عندما اندفع مئات آلاف السوريين إلى خارج البلاد بعد عام 2011، بدا المشهد لكثيرين وكأنه لحظة استثنائية في التاريخ السوري. عائلات تتوزع بين مدن ودول، شباب يسبقون أهلهم بحثا عن طريق آمن، نساء يسافرن وحدهن أو مع أطفالهن، وأقارب يتحولون إلى شبكة تساعد على الوصول والسكن والعمل. ومع مرور السنوات، أصبحت الهجرة جزءا من الحياة الاجتماعية السورية نفسها، بحيث يصعب الحديث عن الأسرة السورية اليوم من دون الحديث عن أفراد يعيشون في بلدان مختلفة.
لكن الهجرة السورية ليست ظاهرة ولدت في العقد الأخير. فقد هاجر أبناء بلاد الشام منذ نهاية القرن التاسع عشر نحو أميركا، ضمن موجات متزايدة ربطت مدن المنطقة وقراها بموانئ المتوسط والعالم الجديد. ومن بيروت بدأ كثيرون رحلات طويلة مرورا بمرسيليا وليفربول، قبل الوصول إلى نيويورك والمكسيك وأميركا الجنوبية والكاريبي. بعضهم استقر، وبعضهم استمر في التنقل، وبعضهم عاد إلى بلدته بعد سنوات.
لهذا تبدو قراءة كتاب رندا الطويل «العرق على طرق الهجرة: تتبع سياسات الهجرة من سوريا العثمانية عبر الإمبراطورية الأميركية» مفيدة اليوم، على الرغم من أن موضوعه الأساسي هو هجرة السوريين في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فالكتاب يتيح لنا أن نسأل عن أوجه التشابه والاختلاف بين هجرتين تفصل بينهما أكثر من مئة سنة.
تكمن أهمية الكتاب في أنه يبدأ من الطريق نفسه، وليس من لحظة وصول المهاجر إلى أميركا فقط. الميناء، والسفينة، والفندق، ووكيل التذاكر، والقريب المقيم في مدينة بعيدة، والمترجم على الحدود، كلها تصبح جزءا من قصة الهجرة. تتبع رندا الطويل السوريين وهم يتحركون من بيروت إلى مرسيليا وليفربول، ثم إلى أميركا والمكسيك والكاريبي والفلبين، وتنظر إلى الشتات بوصفه شبكة اجتماعية واسعة تتجاوز فكرة انتقال الفرد من وطن إلى آخر.
هذه النظرة تجعل السفر نفسه موضوعا اجتماعيا. فالمهاجر يحمل معه اسمه وعائلته ولهجته ودينه ومكانته الطبقية وصلاته السابقة. وكل محطة على الطريق قد تعيد تعريفه. في مدينة ما قد يكون تاجرا محترما، وفي ميناء آخر يصبح «مهاجرا سوريا»، وعند الحدود قد يتحول إلى شخص مشكوك في أهليته للدخول. وما نلاحظه من خلال الكتاب، وهو أمر اختبره قسم كبير من السوريين وحتى العرب في السنوات الأخيرة، أن السفر سلسلة من التحولات الاجتماعية، وليس مجرد مسافة تقطع بين مكانين.
وربما لا يكون كتاب رندا الطويل أول كتاب يتناول تاريخ السوريين في أميركا، فقد شهدت السنوات الماضية بروز عدد من المؤرخين الأميركيين والعرب الذين اهتموا بدراسة حياة السوريين في المدن الأميركية. ومن بين هذه الأعمال كتاب المؤرخة ستايسي فارنتهولد «ما لا يذكر: صناعة النسيج والألبسة والطبقة العاملة السورية الأميركية»، الذي تناول بتفصيل حياة العمال السوريين في مصانع الخياطة والنسيج، ولا سيما في الحي السوري في نيويورك.

ما يميز كتاب رندا الطويل أنه يتتبع تجارب السوريين في أكثر من مدينة ومنطقة، ويولي اهتماما خاصا للتفاصيل الاجتماعية ولتغير المفاهيم والعلاقات أثناء الهجرة، مثل القرابة، والنساء المسافرات، والرجولة. ومن هنا يمكن التوقف عند هذه الزوايا، مع مقارنتها بما عرفه السوريون في موجة الهجرة التي بدأت بعد عام 2011.
القرابة التي تسافر مع المهاجر
تبدو الهجرة في ظاهرها حركة أفراد، لكنها في كثير من الأحيان حركة عائلات وشبكات قرابة. الفرد الذي يسافر لا يبدأ حياته من الصفر تماما. هناك قريب سبقه إلى مدينة ما، أو شخص من القرية يعرف شخصا آخر، أو متجر يملكه أحد أبناء المنطقة، أو رسالة تصل من أميركا تخبر الأسرة بوجود فرصة للعمل.
هذا العالم حاضر بقوة في كتاب رندا الطويل. فالشتات السوري القديم تشكل من روابط عائلية وتجارية واجتماعية امتدت بين بلدان كثيرة. واستخدم السوريون علاقاتهم العابرة للحدود لكسب المال، وتكوين الأسر، والتنقل بين المدن والدول. وبذلك أصبحت القرابة نوعا من البنية التحتية للهجرة، شأنها شأن السفن والتذاكر والموانئ.
اللافت أن القرابة لا تظهر هنا بوصفها رابطة دم أو عاطفة فقط، فهي أيضا شبكة للمعلومات والمساعدة. شخص يرسل خبرا عن طريق السفر، وآخر يفتح بيته لقريب وصل حديثا، وثالث يساعد في العثور على عمل أو يعرف شخصا يمكنه تقديم المساعدة. وهكذا تصبح العائلة موزعة جغرافيا، لكنها قادرة على الاستمرار كوحدة مترابطة رغم المسافات.
ومن هنا يمكن فهم الهجرة بوصفها عملية تتقدم عبر العلاقات. فالقرار الذي يبدو فرديا، مثل اختيار مدينة أو بلد معين، قد يكون في الحقيقة قرارا صنعته شبكة كاملة من الأقارب. القريب الذي وصل أولا يرسل المال أو الخبرة أو النصيحة، ثم يلحق به فرد آخر، وبعد ذلك تبدأ سلسلة جديدة من الحركة.
هذه الفكرة تساعد أيضا على فهم جانب كبير من هجرة السوريين بعد عام 2011. فمن يتابع قصص العائلات السورية يلاحظ الأهمية الكبيرة للأقارب في تحديد وجهة السفر. وجود أخ في ألمانيا، أو عم في السويد، أو قريب في تركيا، قد يغير قرار أسرة كاملة. فالقريب يوفر عنوانا ومعلومة ومساعدة أولى، وربما مكانا للإقامة أو فرصة للوصول إلى عمل.
وفي حالات كثيرة تتحول الهجرة إلى مشروع عائلي طويل. يسافر فرد أولا، ثم يحاول لاحقا جمع الأسرة أو مساعدة إخوة وأقارب آخرين. ولذلك تستمر الهجرة بعد عبور الحدود من خلال سلسلة من التحركات العائلية.
وهذا ما يجعل المقارنة بين الهجرة القديمة والهجرة الحديثة مفيدة. صحيح أن وسائل السفر والقوانين والدول تغيرت، لكن المهاجر ما زال يتحرك داخل شبكة من الأقارب والمعارف. وما يطرحه الكتاب حول الجغرافيا الاجتماعية للشتات يساعدنا على فهم كيف يمكن لعائلة سورية واحدة أن تصبح موزعة بين دمشق وبيروت وإسطنبول وبرلين وتورنتو، ومع ذلك تستمر في إدارة جانب من حياتها بصورة مشتركة.
النساء المسافرات
الزاوية الثانية تتعلق بالنساء اللواتي يسافرن من دون وجود عائلي مباشر إلى جانبهن، أو اللواتي يجدن أنفسهن خلال الرحلة مضطرات إلى الاعتماد على علاقات جديدة. وفي الهجرات الحديثة اعتدنا رؤية نساء يعبرن الحدود مع أطفالهن، أو يسافرن للحاق بأزواجهن، أو ينتقلن وحدهن إلى دولة جديدة. لكن الكتاب يظهر أن هذه التجربة لها تاريخ أقدم.
في الفصل الثالث تتبع رندا الطويل ثلاث نساء سوريات: زينب أمين، التي كانت وجهتها ميشيغان سيتي في ولاية إنديانا، وسيسيليا عطال وهيليني عطال، اللتين ارتبطت تجربتهما بمدينة إل باسو في ولاية تكساس. وتظهر قصصهن أن المرأة المسافرة كانت تواجه أكثر من سلطة في الوقت نفسه. هناك موظفو الهجرة والشرطة الذين يدققون في حياتها الخاصة وسلوكها، وهناك أيضا رجال من الجالية السورية يعمل بعضهم مترجمين أو وسطاء لدى السلطات.
وجود المرأة من دون رجل كان يثير أسئلة متكررة. لماذا تسافر وحدها؟ وما طبيعة علاقتها بالرجل الذي ترافقه؟ ومن الذي سيستقبلها أو يتولى إعالتها؟ وهكذا يتحول السفر إلى امتحان اجتماعي وأخلاقي يتجاوز جواز السفر ووثائق الدخول ليصل إلى الحياة الشخصية للمرأة وعلاقاتها.
وهنا يظهر بعد اجتماعي مهم. فالمرأة تخضع لقانون الحدود، وفي الوقت نفسه تواجه نظرة اجتماعية تحدد ما يعد سفرا مقبولا وما يعد سفرا مشبوها. وكلما تحركت خارج الأطر المعتادة للأسرة أصبحت أكثر عرضة للأسئلة والتأويل.
ويبين الكتاب أن حركة النساء كانت تفهم في كثير من الأحيان من خلال علاقتهن بالرجال. وقد تحتاج المرأة إلى رجل يسهل حركتها أو يوفر لها الحماية أو الصلة بالسلطات، ثم تتحول هذه العلاقة نفسها إلى مادة للحكم عليها.
