يُحمّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرؤساء الأمريكيين الذين شهدوا فترة الانقلاب الإيراني، وقبوله والتعامل معه، بالخطأ التاريخي والكارثي، وهو الآن يقوم بتصحيح التاريخ ويعد الأمة الأمريكية بالنصر المطلق. في هذا السياق صرّح وزير الخارجية الأمريكي الأسبق مايك بومبيو، في مارس/آذار 2019، خلال مقابلة مع شبكة البث المسيحي (CBN) في القدس، بأنه يعتقد كمسيحي أنه «من الممكن جداً» أن يكون الله قد أرسل ترامب لحماية إسرائيل ومواجهة التهديد الإيراني، مشبهاً ذلك بالقصة التوراتية للملكة إستير.
مع انتهاء مهلة الستين يوماً؛ الاثنين قبل الماضي، واعتبار مضيق هرمز أرضا أمريكية، وإعلان ترامب إغلاق قنوات التفاوض وتصميمه على عدم تمديد الهدنة. يعود إلى سياسة أسلافه من الرؤساء الذين انتقدهم واعتبرهم خونة وجبناء، بفرض العقوبات الاقتصادية واستمرار الحصار الخانق، لكن هذه المرة « ذات أسنان حادة»، بأوامر تنفيذية لوزير الخزانة سكوت بيسنت وجديته للتنفيذ.
يزخر تاريخ الولايات المتحدة باستخدام سياسة العقوبات، وعلى سبيل المثال لا الحصر، قانون داماتو (أو قانون العقوبات على إيران وليبيا) هو تشريع أمريكي أُقر في عام 1996 بطلب من السيناتور ألفونس داماتو. يفرض القانون عقوبات على الشركات والأفراد (أمريكيين أو أجانب) الذين يستثمرون بأكثر من 20 مليون دولار سنوياً في قطاعي النفط والغاز في إيران وليبيا، بهدف منع طرابلس وطهران من تطوير قدراتهما.
تعتمد فرصة تأثير العقوبات الاقتصادية الحالية على مدى شمولية تطبيقها واستهدافها لشبكات الالتفاف المالي وأطراف ثالثة مثل روسيا والصين. ورغم تسببها بضغط حاد على العملة والاقتصاد، إلا أن قدرة طهران على التكيف ربما تعوق إحداث تغيير جذري سريع.
تستند واشنطن إلى تشريعات سابقة تجرّم تمويل الأنشطة الموكلة للحرس الثوري، وحرمانها من الوصول إلى نظام الدولار والتحويلات المالية
أبرز القوانين والعقوبات المماثلة قانون الحظر التجاري على كوبا (قانون هلمز- بورتون) فرض عقوبات ثانوية على الشركات الأجنبية التي تستثمر في ممتلكات مصادرة تخص أمريكيين في كوبا. قانون «سفتسا» يستهدف عبر عقوبات قصرية الشركات والأفراد المتعاملين مع قطاعات الدفاع والاستخبارات في روسيا وإيران وكوريا الشمالية. آلية الزناد (Snapback) حُزم أمريكية وأممية تهدف لإعادة فرض عقوبات دولية ومصرفية شاملة وإقصاء البنوك الإيرانية من النظام المالي العالمي. العقوبات على قطاع الطاقة الفنزويلي، إجراءات حظر مالية وتجارية تستهدف منع الشركات الدولية من شراء النفط الفنزويلي والتعامل مع شركة النفط الوطنية. خصائص العقوبات المشابهة لقانون داماتو العقوبات الثانوية، معاقبة أي شركة في العالم تتعامل مع الدولة المستهدفة حتى لو لم تستخدم النظام المالي الأمريكي. التركيز على عصب الاقتصاد مثل النفط، والغاز، والمصارف، ومنافذ الشحن البحري والبري. إجبار الحلفاء والشركاء التجاريين (مثل الدول الأوروبية أو الآسيوية) على الاختيار بين السوق الأمريكية أو التجارة مع الدولة المعاقبة.
سعي واشنطن لفرض «أشد العقوبات» بهدف عزل طهران اقتصادياً وتقييد مواردها. محاصرة قنوات تمويل النفط والكيانات والشركات الأجنبية الداعمة لإيران برفع تكلفة التعاون معها. تراجع محتمل في شحنات النفط الإيراني الموجهة للخارج في حال تشدد الرقابة على الموانئ والمصافي.
«خبرة الالتفاف» لجوء إيران إلى قنوات غير تقليدية و»أسطول الظل» لنقل وتسويق النفط. العمق التجاري مع الصين، اعتماد طهران الكبير على السوق الصينية في تصريف معظم صادراتها النفطية، ما يجعل الفاعلية مرتبطة بمدى استعداء واشنطن لبكين. العراق يعتبر الرئة، وزيارة رئيس البرلمان محمد قاليباف تشكل منعطفاً تاريخياً في مواجهة العقوبات.
تستند الولايات المتحدة في فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران إلى مزيج من الأسباب الاستراتيجية والسياسية، مدعومة بسندات وقوانين تشريعية وتنفيذية داخلية تمنح الإدارة الأمريكية صلاحيات واسعة للعزل المالي وفرض القيود التجارية. منع إيران من تطوير أو امتلاك قدرات وسلاح نووي يشكل تهديداً لأمن الولايات المتحدة وحلفائها، اتهام طهران بدعم جماعات وأطراف إقليمية حليفة لها ومهاجمة المصالح الأمريكية وخصومها في الشرق الأوسط، التصدي للبرنامج الصواريخ العسكرية الإيرانية وما تمثله من خطر على السلم والأمن الدوليين، استخدام العقوبات كأداة ضغط رئيسية لإجبار القيادة الإيرانية على تغيير سلوكها الخارجي أو الرضوخ لتسويات تفاوضية شاملة دون اللجوء المفرط للعمل العسكري الميداني الواسع.
السندات والقوانين التشريعية الأمريكية قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA) يمنح الرئيس الأمريكي صلاحيات استثنائية واسعة لإعلان «حالة طوارئ وطنية» بمواجهة أي تهديد خارجي مصدره دولة أجنبية، وهو الأساس القانوني لمعظم الأوامر التنفيذية الرئاسية لفرض العقوبات وتجميد الأصول وحظر التجارة؛ تصدر مباشرة من البيت الأبيض لتفعيل حزم القيود الشاملة والعقوبات الثانوية التي تستهدف قطاعات الطاقة، والنفط، والمصارف، وكل من يتعامل تجارياً مع طهران من الأفراد أو الكيانات الأجنبية. تستند واشنطن إلى تشريعات سابقة تجرّم تمويل الأنشطة الموكلة للحرس الثوري أو الجهات المدرجة على قوائم الإرهاب الأمريكية، وحرمانها من الوصول إلى نظام الدولار والتحويلات المالية العالمية.
٭ كاتب فلسطيني وباحث سياسي