي:
– وجاءتني أخباره عن الصلاة في أكبر جوامع البلدة أيضاً.
وقفت أمام ضحكة أبي التي جعلت جسده الضخم يختض، وأوشكت أن تجعل عينيه تهرقان الدمع بهجةً، ليقول:
– والله، حامد يعرف كيف يعيش حياته، تصوروا، ينهض في الصباح منذ الفجر ليؤدي الصلاة، ويستمر في أداء الفروض طوال أوقات الصلاة! وفي الليل بعد أن يؤدي صلاة العشاء، يقصد الملاهي التي تعرفه، ليعطي جسده حقه!
قالت جدتي باستنكار:
– هذا زنديق وخبل.
قال أبي:
– لا جناح على المجنون! أم أن عليه جناحا يا أمي ؟
لم تجب جدتي، أما أبي فضحك، ضحكته الممتلئة التي حيّرتني.
أجلس الآن مع أولاد الحي العتيق، ننتظر حكاية الجمعة، ونرقب الدرب بلهفة. عيوننا مسمّرة على الغادين والرايحين! وأجسادنا تلتمس الدفء من نارنا التي يتراقص شعاعها في عيوننا القلقة.
أوشكنا أن نصرخ، وقفز بعضنا، وتأهب آخرون.
همس ولد:
– ها هو حامد قد أقبل والصبيان وراءه.
اندفع أحدنا وطرد الصبيان عن حامد الذي بانت علامات الشكر في عينيه الماكرتين.
اتخذ مكانه قرب النار كالعادة.
جاءني صوته:
– أنا تعبان، قلبي يوجعني.
وأمسك بطنه وأصدر آهة ألم.
قال أحد الأولاد:
– القلب قرب الصدر يا حامد.
قال حامد:
– لا فرق، فهو تعبان أينما كان.
سأله أحدنا:
– هل الجنون طيِّب يا حامد؟ قل لنا لنصير مجانين إن كان طيباً.
قال حامد المجنون:
– هو طيِّب لولا هؤلاء العجايا!
وأشار إلى الصبيان الذين كانوا يتربصون خروجه من – السكلة – منتبذين أحد الجدران لمنزل عتيق، كنا نحن أولاد الحي العتيق نعرف أنه مسكون بالجن والعفاريت!
صفن حامد المجنون، عدة صفنات، فاحترمنا صمته.
وبغتة سأله أحدنا:
– متى جننت يا حامد؟ وكيف جننت؟
التمعت عيناه بالحزن وبدا صوته واهناً، وردد كما لو كان يخاطب نفسه:
– أنا تعبان، تعبان.
ألح الولد:
– أخبرنا عن سبب جنونك! يقول أبي إنك كنت تاجراً ثرياً وأفلست تجارتك، وقعدت على الحديدة!
ابتسم حامد، ولا أعرف لم أحسست أنه يسحب ابتسامته بصعوبة، وقال:
– أنا تعبان، تعبان.
وقرَّب جسده من النار حتى أوشكت أن تصيب يديه لولا أن أزاحهما أحد الأولاد وأبعدهما عن موقدنا!
فاضت عينا حامد بحزن مسَحَ المكر منهما وقال:
– جننت سنوات طويلة، ولم ألحق الضرر بذبابة، لم أؤذ طير بشر! وجن الناس يا أولاد، سنة واحدة، فانظروا ما فعلوا، سحّلوا الناس في الشوارع بحبال غليظة وضعت حول رقابهم، قتلوا الناس ومزقوا أجسادهم، وعلّقوا الجثث على أعمدة الكهرباء!
تذكرت أن خالي، كان يقول لأبي:
– هذه سنة رهيبة، يأتي الموت فيها إثر الموت، ينصب ويهطل بقسوة تورث الفزع في القلوب، الدماء المقرورة تجفل ويسكنها الحذر والتوجس، سنة التعاسة والأسى، القتل والسحل من قبل، والآن الاغتيالات في أول المساء أو عند حلول الفجر! وتذكرت أن وجه أبي صار جامداً وغارت الدماء منه. انتبهت لأجد المجنون، قد نهض وغادرنا حتى قبل أن يحتسي قدح الشاي الذي أعددناه له، والذي كان يحبه وقد خالطته حبتا هيل!
راقبت قدح الشاي الذي كفّ عن إرسال بخار حرارته وصار بارداً، وراقبت المجنون يسير متهالكاً ويتحاشى الرد على هجوم الصبيان.
في اليوم التالي، لسعنا الخبر مثل نار.
قال خالي:
– مات حامد المجنون.
أوشك أولاد الحي العتيق، أن يبكوا، وبدوا غير مصدقين.
لم أُصدق أنا أيضاً الخبر، لكن خالي قال لنا:
– سجد في الجامع ولم ينهض.
علق صوصي أبو الزمايل:
– مات ميتة الصالحين.
وقال صاحب مقهى الحي العتيق:
– بل مات ميتة المارقين، نجس، وسَّخَ الجامع.
وقال أبي:
– أخبرونا إنه نام على صدر راقصة في الملهى حتى الفجر، ثم ذهب إلى الحمّام، اغتسل وتوضأ، ونفض خطاياه، وقصد جامع – النبي شيت.
أردت أن أتبين، إن كان أبي حزيناً أم لا، ولم أفلح، لكنني لم أشهده يضحك، ولم أجد عينيه تفيضان بالدمع.
ولم أعرف إن كان حامد المجنون، قد مات صالحاً أم مارقاً، فكل ما أعرفه أننا نحن أولاد الحي العتيق، لن نجد من نأنس إليه مثل حامد المجنون.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *