“نقطة الصفر” مصطلح أطلقه علماء الذرة الأمريكيون على الموقع الدقيق الذي سقطت فيه القنبلة التي أنتجوها. بعد ذلك استخدم المصطلح كدلالة على كوارث غير مسبوقة ونقطة انحدار لا يمكن أن يكون هناك أدنى منها، واستعارة لحدوث كل الكوارث. أعاد تفجير أبراج التوائم في نيويورك إحياء هذا التعبير، عندما سمي موقع تحطم رموز القوة والثروة الأمريكية بهذا الاسم بشكل عفوي. على مر السنين، اكتسب هذا المفهوم معنى البداية الجديدة من الصفر رغم كل الصعوبات.
في مواجهة دمار أوروبا في نهاية الحرب العالمية الثانية، وما خلفته من عشرات ملايين القتلى والضحايا والجحيم الإنساني الذي أصاب العالم، تساءل الفنانون والمفكرون في أوروبا إذا كان هناك أي أمل لهذا المكان. كتبت الفيلسوفة اليهودية سيمون ويل في العام 1946: “يبدو أننا فقدنا أساس العقل، مفاهيم القياس والمعيار والطبيعة؛ النسب والعلاقة، الصلة والنتيجة. ملأنا عالمنا السياسي بالوحوش والأساطير. لا نعترف إلا بالهوية والمطلق ونهاية الغاية”.
بينما قالت الكاتبة الإيطالية نتاليا غينسبورغ، التي قتل زوجها أب أولادها، المناضل ضد الفاشية، ليونا غينسبورغ، على يد الألمان في سجن في روما بعد الحرب: “لن نتعافى أبداً من هذه الحرب، لا فائدة من المحاولة، لن نعود أبداً شعباً مسالماً، شعباً يفكر ويتعلم ويعيش حياة هادئة، انظروا ماذا أصاب بيوتنا، وما أصابنا، لن نعود أبداً إلى السلام” (“الإنسان” – 1946، من: يصعب على الإنسان التحدث عن نفسه – حوارات مع نتاليا غينسبورغ، ترجمة ياعيل عنبر، الكرمل، 2005).
هذا السؤال يتردد صداه هنا أيضاً لدى كثيرين منا. هل يوجد أمل بعد الآن؟ هل يمكننا التعافي؟ هل ستتمكن آلاف العائلات الثكلى والجرحى والممزقة من الحرب من العودة إلى حياة هادئة وإيجاد معنى أو فرح؟ هل يمكن إعادة بناء كل ما دمر وهدم؟ إسرائيل 2026 على شفا الانهيار، أو هي قريبة من ذلك، إما أن تنتهي أو تبعث من جديد. يبدو أن دولة انحرفت عن المسار وفسدت ودمرت فيها الفضاء العام والفضاء السياسي واللغة والتواصل بين الناس بشكل كامل، لم تعد مكاناً صالحاً لحياة فكرية وجمالية وحوارية وصداقة. لا أحد يستطيع الجزم بإمكانية إصلاح هذه الدولة. ولكن المؤكد أن إسرائيل كدولة ومجتمع وثقافة، تبذل قصارى جهدها لإحباط أي أمل للإصلاح.
أبرز ما يقال في هذه السنة الانتخابية هو أن هذه الانتخابات هي الأكثر مصيرية في تاريخ البلاد، ومثلما هي الحال مع كل عبارة مبتذلة، فيها شيء من الحقيقة. مع ذلك، الحملة الانتخابية التي بدأت تسير بالفعل بمعظمها إلى الوراء مثل سرطانات البحر على الشاطئ، وتتعامل مع مصطلحات فقدت معناها، ومفارقات تاريخية تحمل في طياتها بذور خرابها وخرابنا. المعركة التي قد تكون الأخيرة ستخاض على كل الجبهات: في القانون، الإعلام، التعليم والثقافة، أو بتعبير أقرب إلى تعبير تشرتشل في كل مكان، في الشوارع، الجبال والوديان، صبح مساء.
الهدف المباشر هو القضاء التام على حكم الجريمة والإهمال والعار الذي أدى إلى دمار المشروع الإسرائيلي. ولكن لن تكون هناك نهضة حقيقية طويلة الأمد لهذا المكان إذا تم التنازل عن النضال الأكبر الذي يحتاج إلى دورة فكرية وسياسية جذرية وتفكير جديد، ونقاش، وتفكيك وإعادة بناء كل شيء من الصفر. إن الاستسلام لمفاهيم العصر الحجري التي تعتبر من أكثر أساليب التضليل الإعلامي فعالية منذ نماذجها المعروفة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، والتي تتغلغل في عقول قادة المعارضة وتحركهم دون تفكير جريء وإبداعي من الصفر، قد يحقق النصر، لكنه سيكون نصراً مؤقتاً ومضللاً. وبهذا المعنى، تمثل القائمة الديمقراطية الجديدة وعداً كبيراً، واحتمالية انضمام يوآف سيغالوفيتش لمنصور عباس، التي نشر عنها في هذا الأسبوع، تعتبر نهاية حقيقية لنهاية الزمان.
لأن إحباط الشراكة مع العرب في قيادة الدولة وكتابة تاريخ إسرائيل، من خلال مساعدتهم على كشف زيف مصطلحات مثل “الصهيونية” و”الصهاينة”، لا يعني إلا تطهيراً عرقياً للسياسة والعنصرية. فقط في ظل إحياء أورويل، يمكن للديمقراطية أن تكون عنصرية و”صهيونية” في الوقت نفسه، وأن تتعايش مع “التصفية” السياسية لخمس مواطنيها أو إنشاء غيتو سياسي لهم. وماذا عن قليل من الذاكرة التاريخية؟ ألا تحمل تعابير من الماضي القريب مثل “خالٍ من اليهود” أو “خالٍ من العرب” أي معنى لهؤلاء “اليهود الديمقراطيين”؟
كان المشروع الصهيوني يطمح في الأصل إلى التنور والتحرر. فقد عمل على تنمية الثقافة، التعليم، اللغة والعمل اليدوي، وإعادة الشعب اليهودي إلى مكانته التاريخية. وعند قيام الدولة كان من المفروض أن ينتهي دوره. ولكن الضعف السياسي والمصالح الضيقة أبقت عليه، وأصبح المرادف للاشرعية وانتهاك مبدأ المساواة المدنية في الدولة بسبب سياسته التمييزية ضد غير اليهود. لم تحصل أي قرية عربية أو مشروع مدني مثل طريق أو مدرسة أو عيادة، على أي أغورة من التبرعات التي ما زال الكيان الصهيوني يجمعها في الشتات.
على مر السنين، أصبحت المؤسسات الصهيونية شريكة فاعلة في إقامة مستوطنات يهودية غير شرعية في المناطق المحتلة. وتم استثمار مبالغ كبيرة جمعت في الشتات في نشاطات ومشاريع خلف الخط الأخضر، ما شكل تحدياً للدولة. قدمت المنظمات الصهيونية الخبرة اللوجستية والعملياتية لإقامة المستوطنات و”إحياء الأرض” المزعوم وكأن أرض فلسطين خالية. وعند صعود اليمين إلى الحكم أصبحت الصهيونية مرادفة للاحتلال والقمع والاستيلاء على الأراضي، وبناء على ذلك ينظر العالم إلى إسرائيل كدولة عنصرية لها توجهات مسيحانية، وتمثل التفوق اليهودي والوحشية.
من المفارقة أن المشروع التاريخي للصهيونية، الذي كان يهدف إلى جلب اليهود المضطهدين إلى وطن جديد، أصبح في السنوات الأخيرة أحد أسباب “طرد” اليهود الإسرائيليين في الاتجاه المعاكس، من الوطن إلى الشتات. عشرات آلاف الإسرائيليين الذين لم يعودوا يعتبرون أنفسهم شركاء في الدولة الصهيونية العنصرية، أو في الرواية الصهيونية الإسرائيلية، أو في شر الاحتلال الصهيوني، هاجروا من البلاد بالفعل وانتقلوا إلى مكان آخر.