وتوضح قصة زينب أمين هذه العلاقة المعقدة بين الزواج والحركة بصورة خاصة. فالزواج يمكن أن يصبح وسيلة للحصول على وضع قانوني أو الاستقرار، وقد يتحول في الوقت نفسه إلى علاقة تحد من حرية المرأة. وفي الكتاب تتداخل قوانين الزواج مع قوانين الهجرة إلى درجة يصبح فيها مصير المرأة مرتبطا بتفسير السلطات لعلاقتها الزوجية.
وهذه الزاوية تفتح مجالا للمقارنة مع هجرة السوريين بعد عام 2011. فالسفر قد يغير موقع المرأة داخل الأسرة بصورة كبيرة. امرأة كانت تعيش ضمن شبكة واسعة من الأقارب قد تجد نفسها فجأة مسؤولة عن أطفالها في بلد جديد. وقد تصبح الشخص الذي يتعامل مع المدرسة والطبيب والمؤسسات الرسمية، وربما تتحول أيضا إلى المعيل الرئيسي للأسرة.
ولهذا يصعب اختصار أثر الهجرة على المرأة في فكرة الحرية أو القيود وحدها. ما يحدث أكثر تعقيدا، لأن الهجرة تعيد ترتيب العلاقات داخل الأسرة. بعض أشكال السلطة القديمة تضعف، وأشكال جديدة تظهر مكانها.
كيف تسافر الرجولة؟
الزاوية الثالثة هي الرجولة. فالهجرة تعيد تشكيل موقع الرجل داخل الأسرة أيضا.
الرجل يسافر وهو يحمل تصورا عن معنى أن يكون أبا أو زوجا أو معيلا. وعندما يصل إلى بيئة جديدة، قد يكتشف أن هذه الأدوار لم تعد تعمل بالطريقة نفسها.
المكانة التي كان يملكها في بلدته قد تختفي. والمهنة التي كان يمارسها قد لا تكون متاحة. واللغة التي يتقنها قد لا تساعده في التعامل مع مؤسسات البلد الجديد. أما شهادته أو خبرته فقد لا تحظى بالمكانة التي كانت لها في بلده. وفي هذه الظروف يصبح على الرجل أن يعيد بناء موقعه الاجتماعي من جديد.
ويذهب الكتاب أبعد من ذلك، إذ يظهر أن بعض الرجال السوريين مارسوا نوعا من الرقابة على أبناء جماعتهم، وخاصة الفقراء والنساء والمسلمين، لأنهم اعتقدوا أن صورة هؤلاء قد تؤثر في مكانة السوريين جميعا أمام المجتمع الأميركي.
وبذلك تتحول الرجولة إلى وسيلة للتمايز داخل الجماعة نفسها. فبعض الرجال أرادوا الظهور بوصفهم متعلمين ومنضبطين وقادرين على إعالة أسرهم وإدارتها، وفي سبيل ذلك رسموا حدودا بينهم وبين سوريين آخرين رأوا أنهم لا ينسجمون مع الصورة التي أرادوا تقديمها عن جماعتهم.
وهذا جانب مهم في دراسة الهجرة اجتماعيا، لأنه يكشف أن صورة الأب أو الزوج ليست مسألة خاصة بالبيت وحده، وإنما قد تصبح جزءا من الطريقة التي يقدم بها الرجل نفسه أمام المجتمع الجديد.
وهنا أيضا يمكن المقارنة مع هجرة السوريين بعد عام 2011. فقد وجد رجال كثيرون أنفسهم أمام تغير كبير في مواقعهم الاجتماعية. شخص كان صاحب مهنة أو منصب أو شبكة واسعة من العلاقات قد يصل إلى بلد جديد ويبدأ حياته من نقطة مختلفة تماما، وقد يصبح أكثر اعتمادا على المؤسسات أو المساعدات أو على أفراد آخرين من أسرته.
وأحيانا يكون الأبناء أسرع في تعلم اللغة، فتتغير العلاقات داخل الأسرة. الأب الذي كان يعرف كيف تعمل المؤسسات في بلده قد يحتاج إلى ابنه في الترجمة. وقد تصبح الزوجة أكثر قدرة منه على التعامل مع مدرسة الأطفال أو المؤسسات الاجتماعية، أو تدخل سوق العمل قبله.
هذه التفاصيل تبدو صغيرة، لكنها قادرة على تغيير توزيع السلطة داخل البيت. فالمعرفة باللغة، والدخل، والقدرة على التعامل مع المؤسسات والحركة في المجتمع الجديد، تصبح جميعها مصادر جديدة للقوة داخل الأسرة.
ومن هنا تبدو الهجرة السورية الحديثة جزءا من تاريخ أطول من الحركة وإعادة بناء العلاقات الاجتماعية. كما أن آثار الهجرة لم تبق محصورة في حياة السوريين في الخارج، وإنما تنتقل إلى الداخل أيضا. فاللغة، والزواج، والطلاق، والتدين، والعلاقات بين الأجيال، كلها مجالات يمكن أن نرى فيها الهجرة وقد أثرت فيها بأشكال متعددة. وهذه سنة الحياة في النهاية.
كاتب سوري