لم يكن مصطلح «الشرق الأوسط»، أو «الشرق الأدنى» يعبر عن هوية سياسية لمجموعة الدول الواقعة بين الخليج والبحر المتوسط، حتى الحرب العالمية الأولى، فقد كانت تلك المنطقة تتكون من ولايات تابعة للإمبراطورية العثمانية. صحيح أن بعض حكام هذه الولايات وأهمهم محمد علي في مصر، أقام علاقات مستقلة مع الدول الأوروبية، وخاض حروبا ضد الدولة العثمانية، لكن الدول الأوروبية فرضت عليه في نهاية الأمر شروط اتفاقية لندن 1840.
هذه الاتفاقية نعتبرها التدخل الأوروبي الأول في تاريخ تلك المنطقة لفرض نظام دفاعي إقليمي متعدد الأطراف من الخارج، بمقتضاها انسحبت القوات المصرية من شمال الشام، والحجاز، وكريت، وأضنة، واعترف محمد علي بسيادة السلطان العثماني، والتزم بدفع جزية سنوية للخزانة العثمانية، وتصفية سلاح البحرية المصرية تماما، بما في ذلك صناعة السفن والمدافع، وتخفيض عدد الجيش إلى 18 ألف جندي، والالتزام بما تعقده الدولة العثمانية من معاهدات مع الدول الأوروبية. وبذلك فرضت الاتفاقية على مصر سياسة خارجية ودفاعية وصناعية بقوة الدول الأوروبية، ما يمثل بداية التدخل الأوروبي في صياغة نظام دفاعي إقليمي لتلك المنطقة من العالم، يضم تركيا وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية ومصر.
سعيا لتأكيد هيمنتها على العالم منذ ما قبل نهاية الحرب الباردة طورت الولايات المتحدة مفهوما للدفاع العالمي، تم لاحقا بمقتضاه تقسيم العالم إلى ستة أقاليم جغرافية لكل منها قيادة عسكرية داخل منطقة عمليات محددة
في ذلك الوقت كان السباق على وراثة أملاك «الرجل المريض» يتطلب أولا إزاحة القوى الناشئة، التي يمكنها اعتراض طريق السيطرة الأوروبية على المنطقة. بعد ذلك جاء الانتقال مما نسميه عصر «السلام العثماني» إلى عصر السلام الأوروبي (الأنكلو فرنسي) مع توقيع اتفاقية سايكس بيكو بعد الحرب العالمية الأولى، وفرض الحماية البريطانية على مصر والعراق والفرنسية على الشام، وفرض الانتداب البريطاني على فلسطين تمهيدا لإقامة دولة إسرائيل، من خلال تدريب وتسليح العصابات الصهيونية وتشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين من أوسع الأبواب بتعيين الوزير الصهيوني هربرت صموئيل مندوبا ساميا على فلسطين.
نظام الدفاع البريطاني لشرق السويس
مع بدء تقسيم المنطقة العربية، نشأت «الدولة الوطنية»، وراحت المنطقة تكتسب هوية سياسية مختلفة، لكنها كانت تخضع من الناحية الدفاعية لترتيبات مفروضة من الخارج. بريطانيا، على وجه الخصوص، أقامت نظاما دفاعيا إمبراطوريا، دخلت ضمنه منطقة الشرق الأوسط، يتكون من سلسلة من القواعد العسكرية تمتد من جبل طارق إلى قبرص إلى السويس إلى عدن وساحل الخليج العربي وشرقا إلى الهند وسنغافورة. هذا النظام الدفاعي لمنطقة «شرق السويس» كان بنية أمنية إقليمية تشمل القواعد العسكرية (الجيش والطيران والبحرية)، جنبا إلى جنب مع اتفاقيات سياسية تضمن حماية العائلات الحاكمة وتقديم مساعدات مالية وتبادل بعثات تجارية. هذا النظام اهتز بشدة بعد الانسحاب من السويس عام 1956 لكنه استمر بفاعلية متناقصة حتى انتهى تماما بعد الانسحاب من الخليج في عام 1971. وقد لعب النظام الدفاعي البريطاني لشرق السويس دورا محوريا في حماية نفط الشرق الأوسط، وأمن طريق اتصالات السويس والمحيط الهندي، واحتواء النفوذ السوفييتي، والحفاظ على قدرة بريطانيا على التدخل في الأزمات كقوة عالمية. لكن تدهور أوضاع بريطانيا الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية، أدى إلى إنهاء علاقة التوافق بين تكلفة المحافظة على نفوذها، وطاقتها الاقتصادية. وزاد من حدة عدم التوافق زيادة قوة تيار التحرر الوطني والاستقلال، ما أدى في نهاية الأمر إلى إغلاق معظم القواعد العسكرية وتقزيم نفوذ الإمبراطورية في مستعمراتها السابقة. كما كشفت حرب السويس بشكل خاص أن بريطانيا لم تعد قادرة على اتخاذ قرار دفاعي مستقل عن الولايات المتحدة؛ فبدأت مباحثات مع واشنطن لتسليم قيادة النظام الدفاعي الإقليمي إلى الولايات المتحدة، وإقامة ترتيبات مؤسسية جديدة تنقل أعباء الدفاع إلى منظومة مشتركة تضم إلى جانب كل منهما دولا من خارج المنطقة ومن داخلها.
ميدو فكرة أسقطتها مصر
في نوفمبر 1951 أصدرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وتركيا «إعلان باريس»، الذي كان بمثابة إطار سياسي عام يحدد المبادئ الأساسية لقيادة عسكرية مشتركة للحلفاء في الشرق الأوسط، بتأسيس تحالف Middle East Command في الشرق الأوسط، الذي تطور لاحقاً إلى ما أُطلِق عليه «منظمة الشرق الأوسط للدفاع – Middle East Defense Organization- MEDO». وكانت وظيفة «ميدو» هي القيام بالواجبات التي يقوم بها نظام الدفاع البريطاني لمنطقة شرق السويس، ولكن بمشاركة دول أخرى إلى جانب بريطانيا، تشمل الولايات المتحدة، فرنسا، تركيا، أستراليا، نيوزيلندا وجنوب افريقيا، إلى جانب دول من الشرق الأوسط هي مصر، العراق، إيران، الأردن، السعودية، سوريا ولبنان. وتذكر وثيقة سرية أمريكية عام 1952 محفوظة في أرشيف البيت الأبيض، أن مصر كانت الدولة العربية المحورية التي دُعيت للمشاركة في المنظمة كعضو مؤسس، بينما تم إبلاغ دول أخرى بالمشروع. وعندما جرت المفاوضات مع مصر عام 1951 (أي قبل قيام ثورة يوليو 1952) رفضت القاهرة الانضمام قبل جلاء القوات البريطانية، ولم توافق على أن النفوذ السوفييتي هو التهديد الرئيسي الذي تواجهه المنطقة، وإنما اعتبرت أن إسرائيل هي التهديد الرئيسي. وقد تأكد هذا الموقف بواسطة الجنرال محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة فيما بعد. وخلال المشاورات مع الدول العربية الأخرى تم تعديل الاسم المقترح للنظام المقترح إلى «حلف بغداد»، الذي تم إعلان قيامه رسميا في عام 1955، ليضم بريطانيا وتركيا والعراق وإيران وباكستان. ولم تكن الولايات المتحدة عضوا كاملا في الحلف في البداية، لكنها شاركت لاحقا في لجانه. وقد تم خلال المشاورات استبعاد إسرائيل من الانضمام إلى «ميدو» على اعتبار أن انضمامها «على الأقل في الوقت الراهن» (كما جاء في المناقشات)، من شأنه أن يقضي على أي فرصة للحصول على تعاون الدول العربية. لذا، فإن «استبعادها أمر لا مفر منه في هذه المرحلة، والحكومة الإسرائيلية تدرك ذلك». لكن حرب السويس واستمرار معارضة مصر لحلف بغداد، ثم قيام ثورة عبد الكريم قاسم وانسحاب العراق عام 1958 أدى لنقل مقر الحلف إلى تركيا عام 1959 وتغيير اسمه إلى منظمة المعاهدة المركزية – سنتو CENTO» لكن السنتو ظل مشلولا بلا فاعلية حتى تم حله نهائيا في سبتمبر عام 1979. لاحظ أن ذلك العام هو عام توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل (مارس 1979)، وهي المعاهدة التي قلبت موازين النظام الدفاعي للشرق الأوسط وغيّرت قواعد لعبة الأمن الإقليمي تماما.
سنتكوم نظام دفاعي انتقالي
سعيا إلى تأكيد هيمنتها على العالم منذ ما قبل نهاية الحرب الباردة طورت الولايات المتحدة مفهوما للدفاع العالمي، تم لاحقا بمقتضاه تقسيم العالم إلى ستة أقاليم جغرافية يكون لكل منها قيادة عسكرية داخل منطقة عمليات محددة. وعلى هذا الأساس الجغرافي تم إنشاء القيادة العسكرية المركزية (سنتكوم وتضم 46 دولة منها مصر ودول الشرق الأوسط وأجزاء من آسيا الوسطى وأوروبا وجنوب وشرق آسيا). وإلى جانب القيادات الست العسكرية الجغرافية، تم إنشاء خمس قيادات عسكرية وظيفية – نوعية تختص بأنشطة عسكرية تخدم استراتيجية الولايات المتحدة العسكرية حول العالم مثل، القيادة الفضائية والقيادة النووية. هذه القيادات الجغرافية والوظيفية لم تنشأ في وقت واحد ولكن في فترات مختلفة. وقد نشأت القيادة المركزية عام 1983 استجابة لمتغيرات تاريخية من أهمها الثورة الإيرانية والغزو السوفييتي لأفغانستان والحرب على الإرهاب، ثم تأسيس قوات الانتشار السريع (1980). وتم تحديد منطقة مسؤولية القيادة الجديدة على أنها المنطقة «المركزية» من العالم، وتقع بين القيادة الأوروبية وقيادة المحيطين الهندي والهادئ. وقد تطلبت القيادة المركزية شراكات عسكرية عربية لتخفيف الأعباء المالية والعسكرية واللوجستية. لكن تحقيق ذلك كان يتطلب أيضا ضرورة تسليح الدول العربية الشريكة. وقد اصطدم ذلك بقانون ضمان التفوق العسكري النوعي لإسرائيل QME الذي فرض على الإدارة الأمريكية منع أي تسليح للدول العربية ومنها العراق ومصر والأردن والسعودية والإمارات، من شأنه تهديد ضمان التفوق النوعي العسكري لإسرائيل، ما يضع قيودا على صيغة الشراكة داخل بنية وعمليات القيادة المركزية (سنتكوم). ورغم أن الولايات المتحدة التزمت بإبقاء إسرائيل خارج القيادة المركزية وألحقتها بالقيادة الأوروبية، إلا أن اللوبي الصهيوني داخل وخارج الكونغرس شن حملة تطالب البنتاغون بنقل إسرائيل إلى القيادة المركزية. وقد تم ذلك بالفعل في بداية عام 2021 (بعد أشهر قليلة من توقيع اتفاقيات إبراهيم) وأصبحت إسرائيل للمرة الأولى عضوا في نظام دفاعي مشترك مع الدول العربية. لكن شراكة الدول العربية داخل السنتكوم هي شراكة من الدرجة الثانية رغم ما تدفعه بعشرات المليارات من الدولارات، في حين أن إسرائيل تتمتع بشراكة من الدرجة الممتازة فوق ما تحصل عليه من معونات وأسلحة بعشرات المليارات.
كاتب مصري