وبينما تتصدر الصهيونية المشهد في الحملة الانتخابية، ويجري تلميع صورتها وتزييفها بشكل مبالغ فيه، فقط لاستبعاد أكثر من 20 في المئة من الشعب الإسرائيلي عن التطلعات وآفاق التغيير، تعاد كتابة مفهومين آخرين أو يمحوان تماماً تقريباً، مثلما فعل الذين أعادوا كتابة التاريخ في الأنظمة الشمولية والمستبدة، المعنى هو “الاحتلال” و”السلام”. إن اختفاءهما من الخطاب السياسي والأخلاقي الإسرائيلي هو أحد مؤشرات الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي وصلت إليه إسرائيل. الاحتلال يهدد صورتنا الذاتية الزائفة بشكل كبير. في حين أن السلام شأن خاص بالضعفاء والمدللين والمهزومين، ناهيك عن الخونة.
لقد أصبح الاحتلال غائباً جديداً، أما المضطهد العائد فهو قريب مرعب ومكمم. كتب برتولد بريخت: “عندما تتراكم الجرائم تصبح غير مرئية، وعندما يصبح الألم غير محتمل، فلا تسمع الصرخات”. كانت الدلائل واضحة. ما الذي نحتاجه أكثر مما قاله يشعياهو لايفوفيتش في نيسان 1968؟ لقد قال إن جيش الدفاع الإسرائيلي سينحدر إلى “جيش احتلال قادته حكام عسكريون”. إن جوهر “الوحش” الذي يسمى “أرض إسرائيل الكامنة” يكمن في “وجود جهازه الإداري والحكومي نفسه، سيكون العرب هم العمال، واليهود هم المديرون والمشرفون والموظفون ورجال الشرطة، خاصة الشرطة السرية. ستكون الدولة التي تحكم 2 مليون أجنبي، معادين بالضرورة، دولة تابعة لجهاز “الشاباك”، بكل ما يترتب على ذلك من آثار على روح التعليم وحرية التعبير والفكر، والنظام الديمقراطي”.
بعد مرور أربعين سنة على أقوال لايفوفيتش النبوئية، جلس ستة من رؤساء “الشاباك” السابقين أمام كاميرا درور مور السينمائية واعترفوا بجرائم دولتهم وجهازهم في المناطق المحتلة. وقال أحدهم إن الاحتلال كان غير فعال وغير إنساني وغير أخلاقي، وقال إن “جيش الاحتلال الوحشي يشبه الألمان في الحرب العالمية الثانية”. وتحدث آخر عن عمليات القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي واقتحام البيوت والاغتيال والهدم، وقال: “نتعامل مع شعب يرغب 80 في المئة منه في العيش بسلام”. وقال ثالث (درور مور، كتاب “حراس البوابة”، يديعوت سفاريم، 2014): “لقد جعلت إسرائيل حياة ملايين الأشخاص مستحيلة ومعاناة مستمرة”. كان هؤلاء يعرفون ما يقولون. لقد أشعلوا فتيل الاحتلال وكانوا المسؤولين عن ممارساته الوحشية. لم يتحدثوا إلا بعد التقاعد. من المؤكد أن الرئيس الحالي لهذا الجهاز قد شاهد وسمع عن أفعالهم. هذه الفظائع التي تحدث حتى هذه اللحظة هي زمن المسيح، دقات الخلاص”.
حتى الذين شاركوا في الاحتجاجات الكبيرة ضد الانقلاب النظامي وحروب السنوات الأخيرة، رفضوا فهم أن الاحتلال، الذي يمثل الخطر الوجودي الأكبر على إسرائيل، هو السبب والمحرك لكل شيء: لحكم اليمين المتطرف ذي النزعة المسيحانية، انهيار القانون، التدهور نحو الدكتاتورية، فظائع 7 أكتوبر واحتجاز الرهائن، جرائم الحرب في غزة والإرهاب اليهودي في المناطق المحتلة. لقد اختفت الصلة، بل ومحيت. إن الوعي المصطنع لا يمكنه رؤية استحالة وجود القانون والعدالة والمساواة والأخلاق والإنسانية في دولة احتلال. إن الادعاء بأن إسرائيل ديمقراطية وعادلة ينهار يوماً بعد يوم أمام واقع المناطق المحتلة، حيث تعيش مجموعتان عرقيتان منفصلتان، واحدة تنعم بالانتماء لقانون الدولة الأم وتتمتع بالامتيازات والحقوق المدنية التي تعطيها، في حين أن الأخرى، الأغلبية، محرومة تماماً من الحقوق ومضطهدة ومستعبدة من قبل السكان المحتلين.
في عيد العرش في العام 1979 أرسلت نعومي شيمر (هوروفيتس) رسالة إلى البروفيسور لايفوفيتش كتبت فيها أنها تعودت على قراءة كتابه “اليهودية، الشعب اليهودي ودولة إسرائيل” والتأمل فيه، وأن رؤيته -حسب تعبيرها- “أن تكون دولتنا يهودية في دستورها وأسلوب حياتها”، ظهرت لها مثيرة وثورية، لا سيما أن هذه الثورة قد تكون “ثمرة إرادة فئة صغيرة”. وسألت شيمر لايفوفيتش: “ألا تعتقد أن لدى “غوش إيمونيم” فرصة لتكون هذه الفئة؟”.
انفجر لايفوفيتش غضباً، اليهودي المتدين، عند قراءة كلماتها، وكتب لها: “لقد أخطأت خطأ كبيراً في فهم كلامي”. لم أطمح قط إلى أن تكون دولتنا يهودية في دستورها وأسلوب حياتها. هذه كلمات لا معنى لها. الدولة ليست شخصاً، بل مجرد آلية حكومية، والشخص وحده هو الذي يمكن أن يكون “يهودياً” (أو غير يهودي)، والشخص وحده هو الذي يملك “أسلوب حياة”. كل دولة – ماضية وحاضرة ومستقبلية – هي بالضرورة نظام علماني. وأضاف لايفوفيتش: “لم تكن جمعية غوش إيمونيم، وما تزال، مهتمة باليهود أو اليهودية أو أسلوب الحياة اليهودي على الإطلاق، بل فقط بالمصلحة الحكومية للدولة”. لهذا السبب تتعاون مع الكفار، أساساً… حتى يتمكنوا معاً من الاستيلاء على أراض أجنبية وشعب أجنبي. وقال أيضاً إن “غوش إيمونيم” لا تهتم على الإطلاق بتوطين الأراضي اليهودية المهجرة في داخل دولة إسرائيل، “لأنها لا ترى في ذلك مصلحة حكومية أو احتلالية” (نشر في منشور للمكتبة الوطنية، 18 آب 2019).
يمثل هذا الحوار، رغم خصوصيته، لحظة مهمة في الخطاب الإسرائيلي حول الدولة واليهودية، وحول “غوش إيمونيم” التي برزت على الساحة قبل بضع سنوات. فمن جهة، عبرت هذه الحركة عن بداية وشغف نعومي شيمر وكثيرين غيرها بالإيمان الأسطوري والديني الذي ازداد قوة بعد الانتصار العسكري في 1967، وتغيير الحكومة في 1977، تحت غطاء هش ومضلل من العقلانية الصهيونية الإسرائيلية العلمانية. ومن جهة أخرى، كان هناك قلق لايفوفيتش وأمثاله من هذا التوجه. إن التداخل المتزايد بين الدين والسياسة ووضع الله في مركز الصدارة في الساحة السياسية، وبث الأوهام المسيحانية أو “الأساطير والوحوش”، كما وصفها ويل، كان له نصيب وافر في هذه الظاهرة. وقد صدقت ملاحظات لايفوفيتش كالعادة. ولكن وهم شيمر بالتحديد هو الذي تحول إلى واقع مخيف على أرض الواقع وفي التاريخ. فقد كانت “غوش إيمونيم” هي المنظمة السياسية والدينية والاجتماعية التي أثرت في تاريخ إسرائيل أكثر من أي جماعة أو حزب أو منظمة أخرى، وجلبت عليها الكوارث.
لم يكن من قبيل الصدفة أن يستخدم لايفوفيتش مصطلح “الوحش” لوصف غوش إيمونيم أو “أرض إسرائيل الكاملة”. فقد نسبت إليها قيمة مطلقة ومقدسة، مثلما فعل معلمها الروحي الحاخام تسفي يهودا كوك وتلاميذه.
عيديت زرطال
هآرتس 24/7/2026