الأمم المتحدة- «القدس العربي»: في مؤتمر صحافي للجنة التحقيق المستقلة في السودان، قال رئيس اللجنة محمد شاندي عثمان، يوم الأربعاء، إن المدنيين في مدينة الأبيض بالسودان يعيشون في حالة من الخوف الدائم جراء هجمات الطائرات المسيّرة التي تشنها قوات الدعم السريع، وموجة الاعتقالات التعسفية التي تنفذها القوات المسلحة السودانية. وحذّر المحققون من أن الحرب تتوسع جغرافياً وتزداد تعقيداً من الناحية التكنولوجية، كما أصبحت تشكل خطراً متزايداً على المدنيين.
وقالت منى رشماوي، وهي خبيرة في البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، خلال مؤتمر صحافي: «لقد اعتقلت الأجهزة الأمنية التابعة للقوات المسلحة السودانية آلاف الأشخاص، واحتجزتهم وعرّضتهم للتعذيب في أماكن احتجاز غير رسمية وفي سجن الأبيض المركزي، في ظل ظروف مروعة». وأضافت: «يجب أن تتوقف هذه الممارسات فوراً».
وقد أصدرت البعثة تقريرها الجديد، الذي يحمل عنوان «حرب السودان المتواصلة: دمار يلحق بالمدنيين وتفاقم انعدام الأمن في الأبيض»، وذلك عقب عرض نتائج توصلت إليها في أيلول/سبتمبر حول الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة أمام اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وحول تقرير البعثة الدولية، التي شكّلها مجلس حقوق الإنسان، قال عثمان إن البعثة وجدت أسباباً معقولة للاعتقاد بأن النقل الخارجي للأسلحة والتكنولوجيا العسكرية والدعم اللوجستي والأفراد الأجانب عزّز القدرات العسكرية لكلا الطرفين، ويسّر الاستخدام المتزايد لأنظمة الأسلحة المعقدة، وخاصة المسيّرات بعيدة المدى. ودعا عثمان الأطراف التي تغذي الصراع بالأسلحة والمقاتلين والمساعدات العسكرية، والمنتفعين اقتصادياً منه، إلى إعادة النظر في عواقب أفعالها واحترام القانون الدولي. وأضاف أن تلك التطورات توسع النطاق الجغرافي للصراع وتزيد المخاطر على المدنيين.
وقال: «وجدنا أيضاً أسباباً معقولة للاعتقاد بأن شبكة عابرة للدول تعمل عبر عدة بلدان، مكّنت وعزّزت العمليات العسكرية لقوات الدعم السريع. الأدلة التي جمعتها البعثة تشير إلى تورط أفراد وجهات تعمل من دولة الإمارات العربية المتحدة، وتشاد، وجنوب شرق ليبيا، وبونتلاند بالصومال، يسّروا نقل أسلحة وتكنولوجيا مرتبطة بالمسيّرات ودعم لوجستي وأفراد إلى مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، بما فيها نيالا بولاية جنوب دارفور».
وذكر رئيس الفريق، عثمان، أن مسؤولية الدول تتجاوز حدودها، داعياً من يفاقمون الصراع ويستفيدون منه اقتصادياً إلى إعادة النظر في عواقب أفعالهم، وإلى احترام القانون الدولي. وقال: «مع ارتكاب فظائع بشكل يومي في السودان، من الواضح أن مستقبل الشعب لا يمكن أن يُبنى على أساس الإفلات من العقاب». وشدّد على ضرورة ألا تقتصر المساءلة على الجناة فقط، بل أن تشمل أيضاً ممولي وميسري ارتكاب الجرائم. وأكد أن إرساء مسار لتحقيق السلام العادل والدائم في السودان يحتم توفير الحماية وضمان منع وقوع الانتهاكات والمساءلة عنها.
ورداً على أسئلة «القدس العربي» حول دور المجتمع المدني الذي ساهم في إسقاط نظام عمر البشير، قالت جوي إنغيزو إيزيللو، عضوة الفريق، إن الفضاء المدني في السودان قد تقلص كثيراً. وأضافت: «كثير منهم غادر البلاد أو انتهى به الأمر في السجون، ولم يعد لهم دور يُذكر، وهو ما أشرنا إليه في التقرير. ولكن بقي بعض المدافعين عن حقوق الإنسان وبعض النشطاء الذين يحاولون أن يتجمعوا، ولكنهم يخشون، إن قالوا شيئاً، أن يُصنّفوا مع هذا الطرف أو ذاك. والهجوم عليهم يعرقل جهود الفريق في توثيق عمل المنظمات المدنية».
وقالت: «نحن نصرّ في كل مداولاتنا على ضم هذه العناصر للمحادثات، بمن فيهم النساء اللواتي يتعرضن لحزمة من الانتهاكات. التضامن الدولي يجب أن يكون مع المجتمع المدني السوداني، لا مع حملة السلاح».
ورداً على سؤال ثانٍ لـ«القدس العربي» حول دور الدول الأخرى المجاورة للسودان، وخاصة إثيوبيا ومصر وتشاد، قال رئيس الفريق محمد عثمان: «إن التحقيقات ما زالت جارية لمعرفة أدوار الدول المجاورة الأخرى. نتواصل مع تشاد. هم ينكرون التدخل، ولكن لدينا وثائق تثبت أن لهم دوراً في النزاع، ولكننا نتحاور معهم ونرحب باستعدادهم للحوار معنا، وخاصة أن لديهم عدداً كبيراً من اللاجئين».
وأضافت السيدة منى رشماوي أن حدود السودان ملتهبة الآن، وخاصة من إثيوبيا، وهناك حادث مواجهة مع مصر. وكلما تضعضع وضع السودان، تأثرت دول الجوار. والسودان لديه حدود واسعة مع إثيوبيا وتشاد.
وقالت رشماوي: «هناك مشكلة إضافية، وهي وجود مرتزقة من كولومبيا. نتحاور مع الدولة الكولومبية الآن لإيجاد مخرج لمسألة المرتزقة. الوضع في السودان معقد كثيراً».
ورداً على سؤال متابعة لـ«القدس العربي» حول تحول ميليشيا الجنجويد إلى قوات التدخل السريع، وكيف خدع عمر البشير الأمم المتحدة عندما غيّر الاسم، ثم جرى دمج الميليشيا في الجيش، وفي أول فرصة سنحت لها للانشقاق، انسحبت من الجيش تحت اسم قوات التدخل السريع، ردّ عثمان: «نعم، هذا صحيح. لقد تمت شرعنة الجنجويد بعد عام 2005، ولكنهم انفصلوا بعد عام 2023. الشيء المهم هو أنه لم تكن هناك مساءلة منذ أن كانوا جنجويد وحتى الآن. لم تتم مساءلة أحد. يجب أن تكون هناك آلية لمحاسبة المتهمين بحرب الإبادة. يجب أن تكون هناك مساءلة الآن ليصبحوا نموذجاً لردع غيرهم».