في بعض الأحيان يعثر المرء على وثائق تاريخية تبرز كيف ساهمت أحداث تاريخية ليست معروفة بما هو كافٍ، في وقوع أحداث أخرى كبرى إلى مستوى تغيير دفة التاريخ. ومن هذه الأحداث دور مدينة طنجة في إحداث أكبر تغيير في التاج البريطاني، من خلال «الثورة المجيدة» سنة 1688 والتمهيد التدريجي لملكية برلمانية.
وهكذا، نظرا لموقع مضيق جبل طارق الجغرافي المطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وكذلك قربه من القارة الأوروبية، جمعت المغرب علاقات تعاون، وهي قليلة، وعلاقات توتر، وهي كثيرة طيلة القرون الماضية مع الدول الأوروبية. وإذا كانت نوعية العلاقات مع إسبانيا وفرنسا معروفة بشكل مقبول وخضعت للدراسة، تبقى فصول العلاقات مع دولة مركزية مثل بريطانيا ضبابية وعجيبة وغريبة في آن واحد.
نظرا لموقع مضيق جبل طارق الجغرافي المطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وقربه من القارة الأوروبية، جمعت المغرب علاقات تعاون، وعلاقات توتر، طيلة القرون الماضية مع الدول الأوروبية
يحكي المؤرخ ورجل الدين ماثيو باريس الذي عاش في القرن الثالث عشر، صاحب كتاب «الوقائع الكبرى» الذي يعد أحد المصادر الرئيسية للاطلاع على التاريخ البريطاني والأوروبي في القرن الثالث عشر، أن ملك إنكلترا جون، أرسل في عامي 1212 و1213 بعثة دبلوماسية إلى السلطان الموحدي محمد الناصر، لطلب التحالف والمساعدة العسكرية لمواجهة تهديدات داخلية، وكذلك التهديد الفرنسي الذي كان يحدق بالبلاد. غير أن السلطان المغربي لم يستطع الاستجابة، خاصة وأنه خسر معركة «العقاب» في إسبانيا التي كانت البداية الحقيقية لانهيار النفوذ السلطاني في الأندلس، ونفوذ أمراء الطوائف.
وعادت بريطانيا عبر الملكة إليزابيث الأولى وطلبت من السلطان السعدي في القرن السادس عشر التحالف لمحاصرة النفوذ الإسباني، ويجري الحديث عن احتمال التنسيق ليمتد إلى محاربة إسبانيا في العالم الجديد وقتها، القارة الأمريكية. ويقدم المؤرخ البريطاني فيليب جورج روجرز دراسة قيمة في كتابه A History of Anglo-Moroccan Relations to 1900 عن العلاقات بين المغرب وبريطانيا ما بين عامي 1212 إلى 1900، ويتضمن الكتاب اتفاقيات وأحداث غير معروفة بما فيه الكفاية حتى من طرف المؤرخين المغاربة الذين يعتمدون المدرسة الفرنسية بالدرجة الأولى، ولضعف الثقافة الأنكلوسكسونية في المغرب. لكن الجديد هو كيف ساهمت مدينة طنجة في أحد أكبر التغيرات في بريطانيا وهي «الثورة المجيدة». ذلك أن الثورة المجيدة في بريطانيا ( Glorious Revolution) ، هي حدث تاريخي مهم وقع سنة 1688–1689، وأدى إلى تغيير نظام الحكم في إنكلترا بطريقة سلمية نسبياً عندما كان الملك جيمس الثاني يحكم إنكلترا وهو الكاثوليكي في دولة يغلب عليها المذهب البروتستانتي، كما حاول تعزيز سلطته المطلقة، ما أثار قلق البرلمان والنبلاء. أمام هذا الوضع، قام عدد من السياسيين والنبلاء بدعوة الأمير الهولندي ويليام الثالث وزوجته ماري، ابنة جيمس الثاني، للتدخل. فدخل ويليام إلى إنكلترا بجيش، لكن من دون وقوع حرب كبيرة. وفي النهاية، اضطر الملك جيمس الثاني إلى الهروب إلى فرنسا، ما أدى إلى تغيير نظام الحكم في إنكلترا وتقوية سلطة البرلمان.
فما علاقة هذا الحادث بمدينة طنجة المغربية؟ لقد حصلت بريطانيا على طنجة سنة1661 عندما تزوج الملك الإنكليزي تشارلز الثاني، من الأميرة البرتغالية كاترينا دي براغانزا، وكجزء من مهر الزواج، قدمت البرتغال لإنكلترا عدة امتيازات، أهمها: مدينة طنجة في شمال المغرب، وجزيرة بومباي في الهند. وأرادت بريطانيا جعل مدينة طنجة استراتيجية، تتحكم في مدخل البحر المتوسط، وتصلح كقاعدة بحرية وتجارية، تعزز النفوذ الإنكليزي في مواجهة إسبانيا. غير أن البريطانيين لم يصمدوا كثيرا أمام الهجمات المغربية. في تلك الفترة، كانت إسبانيا تحتل سبتة عند المدخل الشرقي لمضيق جبل طارق، وكان من الصعب أن يقبل المغرب بوجود قوة أوروبية في المدخل الغربي للمضيق، وبما أن طنجة كانت بعيدة عن بريطانيا ركز المغاربة على طرد الإنكليز، ونجحوا في ذلك سنة 1684، ونتيجة خسارة طنجة انتقل الانكليز إلى استعمار صخرة جبل طارق سنة 1704، أي عشرين سنة بعد فقدانهم طنجة. كلف استعمار طنجة قرابة مليوني جنيه إسترليني، وهو ما يفوق مليار جنيه كقيمة حالية، وكانت أكبر خسارة للتاج البريطاني ضمن توسعاتها الخارجية. دمر البريطانيون القلعة والميناء وجميع المباني التي شيدوها حتى لا يستفيد منها المغاربة. ويرى المؤرخ البريطاني بيتر لو فيفر، أن هناك علاقة مهمة بين وجود إنكلترا في طنجة والثورة المجيدة. وفي مقال تاريخي شهير له وهو بعنوان Tangier, the Navy and its Connection with the Glorious Revolution of 1688 يرى أن الحامية العسكرية والأسطول الإنكليزي في طنجة مدرسة عسكرية وسياسية، تدرّب فيها عدد من الضباط الإنكليز على الخبرة الميدانية والإدارة العسكرية. ويضيف بيتر لو فيفر أن بعض هؤلاء الضباط الذين اكتسبوا خبرتهم في طنجة لعبوا لاحقاً دوراً رئيسيا في دعم الأمير الهولندي ويليام الثالث ضد الملك جيمس الثاني خلال أحداث عام 1888، لاسيما وأنهم كانوا غاضبين على الملك بسبب تصرفاته، في حين كانوا هم يقاتلون في شمال المغرب. ومن هذا المنظور، يبرز هذا المؤرخ إن تجربة طنجة لم تكن مجرد محطة استعمارية عابرة، بل لحظة تبلور وعي ساهمت في تطوير جيش إنكليزي أكثر احترافية وتبلور رؤية عميقة للإصلاح الداخلي في بريطانيا. وعليه، كان لها تأثير على التحولات السياسية التي أدت إلى نجاح الثورة المجيدة.
تكمن أهمية الثورة المجيدة في أنها نقلت بريطانيا من ملكية مطلقة إلى نمط جديد من الحكم يقوم على سيادة القانون ودور البرلمان، ووضعت حدا لمبدأ الحكم الملكي الذي لا يخضع للمراقبة، وأصبح الملك يحكم ضمن حدود القانون وبالتعاون مع البرلمان. صدر سنة 1689 قانون Bill of Rights الذي حدّد سلطات الملك وأقرّ مبادئ فتحت ومهدت لسياسة جديدة مثل، عدم تعليق القوانين من دون موافقة البرلمان، وضرورة عقد برلمان منتظم. أصبحت بريطانيا تدريجيا نموذجا لنظام تكون فيه السلطة موزعة بين الحكومة والبرلمان، وانتقل تأثيرها لاحقا الى الخارج، وتحولت الى مرجع للملكيات الأوروبية، وبطبيعة الحال، لم تشكل بعد مرجعا للملكيات العربية في المجال الديمقراطي، التي لا تستفيد من تجارب الآخرين تحت مبررات شتى. إن ربط الأحداث التاريخية ببعضها بعضا، تعطي قراءات واستنتاجات مهمة للغاية. فهل كانت ستحدث الثورة المجيدة بهذه الطريقة من دون أولئك الضباط الذين حاربوا في طنجة وتعلموا هناك دروسا واكتسبوا وعيا؟ ربما، ولكن في سيناريو آخر مختلف وفي زمن سياسي آخر.
كاتب مغربي