قطار الليل إلى سيدة الأنوار


عندما وصلتني الإشارة منها تركت العالم خلفي، تساوى العالم في موازينه، عندما قالت لي من سماءٍ أخرى: أنا في انتظارك على بوابة محطة القطار العتيقة. لا تغِب ولا تتأخر. في اليوم التالي كنت أقطع المسافات من دربٍ إلى آخر، ولا أرى من المدينة منقطعة الأنفاس سوى المطار. وضعت حقائبي واصطففت في طوابير طويلة إلى أن صعدت إلى الطائرة، كنت أراقب السماء من النافذة، وأتلمس إشعاعَ ضَوءِ عَيني امرأةٍ تقف على بوابةٍ عتيقةٍ لمحطة قطارٍ في آخر الأرض وتنتظرني.
في المدينة التي حطَّت بها الطائرة، كنت أجرُّ حقيبتي وأحمل قلبي، وتتناثر في عينيَّ الرؤى وتتكوَّن ذكريات تبدأ من اسمها ولا تنتهي عند ملامحها وتفاصيل وجهها الدقيقة.
في نُزُلٍ قريبٍ من المطار قضيت ليلتي أحلم ببوابات المحطات جميعاً في أنحاء الأرض، في أصوات القطارات وهي تدخل إلى الرصيف، وفي الزهور الصغيرة التي تنبت على حواف سكك القطارات، وفي الباعة على الأرصفة، وساعات المحطات التي لا ينتبه إليها أحد، وفي بطاقات السفر، والمحلات المضاءة في مداخل المحطات والصحف المفروشة أمامها، وفي الأطفال المترقبين الصعود إلى عرباتها، وفي الأقواس الحجرية الكبيرة التي بُنيت بها المداخل وشهدت على الحنين والانتظار والفراق والوصول، وعلى من لا يجيء.
لم أنم.. حدّثتُ شيخي العالِم، وقطبي الفاهم، صاحب الرؤى والقنديل. قلت له إنني هنا، أنا وصلت! كان في طنجة، مدينة المضيق والشمال الفريدة العالية، ابتسم طويلاً وقال: «نادتك الأنوارُ إذن فلبّيت! واصطفتك الواحدةُ فأتيت، صَفِّ مواجيدَك وتهجَّدْ، وخِفّ حتى تشِفّ، وتبتّلْ وتوسّلْ ولا تبُح باسمِها أو جوهرها، والتقيها صافياً كالزلال، وموعدُنا عند عودتك». قلت له: يا شيخي الفاهِم، يا قطبي وصاحب القنديل، مُضنى من الشوق ومن المسافات معاً، ومتعبٌ من سرِّها الذي لا يعرفه غيرك، ومن رؤاي التي تستضيء بها حتى يشتعل العالم في قلبي ولهاً من دون أن أبوح بالسر. قالَ: هو الحب الحق، الطريق والطريقة والنور والسبيل، والسدرة القصية في علوّها، وإنك من أصحاب الوجدِ وقوافل الحجاج إلى الحقيقة والجوهر، فسِر لما ناداك واصطفاك، وموعِدُنا البحر».

مع بزوغ الشمس كنت على موعدٍ مع أول خيوطها، أسرع الخطى خارج النزل باتجاه محطة القطار على الرصيف المقابل، طالعت اللافتة الكبيرة على مدخلها «محطة الميناء والمسافرين»! علاماتٌ وإشارات، كأنها الميناء ينتظرني وأنا المسافر في سبيل الوجد والغاية والجوهر المكنون.
في القطار، كنت أشاهد الطبيعة خلف الزجاج، الجبال العالية، والسهول والمراعي، وماشية وحيوانات الحقول وسط الخضرة، وبيوتاً خلف الأشجار، وأخرى متناثرة على الجبال العالية، وجداول الماء التي تتقاطع مع سكة القطار، ومساجد صغيرة بعيدة، وقبوراً منسية، وأطفالا يركضون حفاةً، وعصافير وأشجاراً مزهرةً بثمار حمراء صغيرة، وفلاحين انتثروا على مدى الأرض وقد انحنوا عليها كالعاشقين.
من آخر العربة ظهر مُحصّل البطاقات، وصل إليَّ وكنت في مكانٍ آخر. سألني عن البطاقة فقدمتها له، قال وهو يمهر عليها بقلمه: ما وجهتك؟ قلت له: مدينة سيدة النور، خلف مواقيت غروب الشمس، وعندما يخفق قلبا عاشقين على امتداد خطوط الأرض طولاً وعرضاً، وجهتي السر الأعظم والجوهر المكنون وما أخفته الأسرار عن الظواهر وما لم تجهر به الجواهر. ابتسم وذهب، بينما أشد على قلبي بالسرِّ ووصايا شيخي الفاهم: «لا تبُح باسمها أو جوهرها، إن اصطفتكَ لبِّ دون أن تشير أو تقول». وها أنا ألبي والقطار يقترب من محطة الوصول.
بينما أجرّ حقيبتي الوحيدة نازلاً عن سلمات القطار وفي يدي باقة كبيرة من الورد، رحت أمد السير باتجاه بوابة المحطة الحجرية الكبيرة. جاءني نورها من بعيد في زحام السائرين والمسافرين للمدينة العتيقة قبل أن أراها أو أصل إليها، شممت عبيرها الفوّاح من بعيد، ورأيت شيئاً من طرف فستانها يرفرفه الهواء تحت ركبتيها، ركضت حتى صرت شعاعاً، رأتني فابتسمت، ضحكنا معاً وتعانقنا، ومرَّت قطاراتٌ كثيرة ومسافرون ومواقيت ونحن متعانقان، غربت الشمس وحلَّ الليل وخلت المحطة من زحامها من دون أن يفلت أحدنا الآخر، كانت تدمع وكان قلبي يبكي، وعلى وجهينا ابتسامة العارف المطمئن، ارتفعت أصواتُ قِطاراتٍ تمضي وأخرى تدخل إلى المحطة ونحن واقفان مُتشبِّثان بالعناق والزمن يمر من حولنا ولا يرانا والسماء تقترب والنجوم تزداد لمعاناً والهواء يخف والعالم يمتلئ رحمةً وحنواً.
قلت لها: لك السر يا سيدة السر وسيدة قلبي. أشارت إلى نجمةٍ بعيدةٍ وقالت سآخذك إلى هناك فاعطني يدك. أمسكت يدي، فلم تفلتها. رحنا نرتقي في مدارج ومدارات، بين تبتل العاشقين ومواجيد المتبتلين وأسرار السموات، في عالمٍ ملؤه الضوء، كنت أرى كيف يُخلق العالم من قُبلةٍ وكيف يستريح الكون على كفي عاشقةٍ ويتعبُ في ارتقاءاتِها، موجٌ يلاحق موجاً، وسماء تخلف أخرى، وفضاء لا يتوقف عن الدوران، وكواكب تضيء وأخرى تنتثر ونجوم تحترق وأخرى تشتعل وسحبٌ تتشكل على هيئة الخلق والطير يسعى. تذكرت كلمات العالِم صاحب القنديل «ستصحبك إلى السدرة المضاءة، والنشوة الوضاءة، والنور، حيث لا ظلام بعد آخِر ارتقاءاتها، فانسَ العالم واتبعها، ولا تعد».
قلت لها بينما يطير شعرها على وجهي في اشتداد الهواء ونحن نواصل الصعود ويبتعد العالم وتختفي الأرض: لو لا أمسك بيدك لظننت أني في الجنة.
ابتسمت وقالت: ولكننا هناك.

شاعر مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *