قبل أسبوعين تقريبا، كان مغني الراب الأمريكي بنجامين هاغارتي، المعروف عالميا بماكليمور، مجرّد فنان ضيف في جولة أمريكية (بدأت أمس الأربعاء) للفنان البريطاني من أصول إيرلندية إد شيران. خلال مشاركة له في نيوجيرسي، صعد ماكليمور خشبة المسرح وهتف: «فلسطين حرة» ثم غنّى «قاعة هند»، في إشارة إلى قاعة جامعية في جامعة كولومبيا قام محتجون مناهضون للإبادة في غزة باحتلالها وإعادة تسميتها باسم الطفلة الفلسطينية الشهيدة هند رجب، التي قام فيلم وثائقي بسرد قصتها، كما أنشأ ناشطون عالميون منظمة باسمها تلاحق مجرمي الحرب الإسرائيليين.
بعد أيام من هذا الحدث اعترض أصحاب ملاعب، يتقدمهم الملياردير روبرت كرافت، على مشاركته في الجولة، وقال منظموها إن وجوده يهدد بإلغاء حفلات تستقطب مئات الآلاف. برّر شيران الأمر بالقول إنه لم يكن قراره، لكنه تمسك بإبقاء حفلاته «مساحة بعيدة عن السياسة». المفارقة محاولة إبقاء السياسة خارج المسرح انتهت إلى دخولها إليه من أوسع أبوابها.
ردا على استبعاده من الجولة، عرض عمدة ديربورن الأمريكية على ماكليمور إقامة حفل مجاني في المدينة، ثم تتالت انسحابات باقي الفنانين المشاركين: آرون رو ولوكاس غراهام وفينياس وفرقة بيوغا. عندما اتخذت المغنية بينك موقفا معاكسا وقّع عشرات الآلاف عريضة تطالب بإبعادها عن دورها كسفيرة لليونيسيف. بعد تقديم ماكليمور مليون دولار لمنظمات إغاثة فلسطينية، قدّم كرافت وشيران التزاما بأربعة ملايين دولار للمساعدات الإنسانية الفلسطينية، كما أعلنت نجمة الأطفال مس راتشيل أنها ستتبرع بقيمة ما تبرع به ماكليمور، وهكذا، فإن إغلاق منصة أمام خطاب سياسي متعاطف مع الفلسطينيين لم يسكت النقاش، بل ضاعف إمكانية إثارته في منصات أخرى.
تصادى هذا مع حدث مشابه في السينما بعدما أثار فيلم «نازا» الذي يقدم شهادات عسكريين وعناصر استخبارات إسرائيليين حول آليات استهداف الغزيين عاصفة هستيرية ضد المخرجين داخل إسرائيل بعد فوزه بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان البندقية. أدى الفيلم إلى صدمة أجبرت المجتمع الإسرائيلي على الحديث عن غزة بعد سنوات من الإنكار والتجاهل، وبذلك حققت محاولة نزع الشرعية عن الفيلم بجعل موضوعه أكثر حضورا.
تزامن ذلك أيضا مع إعلان إيرلندا، أول أمس، رفضها المشاركة في مسابقة «يوروفيجن 2027»، وعدم بث المسابقة للعام الثاني على التوالي، بسبب استمرار مشاركة إسرائيل ومسؤوليتها عن الأزمة الإنسانية في غزة، وكانت أربع دول أخرى قد سبقتها في مقاطعة دورة 2026، فيما قالت هيئة البث الهولندية إن المسابقة لم تعد قادرة على الادعاء بأنها «منصة محايدة».
يعزّز ما حصل مؤخرا واقع أن فلسطين صارت بؤرة استقطاب عالمية، وبطاقة هويّة سياسية وثقافية واجتماعية، تنقسم عليها الأحزاب والحكومات في العالم، كما تنعكس بقوة داخل صناعة الموسيقى والسينما والإعلام. بين الفنانين وأصحاب الأموال والملاعب، كما حالة ماكليمور، وبين هيئة البث واتحادها، كما هو حال يوروفيجن، وحتى داخل المجتمع الإسرائيلي الذي أصيب بالرعب حالما نظر إلى وجهه في المرآة!
بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة في غزة، والتطهير العرقي وإرهاب المستوطنين في الضفة، انتقلت المعركة السياسية والثقافية من «مسألة فلسطين»، إلى البديهيات الأولية، ومنها سؤال: من يملك حق تحديد ما يمكن قوله وأين، وكل محاولة لوأد هذا السؤال بالقوة تخلق آلية قادرة على إنتاج نتيجة معاكسة.