قراءة الروايات يُطيل العُمرَ فعلاً!


ثمة خطرٌ حضاريٌّ لا يمكن عدم الحديث عنه، في هذا الأسبوع الدوليّ المكرّس للاحتفال بالقراءة: انخفاض مستوى القراءة عالميّاً! لذلك أسبابٌ عدّة، إلى جانب انتشار الأميّة في البلدان الفقيرة، أهمّها: إدمان الشاشات وامتصاص الوقت وتشتيت الانتباه، لا سيّما تحت تأثير الشبكات الاجتماعيّة، ومنتجات التكنولوجيا الرقميّة المتنوِّعة: تيك توك، سيول الفيديوهات الصغيرة والمسلسلات التلفزيونية. وتحت تأثير عصر السرعة عموماً الذي لم يعد الإنسان قادراً فيه على القراءة المركّزة خلال ساعات: أضحى يُفضِّل القراءةَ المبتسرة الملخَّصة بالذكاء الاصطناعيّ، على الانغماس بكلِّ كيانه في النصوص العميقة وأمّهات الكتب.
ثمّة فرضيّةٌ جادّة: انخفاض القراءة دوليّاً يُفسِّر، بين أسبابٍ أُخرى، التدهورَ الحضاريّ المعاصر، وانتصار الأفكار اللاإنسانيّة، والعودة إلى الظلمات. هزيمتُنا، كعرب، في مجال تحدّي القراءة، وهزيمتُنا الحضاريّة عموماً كنتيجةٍ لذلك، آتيةٌ من جذورٍ تاريخيّة عميقة وأبعادٍ قصيّة سأتحدّث عنها في نهاية المقال.
ثمّة أوّلاً، بطبيعة الحال، علاقةٌ وثيقةٌ بين ارتفاع مستوى القراءة في أيّ مجتمع ومستوى التنمية الاقتصاديّة فيه، وانخفاض الجهل والتخلف. ناهيك من أن القراءة تساعدنا، كأفراد، على «السيطرة على مخاوفنا وإصلاح عوالمنا الداخلية»، كما يقول الأنثروبولوجيون. القراءة «ماكينةٌ لصناعة الذكاء»، حسب تعبير مدير أبحاثٍ متخصِّص. ماكينةٌ تُعزِّز من مقدرات النجاح المدرسيّ، التعاطف مع الآخرين، الروح النقديّة، التجريد والتركيز، التساؤل حول الذات والآخر والوجود عموماً، حبّ الاستطلاع، الاندماج بالمجتمع والتفاعل معه. مندون الحديث عن أن الحضارة الحديثة انطلقت من صلب وترائب اختراع المطبعة، و«ثورة القراءة» في قرن الأنوار، كما سنرى لاحقاً. أمّا تعليمُ الطفل القراءة في سنٍّ مبكِّر، وتحبيبُها له قبل ذلك، فهما ضرورةٌ وجوديّة، بل من أهمّ ركائزِ نجاحِ الطفل في الحياة مستقبلاً، كما يُجمع الباحثون. بل أهمّها اليوم إطلاقاً ربما، في عصر الصراع بين الشاشة والكتاب: تتمتع الشاشة خلاله بمزايا جذبٍ سهلةٍ للدماغ، بل تخديريّةٍ في نهاية المطاف، تُهدِّد مستقبل إنجازات ثورة القراءة.

لِنقلْ أوّلاً: لا توجد منطقةٌ محدَّدة للقراءة في الدماغ، لكن سلسلة مناطق. التعرّفُ على الأحرف يبدأ من منطقة تقع في «الثَّلْم القذالي الصُّدغي»، في الجزء الخلفيِّ من نصف الكرة المخيّة الأيسر: منطقة الشكل البصريّ للكلمات، أو «صندوق بريد الدماغ». تليه «سيمفونية دماغيّة» تُفعِّل شبكةَ مناطق دماغيّة شتّى: الانتباه والتركيز، الذاكرة، الاستيعاب، التخييل، الروح النقديّة، التنبؤ، الاستشراف والاستنباط، المبادرة، الروح الخلّاقة… بيد أن الإنسان ليس «حيواناً عقلانيّاً»، كما يعرف الجميع: يُمارس ما يُسمِّيهِ علماءُ الذِّهن «البخلَ المعرفيّ»، أي اقتصاد الجهد الذهنيّ: يميل غالباً إلى قراءة العناوين بدلاً من الغوص في النصوص، يلجأ إلى التفسير السريع للظواهر والأحداث بدلاً من فحص البدائل والبراهين.. ويُفضِّل ترفيهَ الشاشات على عبوس الأوراق! (ربما لذلك لجأت الصين إلى قوننة تحديد زمن استخدام ألعاب الفيديو وتيك توك!).
ولأنّ مقالي هذا مرافعةٌ لتعزيز حبِّ القراءة عربيّاً، من المهد إلى اللحد، فلا يمكنني ألّا أشير إلى دراساتٍ علميّة متنوِّعة لافتة، حول أثر القراءة الإيجابيّ على طول عمر المتقاعدين والشيوخ، وعلى جودة حياتهم كعلاجٍ روحيٍّ وصحيّ، بفضل دورها العظيم في تنشيط مختلف مناطق الدماغ: في إحداها، بعنوان: «العلاقة بين القراءة وطول العمر» نُشِرت في Social Science & Medicine، انطلاقاً من إحصائيّات لأكثر من 3500 متقاعد من شمال أمريكا، خلال أكثر من 12 سنة، لُوحظَ انخفاضُ متوسط الوفيات بنسبة 20% بين من يقرأون بانتظام (بغضِّ النظر عن جنسهم، مستوى معيشتهم)، بالمقارنة بمن لا يقرأون. لا يعيشون عمراً أطول عموماً، لكن بصحّةٍ أفضل أيضاً!
انخفاض خطر الوفاة يزداد أيضاً مع ارتفاع ساعات القراءة (بين من يقرأون ثلاث ساعات ونصف أسبوعياً، وبين من يقرأون أكثر). ولأن 87% من قُرّاء هذه الدراسة يقرأون الروايات، فقد برزت فرضيّة دراسية محدَّدة جادّة: قراءة الروايات، لا سيّما روايات التخييل، لمدة 30 دقيقة يوميّاً، يقود إلى تطويل العُمر لِعامين!

إذا كنّا (كشرقٍ عربيٍّ وإسلاميّ) في القرن الخامس عشر، عندما اخترع غوتنبرغ المطبعة في 1450، في مستوى أوروبا الحضاريّ ربما نفسه، بعد أن كنّا متقدِّمين عليها منذ القرن التاسع، فقد تغيّر كلُّ شيءٍ جذريّاً بعد اختراع غوتنبرغ: انتشرت المطبعة سريعاً في كلِّ أوروبا الغربية، ومعها حبّ القراءة. تطوّرَ الأدب والمعارف، وارتفعت التنمية البشريّة في المدن التي اقتحمتها.. فيما مَنعت الإمبراطورية العثمانية رسمياً استخدام المطبعة بالأحرف العربية عام 1485، بأمرٍ من السلطان بايزيد الثاني (ابن السلطان محمد الفاتح). تلاه تعزيزٌ للمنع من ابنه: السلطان سليم الأوّل، عام 1515!
لزم انتظار القرن الثامن عشر لتتسلّلَ المطبعةُ في لبنان، عبر جبل لبنان، بعد حوالي ثلاثة قرون من اختراعها، بفضل الراهب اللبنانيّ عبد الله الزاخر، الذي قلّما نذكره، فيما غيّر مسار الثقافة العربيّة بما فعلَه. لروحهِ الخلود والمجد..
في هذا القرن المتأخِّر، في عام 1727 تحديداً، سمح السلطان أحمد الثالث بِطبعٍ محصورٍ جدّاً للكتب، وبإشراف لجنة فقهاء دينيين. لم تطبع الإمبراطورية العثمانيّة مع ذلك، حتّى 1797، غير 24 كتاباً! توالت، في كلِّ أوروبا، بعد اختراع غوتنبرغ للمطبعة، الاكتشافات العلميّة وتداول المعارف وتراكمها، ومداميك مجتمعٍ علميّ، رفعَ أوروبا إلى علياء الحضارة العالميّة، وجعلها في الطليعة العلميّة والمعرفيّة والحربيّة.

تغيّر بفضل ذلك فهم الإنسان للكون والحياة، منذ الثورة الفلكيّة لِنيكولا كوبرنيكوس، إلى قوانين فيزياء نيوتن، مروراً باكتشافات أسماء جليلة عديدة منها: يوهانس كبلر، ديكارت، غاليليو غاليلي: صاحب التلسكوب «الذي ألغى السماء» حسب تعبير برتولد بريخت، عندما رفعه باتجاه كوكب المشتري، في 10 فبراير/شباط 1610.. (على ذكر غاليلي، ومنع الامبراطورية العثمانية للمطبعة، لا يمكنني عدم توجيه سؤالٍ مؤرق.. ومؤرقٍ جدّاً: لماذا لم تتواصل إنجازات ابن الهيثم في البصريات، وتؤدّي إلى اختراع تلسكوب غاليلي في ديارنا العربية، لكن قبل غاليلي بقرون؟).
نتيجة اختراع المطبعة: في عام 1800، كانت نسبة من يجيدون القراءة والكتابة في الإمبراطورية العثمانية 2 إلى 3% من السكان، بينما كانت نسبتهم في إنكلترا: 60% من الرجال و40% من النساء، كما شرح فيليب أجيون، صاحب جائزة نوبل في الاقتصاد، في دروسه لهذا العام 2026، في كوليج دو فرانس.
رافقت اندلاع «ثورة القراءة»، في القرن 18 في غرب أوروبا، قصصٌ شهيرة مثل: الرجل الذي عاد من عمله ووجد بيته غير مرتّب، ليرى خادمة البيت منهمكةً بالقراءة في المطبخ؛ أو قصص أولئك الذين كانوا يمشون بالطرقات وهم يقرأون..
تلزم الإشارة ونحن نتحدث عن عصر ولادة المطبعة وما تلاها: كانت الصين أكثر تقدّماً من الغرب ومنّا حينذاك، اختراعاتها عديدة في ذلك الزمن، لكنها لم تحقّق تطوّراً تراكميّاً، بل كانت في مهبّ ريح مزاج العائلات الحاكمة.
ختاماً: إذا كان أحد أهمّ جذور تخلفنا، كعرب، هو منع الإمبراطورية العثمانيّة لِلمطبعة بسبب الخوف من «الضلال»، والإفلات من تأثير فقهاء الإمبراطورية على أدمغة الناس، فإن معدّلات القراءة في العالم العربيّ ما زالت في الحضيض كما يبدو، وذلك ما يساهم في شرح ديمومة تخلفنا: لا تتجاوز كتاباً واحداً سنوياً، لكل 80 شخصاً (حسب تقرير التنمية البشرية عام 2003)، في حين يقرأ المواطنُ الأمريكي مثلاً، في المتوسط، 17 كتاباً سنويّاً، حسب بيانات عام 2024!

كاتب يمني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *