لندن- “القدس العربي”: قالت مجلة “بوليتيكو” في تقرير أعدته ميغان ميرسلي وأليكس غانغيتانو، إن مقتل عدد من الجنود الأمريكيين خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعد أسابيع من السلام الهش والمفاوضات المتعثرة، بالإضافة إلى تقارير جديدة تشير إلى احتمال وجود إصابات أخرى لم يكشف عنها سابقا، أثار مخاوف حلفاء البيت الأبيض من أن الرئيس دونالد ترامب بات يستنفد بسرعة جميع السبل المتاحة لإخراج الولايات المتحدة من هذا الصراع المكلف.
وقال أحد المقربين من البيت الأبيض، الذي طلب عدم الكشف عن هويته: “هكذا يبدو شكل المستنقع”. مع أن ترامب تعهد يوم الاثنين بأن إيران ستدفع “أضعافا مضاعفة” مقابل كل جندي يقتل، مهددا بتصعيد الصراع الذي كان كثيرون يأملون أن يكون على وشك الحل.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية مساء الاثنين جولة جديدة من الضربات تركز على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية على مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز.
ونقلت المجلة عن جيمس جيفري، السفير السابق الذي خدم في الشرق الأوسط في ثلاث إدارات رئاسية، بما فيها إدارة ترامب الأولى، قوله: “الناس عموما قلقون. أعني، الأمريكيون يموتون. الأمر خطير للغاية، وهذه حرب حقيقية”.
جيمس جيفري: الناس عموما قلقون. الأمريكيون يموتون. الأمر خطير للغاية، وهذه حرب حقيقية
وأضافت المجلة أن الجمهوريين المقربين من البيت الأبيض يشعرون بالقلق إزاء التداعيات الاقتصادية للحرب على المواطنين الأمريكيين العاديين، في انتخابات يتوقع أن تحسمها قضايا غلاء المعيشة.
فقد تجاوز متوسط سعر غالون البنزين أربعة دولارات لأول مرة منذ منتصف حزيران/يونيو، بزيادة قدرها 13 سنتا خلال الأسبوع الماضي.
كما تؤكد قدرة إيران الواضحة على الصمود في وجه القصف الأمريكي العنيف، مع إلحاقها خسائر في صفوف القوات الأمريكية وحلفائها وإغلاقها مضيق هرمز، التحديات التي يواجهها ترامب في محاولته كسب حرب ضد خصم يكافح للبقاء.
ونقلت المجلة عن جون ماكلولين، مستشار استطلاعات الرأي لترامب، قوله: “لا أعتقد أن أحدا يحبذ الوضع المعلق المتمثل في وجود إيران، حيث لا يزال هؤلاء الإرهابيون يسيطرون على زمام الأمور، ما قد يؤثر على سياستنا الداخلية في تشرين الثاني/نوفمبر. وبالنسبة لهم، الفوز في الحرب يعني البقاء، ووجودهم برمته قائم على حرب مستمرة معنا، حرب لا نرغب في خوضها. لكنهم يتركون لنا خيارا لا نريده”.
وبالمقابل، لا يزال البعض متفائلا بأن تهديدات الرئيس الأخيرة ليست سوى وسيلة لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات. فقد نقل الوسطاء إلى إيران مقترحا لتهدئة الحرب مع الولايات المتحدة، يقضي بوقف لإطلاق النار مدة عشرة أيام، في محاولة لإحياء الاتفاق الذي توصل إليه البلدان الشهر الماضي، وفقا لما ذكرته وكالة أنباء “رويترز” يوم الاثنين.
ويرفض هؤلاء فكرة إرسال ترامب قوات برية، مثلا للاستيلاء على جزيرة خرج، كما ألمح الرئيس سابقا.
وقال أليكس غراي، الذي شغل منصب رئيس طاقم مجلس الأمن القومي خلال ولاية ترامب الأولى: “أعتقد أن أي شخص يتحدث عن إرسال قوات برية منفصل عن الإدارة، وبالتأكيد منفصل عن الرئيس. إنهم يروجون لأجندة لا تحظى بموافقة الرئيس وفريقه، ولا تعكس بالتأكيد توجهات الحزب الجمهوري اليوم”.
وأكد مسؤولون أمريكيون أن الرئيس يركز على معاقبة إيران لانتهاكها مذكرة التفاهم التي أبرمها البلدان الشهر الماضي، والهجمات على السفن في مضيق هرمز، والآن مقتل جنود أمريكيين.
وقال المتحدث باسم البيت الأبيض، تايلور روجرز: “مع تقويض الجيش الأمريكي لقدرة النظام الإيراني الإرهابي على مهاجمة السفن التجارية وتعطيل تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز، ستنخفض أسعار النفط والغاز إلى مستويات ما قبل النزاع”.
