سياسة الضربة مقابل الضربة مع إيران تتجاهل المشهد الأكبر


لندن ـ “القدس العربي”: يرى جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، أن تعامل إدارة ترامب مع إيران يفتقر إلى استراتيجية متماسكة، ويختزل الصراع في ردود انتقامية متبادلة. ويجادل بولتون في مقال بصحيفة “واشنطن بوست” بأن حربي إيران وأوكرانيا لم تكونا منفصلتين أصلا، بل هما جزء من مواجهة أوسع تتقاطع فيها مصالح روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية.

وأشار إلى أن التراجع الأخير لإدارة ترامب عن توجيه ضربات جديدة إلى إيران جاء بعد أقل من 36 ساعة على تقارير تحدثت عن هجوم وشيك وواسع. وبدلا من ذلك، أعلن ترامب ما وصفه بـ”ملامح اتفاق” بين الولايات المتحدة وإيران، قبل أن تسارع مصادر إيرانية إلى التشكيك في وجود مثل هذا الاتفاق.

ويكشف هذا التحول، بحسب بولتون، أن ما يمكن تسميته “استراتيجية” البيت الأبيض تجاه إيران يكاد يكون قد تبخر. فقبل أيام فقط، وبعد ضربات إيرانية استهدفت قواعد أمريكية في الأردن، قال ترامب: “سنضربهم بقوة شديدة، لأن الدور الآن دورنا.” لكن هذا، في نظر الكاتب، ليس استراتيجية، ولا يكاد يرتقي حتى إلى مستوى التكتيك.

وفيما تتخبط واشنطن، يحذر بعض المراقبين من اندلاع “حرب أوسع”. ففي الشرق الأوسط، أفادت تقارير بأن البحرين والكويت استهدفتا مواقع داخل إيران، لتنضما إلى السعودية والإمارات في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. وللمرة الأولى، شنت السعودية والولايات المتحدة معا هجمات على جماعات شيعية مسلحة في العراق.

وفي 20 يوليو، أعلنت جماعة الحوثي في اليمن فرض حصار على التجارة السعودية في البحر الأحمر، ما دفع الرياض إلى الإعلان عن تحالف دولي للحفاظ على انسياب الملاحة. ومع تعرض المخرج الجنوبي للبحر الأحمر للخطر، أدى هجوم بطائرة مسيرة في 29 يوليو على ميناء دمياط المصري إلى تهديد الطرف الشمالي لقناة السويس.

وقبل ذلك بأيام، هاجمت أوكرانيا سفينة إيرانية في بحر قزوين، اعتقادا منها أنها تنقل معدات عسكرية. فهل يعني ذلك أن حرب أوكرانيا وحرب الشرق الأوسط أخذتا تندمجان، بما قد يقود إلى مواجهة مفتوحة تمتد عبر أوراسيا والشرق الأوسط؟

يجيب بولتون بالنفي. لكنه يتساءل عما إذا كانت أمام واشنطن بدائل بين ردود الفعل الانتقامية المحدودة من جهة، والانزلاق إلى كارثة كبرى من جهة أخرى.

ويرى أن البدائل موجودة، لكنها تتطلب تحليلا استراتيجيا جديا، وهو أمر لا يعتبره من نقاط قوة فريق ترامب. ومع ذلك، فإن الواقع الدولي الأساسي لا يمكن تجاهله، وفي مقدمته المحور الناشئ بين بكين وموسكو، أو ما وصفه شي جينبينغ وفلاديمير بوتين بـ”الشراكة بلا حدود”.

وتعمل إيران وبيلاروس وكوريا الشمالية، بحسب الكاتب، كأطراف متقدمة في هذا المحور. ويستعيد بولتون ما كتبه مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي عام 1998، عندما وصف احتمال قيام تحالف بين الصين وروسيا وإيران بأنه “السيناريو الأكثر خطورة على الأرجح”.

ومن هذا المنطلق، لم تكن الحرب في أوكرانيا والصراع مع إيران منفصلين في أي وقت. فقد ظلت بينهما روابط معقدة لسنوات، قبل التطورات الأخيرة بزمن طويل.

فطهران تزود موسكو منذ أعوام بالطائرات المسيرة وقدرات عسكرية أخرى، فيما ترد روسيا بتقديم دعم في مجالات عدة، من بينها معلومات عسكرية حساسة ضد القوات الأمريكية. كما تقدم الصين دعما استخباراتيا، بينما تزود كوريا الشمالية روسيا بالجنود والأسلحة.

ولا يمكن كذلك فصل التوترات في آسيا عن حسابات واشنطن في هاتين الحربين، حتى وإن لم تتحول بعد إلى مواجهة مفتوحة. فروسيا، كما يذكر بولتون، قوة آسيوية أيضا، فيما تشكل الصين مصدر تهديدات متعددة.

