طهران- “القدس العربي”: أثارت “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان، تبايناً واضحاً في ردود الفعل الإيرانية. وتراوحت المواقف بين التشكيك في أهداف الاتفاقية والتقليل من قدرتها على توفير الأمن والتحذير من تداعياتها، وبين قراءات أكثر براغماتية اعتبرتها تطوراً مهماً في منظومة الأمن الإقليمي، ودعت إلى التعامل معها بإيجابية، وصولاً إلى طرح فكرة انضمام إيران إليها أو الاستفادة من علاقاتها مع الدول المشاركة للتأثير في مسارها.
وفي هذا السياق، شدّد محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني الأسبق، في رسالة على منصة “إكس”، مرفقاً صورةً لمقاله المنشور سابقاً في جريدة “الأخبار” اللبنانية، على ضرورة إبرام تحالفات دفاعية شاملة بين الدول الإسلامية. وكتب: “كما كتبتُ قبل عام في مقال بعنوان إسرائيل الكبرى ومنطقتنا القوية، فإن السياسة العنصرية والعدوانية لـ إسرائيل الكبرى، التي يتبعها قادة النظام الإسرائيلي علنًا هذه الأيام، تُظهر أكثر من أي وقت مضى ضرورة إبرام تحالفات دفاعية شاملة بين الدول الإسلامية”.
دعا عبد الله رمضان زاده إيران إلى اقتراح الانضمام إلى اتفاقية مكة والترحيب بها، مع طرح ميثاق إقليمي من دون إسرائيل
أما الناشط السياسي الإصلاحي البارز عبد الله رمضان زاده، متحدث الحكومة خلال فترة الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، فذهب إلى موقف أكثر وضوحاً، داعياً إيران إلى اقتراح الانضمام إلى اتفاقية مكة والترحيب بها، مع طرح ميثاق إقليمي من دون إسرائيل. واعتبر أن الاتفاقية، وفق ما أعلنته أطرافها، ليست موجهة ضد دولة بعينها، وبالتالي تستطيع إيران الانضمام إليها ودفعها في اتجاه مختلف.
ورأى رمضان زاده أن من الطبيعي أن تكون السعودية، بسبب بعض نقاط ضعفها، قد طلبت المساعدة من باكستان وتركيا، لكنه دعا طهران إلى التعامل مع القضية بحسن نية والسعي إلى تشكيل اتفاق إقليمي بين الدول الإسلامية يكون موجهاً أيضاً ضد إسرائيل. وقال إن بعض المتشددين قد يعارضون انضمام إيران، لكن طهران تستطيع استثمار علاقاتها مع باكستان وتركيا لتعزيز التعاون معهما والتركيز على مواجهة إسرائيل باعتبارها قضية مشتركة، مع تقديم الاتفاقية إعلامياً باعتبارها وسيلة لتحقيق الأمن والاستقرار ومواجهة إسرائيل، وليس تحالفاً موجهاً ضد دول الجوار.
إلى ذلك، أشار حسام الدين آشنا، مستشار الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، إلى أهمية الاتفاقية، وقال إنها قد تغير قواعد الصراع الإقليمي، من خلال تقليص فاعلية التهديدات الموجهة إلى دول الخليج وزيادة احتمال انخراط تركيا وباكستان إذا تعرضت السعودية لهجوم. ورأى أن أثرها الهيكلي يتمثل في إنشاء نواة لنظام أمني جديد محوره الرياض وأنقرة وإسلام آباد.
وفي قراءة إصلاحية، رأت صحيفة “دنياي اقتصاد” أن الاتفاقية، رغم افتقارها على المستوى القانوني والعسكري إلى تفاصيل عملياتية واضحة، تحمل دلالات جيوسياسية تتجاوز مجرد التعاون الدفاعي، وأن أهميتها تكمن في توقيتها وتركيبة أطرافها والبيئة الأمنية التي نشأت فيها. واعتبرت أن الرسالة الأهم بالنسبة إلى إيران ليست بالضرورة أن السعودية وتركيا وباكستان قد تحالفت، وإنما أن دول المنطقة أصبحت تدرك الحاجة إلى الاستعداد لمرحلة قد لا تستطيع فيها الولايات المتحدة، أو لا ترغب، في تحمل كامل تكاليف أمن المنطقة.
وحسب الصحيفة، فإن هذا التطور يطرح أمام إيران سؤالاً استراتيجياً يتجاوز علاقتها بالسعودية أو منافستها لتركيا، ويتمثل في موقعها داخل منظومة الأمن الإقليمية التي تتشكل في الشرق الأوسط: هل ستكون إيران خارج هذه المنظومة، أم في مواجهتها، أم جزءاً منها؟ واعتبرت أن الإجابة عن هذا السؤال ستكون من أكثر القضايا حسماً في السياسة الخارجية الإيرانية خلال المرحلة المقبلة.
أما المواقف المتشددة، فتمثلت في انتقادات عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، الذي اعتبر أن الاتفاقية لن توفر الأمن للسعودية. وقال إن اتفاقاً على الورق مع تركيا وباكستان لن يجلب لها الأمن، كما لم تجلب لها سنوات الاعتماد الأحادي على الولايات المتحدة الأمن، داعياً الرياض إلى تغيير سياساتها حتى لا تضطر إلى طلب الأمن من الآخرين.
كما هاجم رئيس تحرير صحيفة “كيهان” التابعة لمكتب المرشد الإيراني، حسين شريعتمداري، الاتفاقية الثلاثية بشدة، وربط بين اتفاقية مكة وترتيبات أمنية أخرى تتعلق بالبحر الأحمر وباب المندب، معتبراً أن الهدف منها مواجهة المقاومة اليمنية وأنصار الله وإيران ومحور المقاومة. كما رأى أن مشاركة باكستان في هذه الترتيبات، إلى جانب دورها كوسيط في المفاوضات الإيرانية الأمريكية، تجعلها غير مؤهلة للقيام بدور الوساطة، خصوصاً في ظل موقف رئيس وزرائها من الرئيس الأمريكي.
هاجم رئيس تحرير وكالة “تسنيم” المقربة من الحرس الثوري، كيان عبد اللهي، السعودية واتفاقية مكة، وقال إن السعودية بعد إدراكها عدم جدوى الاعتماد على الولايات المتحدة لضمان أمنها، لجأت بدلًا من تغيير استراتيجيتها إلى توسيع سياسة “شراء الأمن”
وفي السياق نفسه، هاجم رئيس تحرير وكالة “تسنيم” المقربة من الحرس الثوري، كيان عبد اللهي، السعودية واتفاقية مكة، وقال إن السعودية بعد إدراكها عدم جدوى الاعتماد على الولايات المتحدة لضمان أمنها، لجأت بدلًا من تغيير استراتيجيتها إلى توسيع سياسة “شراء الأمن”، عبر ضخ الأموال في تركيا وباكستان من خلال الاتفاقية الثلاثية في مكة، لتأمين نفسها في مواجهة ردود “جبهة المقاومة”. واعتبر أن هذا النهج لا يختلف جوهرياً عن الاتفاقيات مع واشنطن، ولن يحقق لها أمناً مستداماً؛ بل إن الحل، وفق طرحه، يتمثل في خروج الولايات المتحدة من المنطقة وإقامة أمن إقليمي تشارك فيه جميع دول المنطقة.
وكانت هناك مواقف متحفظة أو حذرة في إيران تجاه اتفاقية مكة، حيث رأت وكالة “مهر” شبه الرسمية والمحافظة أن الاتفاقية هي من أبرز المحاولات الأخيرة لإعادة تعريف منظومة الأمن في الشرق الأوسط، وتعكس رغبة متزايدة لدى دول المنطقة في الاعتماد على قدراتها المحلية بدلاً من الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.
ولم تعتبر الوكالة الاتفاقية معادية لإيران بصورة مباشرة، كما حذرت من وصف الاتفاقية حالياً بأنها “ناتو الشرق الأوسط”، معتبرة أنها تمثل في مرحلتها الحالية إطاراً سياسياً ودفاعياً لإنشاء ردع مشترك. وأشارت إلى أن السعودية ابتعدت خلال السنوات الأخيرة عن المواجهة المباشرة مع إيران واتجهت نحو خفض التوتر والحوار، فيما لا تستطيع باكستان، بحكم جوارها لإيران ودورها الإقليمي، الانخراط بشكل كامل في هيكل معادٍ لطهران. أما تركيا فتجمعها بإيران علاقات معقدة تشمل المنافسة والمصالح المشتركة. ولذلك رجحت “مهر” أن يكون الهدف هو منح الدول المشاركة قدرة أكبر على الردع من دون تحويل الاتفاقية إلى تحالف معادٍ لإيران بصورة مباشرة.
ووجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في تعليق غير مباشر على الاتفاقية، رسالة إلى دول الجوار عبر منصة “إكس”، أكد فيها أن القوات المسلحة الإيرانية أثبتت جاهزيتها وقدراتها في مواجهة أكثر القوى العسكرية تطوراً في العالم، وأن المسلمين قادرون من خلال الاتحاد والتكاتف على مواجهة أي تحد تفرضه قوى أجنبية معادية، داعياً إلى الاعتماد على الذات وانتهاج الأخوة الحقيقية.
وقرأت وكالة “نور نيوز” المقربة من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني رسالة عراقجي باعتبارها رداً ضمنياً مهماً على اتفاقية مكة، رغم عدم صدور رد رسمي مباشر من طهران. واعتبرت أن الرسالة لا تمثل مجرد دعوة إلى الوحدة الإسلامية، بل تعكس رفضاً لنموذج أمني معين ومنافسة على طبيعة التعاون الأمني المطلوب. ووفق هذا التصور، لا تعترض طهران على تعاون السعودية مع باكستان وتركيا بحد ذاته، لكنها ترى أن أي اتحاد أمني للدول الإسلامية يجب أن يقوم على الاعتماد على الذات والجوار والأخوة الحقيقية، وليس على القوى الخارجية.
وأضافت “نور نيوز” أن اتفاقية مكة قد تكون بداية لتحالف جديد، لكن من المبكر وصفها بأنها كتلة معادية لإيران أو “ناتو إسلامي”، معتبرة أن غرب آسيا دخل مرحلة جديدة لم تعد المنافسة فيها مقتصرة على القوة العسكرية، بل أصبحت تدور أيضاً حول تعريف وامتلاك وتصميم منظومة الأمن المستقبلية في المنطقة.