إلا أن الخسائر في صفوف الجيش ووعود الانتقام باتت تلقي بظلالها القاتمة على موسم الحملات الانتخابية الصيفية، الذي كان الرئيس وحزبه يأملان خلاله إعادة التركيز على تخفيضات الضرائب الشعبية وخفض أسعار الأدوية.
وأشارت المجلة إلى التناقض الصارخ، فقبل خطاب مقرر له على غرار خطابات الحملات الانتخابية في جورجيا يوم الأربعاء، كان من المفترض أن يروج فيه للأجندة الاقتصادية للإدارة، كان الرئيس سيتوجه إلى قاعدة دوفر الجوية يوم الثلاثاء لحضور مراسم نقل جثامين الجنود الذين قتلوا في نهاية هذا الأسبوع في الشرق الأوسط. وقد تم تأجيل مراسم النقل مساء الاثنين.
وقال النائب الجمهوري السابق عن ولاية فلوريدا، كارلوس كوربيلو: “أصبحت الحرب سحابة سوداء مستمرة تعكر المزاج العام، الأمر الذي يحبط عادة قاعدة الحزب الحاكم ويحفز أنصار المعارضة”.
أصبحت الحرب سحابة سوداء مستمرة تعكر المزاج العام، الأمر الذي يحبط عادة قاعدة الحزب الحاكم ويحفز أنصار المعارضة
ومن المرجح أن يؤدي التصعيد المستمر إلى ارتفاع أسعار النفط، التي بلغت نحو 90 دولارا للبرميل يوم الاثنين، وفقا لمؤشر خام برنت العالمي، وهو رقم يهدد حظوظ الحزب الجمهوري في انتخابات لم يتبق عليها سوى ثلاثة أشهر.
وقال كورت ميلز، المدير التنفيذي لمجلة “أمريكان كونزيرفاتيف”: “قاعدتي التقريبية هي أنه إذا تجاوز سعر النفط، في ظل الحزب الحاكم، 90 دولارا للبرميل، فسيخسر، وإذا انخفض عن 70 دولارا للبرميل، فسيفوز. أعتقد أن هذه هي منطقة الخطر بالفعل”.
وقال رئيس مجلس النواب مايك جونسون يوم الاثنين إنه من الممكن عقد جلسات إحاطة هذا الأسبوع مع مسؤولي الإدارة حول آخر التطورات في الحرب مع إيران، لكن لم يتم تحديد أي اجتماعات.
ويعتقد حلفاء الإدارة أن هناك عددا من الخيارات العسكرية المتاحة أمام الرئيس، التي لا تصل إلى حد إرسال قوات برية، بما في ذلك تصعيد الحصار البحري الأمريكي وشن هجمات على البنية التحتية الإيرانية.
ورغم اعتراف ترامب الشهر الماضي بأنه غير متأكد مما إذا كان لدى الأمريكيين “رغبة” في حرب أطول وأوسع نطاقا، يقول بعض مؤيدي الرئيس إن طهران تقلل من شأن قدرة الولايات المتحدة على تحمل المخاطر السياسية.
وقال جيفري: “كانوا يأملون، نظرا لخبرتهم الطويلة في هذا المجال، أن يصمدوا لفترة أطول منا”. لكن “ليس أمام ترامب خيار آخر، لقد طرح حلا وسطا ولن يستسلم، حتى لو خسر الانتخابات” في تشرين الثاني/نوفمبر.
لكن من المرجح أن تزيد وفاة الجنود الأمريكيين الضغط على ترامب للرد بقوة، وفقا لمصدر ثان مقرب من البيت الأبيض طلب عدم الكشف عن هويته.
وقال المصدر: “لطالما كان صبره محدودا، لكنني أعتقد أننا نشهد الآن عواقب ذلك. ومن المؤشرات الجيدة على نواياه طلبه الضخم لميزانية الدفاع من الكونغرس. فهو يريد ضمان امتلاك الولايات المتحدة قدرات كافية لدعم أي عمليات مستقبلية عند الضرورة”.
وبالإضافة إلى ميزانية الدفاع البالغة 1.5 تريليون دولار، طلب البيت الأبيض أيضا 67 مليار دولار لتغطية تكاليف الحرب.
إلا أن ميزانية الدفاع هذه عالقة في مجلس الشيوخ.
وقد جادل زعيم الأقلية تشاك شومر بأن التشريع، الذي يصبح قانونا كل عام، يعد بمثابة “ترخيص لذلك التهور الذي نشهده في إيران”، وفي الأسبوع الماضي منع الديمقراطيون في مجلس الشيوخ طرحه للتصويت.