وتشمل هذه التهديدات بحر الصين الشرقي، حيث تتصاعد التوترات بشأن تايوان واليابان، بما في ذلك جزر سينكاكو أو دياويو، وبحر الصين الجنوبي الذي تعاملت بكين مع مساحات واسعة منه باعتبارها مياها إقليمية صينية، إضافة إلى الخصومات الحدودية المستمرة مع الهند وفيتنام.

وانطلاقا من هذا المشهد، يجب أن تركز الإدارة الأمريكية على ترتيب أولويات الأمن القومي والقدرات الأمريكية. ولا يعني ذلك خوض حرب شاملة على جميع الجبهات، بل تحديد الأولويات بوضوح، وهو ما لم تكن الولايات المتحدة مستعدة للقيام به منذ هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023.

ويرى بولتون أن التقليل من شأن الترابط بين هذه الأزمات، وهو أسلوب يفضله ترامب، لا يلغي هذا الترابط ولا يقلل من أهميته للاستراتيجية الأمريكية.

وستكون فرص الولايات المتحدة في النجاح أكبر، في رأيه، إذا أقرت بأن “الحرب الأوسع” بدأت بالفعل منذ مدة، وستستمر في المستقبل المنظور.

كما ينبغي لها أن تعترف بأن الخطر الحقيقي الذي قد يقود إلى كارثة يتمثل في عقود من الإنفاق الدفاعي غير الكافي منذ نهاية الحرب الباردة.

ويرى الكاتب أن ترتيب الأولويات بصورة مجردة لا يكفي، ولذلك يدعو إلى التعامل مع فريق ترامب كما هو، لا كما يفترض أن يكون.

ويقول إن على الإدارة التركيز على ثلاثة أهداف: تدمير النظام في طهران، أو على الأقل شل قدرته؛ إبقاء روسيا تحت الضغط في أوكرانيا؛ وزيادة الردع ضد الصين بصورة حادة.

ويشير إلى أن الحكومة الإيرانية تعاني انقسامات داخلية، وهو أمر اعترف به ترامب نفسه عندما ميز بين الجهة التي ضربت القواعد الأمريكية في الأردن وبين المفاوضين المدنيين الإيرانيين، قائلا: “ليس بوسعهم فعل الكثير حيال ذلك. إنها مجموعة مختلفة عن تلك التي نتعامل معها.”

ويحذر بولتون من أن فشل ترامب في إعادة فتح مضيق هرمز سيضاعف مشكلاته السياسية قبل انتخابات نوفمبر، ويرى أن الأفضل له هو مواصلة ما بدأه في فبراير.

أما في أوكرانيا، فيدعو الكاتب واشنطن إلى تسريع منح التراخيص اللازمة لتكنولوجيا صواريخ باتريوت الدفاعية، وتشديد الخناق الاقتصادي على روسيا، والتخلي عن أي تفكير في خفض الوجود الأمريكي داخل حلف شمال الأطلسي.

ويجب أن يكون الهدف، في رأيه، إخراج النفط الروسي بالكامل من الأسواق الدولية، وهو ما يزيد الحاجة إلى رفع صادرات النفط من دول الخليج العربية إلى مستويات ما قبل الحرب، أو إلى مستويات قريبة منها.

ويصف بولتون أوكرانيا بأنها القوة العسكرية الأكبر في أوروبا اليوم، ويرى أن روسيا لا تملك فرصا كبيرة لتحقيق ما فشلت في تحقيقه خلال أكثر من أربع سنوات من القتال.

لكنه يعرب عن تشاؤمه حيال استعداد ترامب لتزويد كييف بما تحتاج إليه لهزيمة روسيا. ولذلك، يطالب على الأقل بتثبيت الجبهة في الوقت الراهن.

وفي ما يتعلق بالصين، يقول بولتون إن الولايات المتحدة تخوض سباقا مع الزمن على أطراف منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ولا سيما بشأن تايوان.

ويرفض اعتبار صفقة الأسلحة المنتظرة لتايبيه، والبالغة قيمتها 14 مليار دولار، ورقة تفاوضية، ويدعو إلى إنجازها فورا.

كما يطالب ترامب بتعزيز التحالف الرباعي الآسيوي الذي يضم الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا، ودعم جهود اليابان لتطوير قدراتها العسكرية التقليدية، في ظل الزيادة المتوقعة في إنفاق طوكيو الدفاعي.

ويخلص بولتون إلى أن توجيه ضربة قاصمة إلى النظام الإيراني سيكون أوضح رسالة إلى بكين بأن المغامرة العسكرية ستأتي بكلفة عالية.

وبحسب رؤيته، لا ينبغي لواشنطن أن تنظر إلى إيران وأوكرانيا وتايوان باعتبارها ملفات منفصلة، بل كجبهات مترابطة في صراع أوسع على توازن القوة الدولي. ويعتبر أن إدارة هذه المواجهة عبر ردود الفعل المتبادلة والتهديدات المتقلبة لن تنتج استراتيجية، بل ستزيد خصوم الولايات المتحدة قدرة على استغلال ترددها وتشتت أولوياتها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *