تردد مؤخراً اسم مغني الراب الأمريكي ماكليمور، بعد أن ألغيت مشاركته في الجولة الفنية للمغني البريطاني إد شيران في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان سبب المنع والإلغاء أنه غنى لفلسطين، ورفع صوته عالياً وهتف بالحرية لفلسطين. مثل هذا يدفع المرء بالطبع إلى الاقتراب من هذا الفنان صاحب الموقف الأخلاقي والإنساني السليم، ويثير الفضول والرغبة في اكتشاف عالمه الفني عموماً، وما قدمه من أجل فلسطين على وجه الخصوص. فكل كلمة صدق تقال اعترافاً بالحق الفلسطيني، وتنديداً بالجرائم الإسرائيلية والدعم الأمريكي لها، تمثل ما هو أبعد من موقف سياسي، وتمنحنا شيئاً من الأمل في إنسانية هذا العالم، وأن هناك من لم تتبلد مشاعره بعد، ويستطيع أن يشعر بهول ما يراه من جرائم إبادة علنية ترتكب على مرأى ومسمع من العالم كله، خصوصاً عندما تصدر هذه الكلمة من قلب الولايات المتحدة الأمريكية، الداعم الأكبر للكيان الصهيوني، وعندما يعلنها صاحبها بشجاعة وهو يعلم أنه سيتعرض لبعض الخسائر لا محالة، صحيح أنه يحيا في بلاد الحرية ولن يطاله أذى يهدد الحياة، لكنه سيكون تحت سطوة المال والسياسة والضغط الصهيوني بشكل أو بآخر.
وعندما تصدر هذه الكلمة عن فنان، فهي لا تكون تعبيراً عن موقف فردي وحسب، بل تكون تعبيراً عن أصوات كثيرة تمتلك الوعي والحس الإنساني العادل. وكذلك تكون هذه الكلمة محركاً لمشاعر من لا يمتك الوعي، أو من تغيب عنه الحقيقة، وتوقظ ضمير من يغمض عينيه عنها وتضعه في مواجهة مع نفسه. وكل كلمة تتبعها آلاف الكلمات، وكل صوت يضم آلاف الأصوات إليه، بالطبع لا تملك الكلمات والأصوات القدرة على وقف آلة القتل وتحرير الأرض، لكنها تمتلك القدرة على أن تظل شاهدة على الجريمة الكبرى ومأساة العصر، منددة بها، ترفع علم الأرض المسروقة في وجه السارق، وترسم وجوه الضحايا لتطارد القاتل.
الراب وفن الاحتجاج
ولد ماكليمور عام 1983، واسمه الأصلي بنجامين هاموند هاغرتي، بدأ مشواره الغنائي منذ عام 2000، واختص بفن الراب الذي له جمهوره الواسع حول العالم بلا شك، وإن ارتبط هذا الفن في بداياته بأحياء محددة وثقافات محلية معينة، ثم أصبح واحداً من أكثر أشكال التعبير الموسيقي انتشاراً وتأثيراً في العالم، ربما بدرجة أكبر في الفئات العمرية الصغيرة من المراهقين والشباب. كما استطاع فن الراب أن يعبر الحدود وأن ينتقل إلى ثقافات ولغات أخرى، بكل ما يشتمل عليه هذا الفن من غناء ومظهر وشخصية وأسلوب الأداء وحركة الجسد، وكل ما يميز مغني الراب.
لا يعتمد فن الراب على قوة الصوت وجمال الغناء والموسيقى، بقدر ما يعتمد على الفكرة وتحويل الكلام العادي إلى مادة فنية، تحمل المشاعر والمواقف والأسئلة، وكذلك التمرد والثورة والاحتجاج، هو فن يثبت وجوده بعيداً عن الفنون المعتادة، كما شق طريقه بعيداً أيضاً عن القنوات الرسمية والمسارات التقليدية. وفي زمن التواصل لم يعد هناك أي عائق أمام هذا الفن ولم يعد انتشاره صعباً، وصار مسموعاً من الملايين في العالم بأكمله، خصوصاً مع تفاعل أغنيات الراب مع العديد من المواضيع، كالمشكلات المجتمعية وقضايا السياسة والحروب، والفقر والهجرة والتمييز والهوية، وكذلك بعض المواضيع الشخصية كالنجاح والطموح والتغلب على الصعاب، والنهوض من جديد بعد السقوط والفشل، فهو فن ينفتح على الحياة بأكملها ويستطيع مخاطبة شرائح واسعة من الجمهور، ربما لا تجد ما تبحث عنه وتحتاج إليه في فنون أخرى، ولفن الراب جمالياته التي يتذوقها محبوه وسامعوه بلا شك.
يعد ماكليمور من أهم نجوم الراب في العالم، حيث حقق حتى الآن خلال مسيرته الفنية نجاحات مميزة، وتصدرت أغانيه وألبوماته قائمة بيلبورد أكثر من مرة، كما حصل على جائزة غرامي عام 2014، وتمكن من إدخال أغانيه إلى فضاء البوب أيضاً، ومخاطبة جماهير أخرى خارج دائرة الراب، حيث يستطيع أن يمزج الراب ببعض الخطوط الميلودية، وألوان الغناء الأخرى كصوت الكورال والأداء الجماعي، وألوان الغناء الكنسي أحياناً، وبعض العناصر الموسيقية المستمدة من البوب والروك والأغاني الاستعراضية، ويميل أحياناً إلى تحويل بعض مقاطع أغانيه إلى ما يشبه الأناشيد الجماعية الضخمة، حيث الإيقاع المنتظم والأداء الحماسي واللازمة السهلة حفظاً وأداءً، التي يستطيع أن يرددها الجمهور. ومما يلفت النظر في أداء ماكليمور حضوره على المسرح وقدرته على قيادة الجماهير الكبيرة والتأثير فيها، وكذلك تمكنه من الإلقاء، عندما يقرأ بياناً أو يتحدث إلى الجمهور قبل الغناء. فهو يجيد الإلقاء المسرحي وتدفق الصوت والتحكم في درجاته، فيعرف متى يرفع الصوت ويخفضه، ومتى يسرع ويبطئ ويتوقف، وكيف يصنع الذروات العاتية ويثير حماسة الجمهور بشكل كبير، كما لو أنه يقود مظاهرة ويدير هتافاتها الجماعية، كما لا تخفى قدرته على الكتابة والتعبير في فن يعتمد على الكلمات أكثر ما يعتمد على الموسيقى، ويلاحظ وضوح نطقه وسلامة مخارج الحروف لديه، بشكل أكبر مما هو معهود لدى فناني الراب عموماً.
غزة وأثر المأساة
منذ عام 2023 ومع بداية حرب الإبادة في قطاع غزة، شارك ماكليمور في الكثير من المظاهرات والاحتجاجات والتوقيعات والمناشدات، التي طالبت بوقف تلك الإبادة، كما ألقى العديد من البيانات والكلمات المطولة، وندد بوضوح بكل ما تقوم به إسرائيل من مذابح ومجازر رهيبة، وكل ما ترتكبه من جرائم مروعة في حق الشعب الفلسطيني والإنسانية بأسرها. وفي عام 2024 أطلق النسخة الأولى من أغنية «قاعة هند»، كصرخة احتجاج عالية تصدح بالحق لتسمع في العالم كله، وتبرع بعائد الأغنية لمنظمة الأونروا. تم منع ماكليمور حينذاك من المشاركة في بعض الحفلات والمهرجانات الموسيقية، في لاس فيغاس وأماكن أخرى، لكن ذلك لم يكن سبباً للتراجع عن موقفه الأخلاقي المعلن، فأصدر النسخة الثانية من أغنية «قاعة هند»، التي لم تكن مجرد إعادة صياغة للعمل، وإنما كانت بناءً جديداً حول الفكرة ذاتها، أكثر اتساعاً وشمولاً وتنوعاً، وتبرع بعائداتها أيضاً لمنظمة الأونروا.
ألّف ماكليمور أغنية «قاعة هند» بنسختيها، من وحي القضية الفلسطينية ومأساة غزة على وجه الخصوص، وما تعرضت له من حرب إبادة مروعة، تعد من أبشع حروب الإبادة في تاريخ البشرية. لم يستطع هذا الفنان أن يتجاوز اسم الطفلة الشهيدة الفلسطينية هند رجب، التي أصابت الشعور الإنساني بهزة عنيفة وألم لا ينسى، وواجهت ضمير العالم بصوتها المذبوح. وليست هند سوى طفلة شهيدة من بين آلاف الأطفال من شهداء فلسطين، وفي ذكر اسمها تخليد لجميع الشهداء من أطفال فلسطين الذين وقعوا ضحايا لإجرام الكيان الصهيوني. أما القاعة فهي قاعة هاميلتون في جامعة كولومبيا الأمريكية، التي قام المحتجون المناصرون للقضية الفلسطينية والعدالة الإنسانية، بتغيير اسمها إلى قاعة هند.
صدرت النسخة الأولى من الأغنية في النصف الأول من عام 2024، وكانت أغنية قصيرة نسبياً تستغرق أقل من ثلاث دقائق، وتتحدث عن الاحتجاجات من أجل فلسطين، والاعتصامات الطلابية في الجامعات الأمريكية. ثم يطرح الأسئلة حول هؤلاء المتظاهرين وما يمثلونه من تهديد للمؤسسات، هل تخشاهم الدولة أم تخشى ما يتظاهرون من أجله؟ يستحضر ماكليمور تاريخ فن الراب الاحتجاجي وتقاليده في مواجهة السلطة، ويذكر أحد نجومه السابقين وجملة من أغانيه تتضمن كلمات احتجاج قوية، في ما يعد سباباً للشرطة. بعد ذلك يتوسع ماكليمور في تناول القضية الفلسطينية وحالها في خضم كل ما يحيط بها من قضايا السياسة والمصالح العالمية، وحجب المعلومات وصور الحقيقة في زمن التواصل، نستمع إلى كلمة «نكبة» في الأغنية، عندما يقول ماكليمور إن النكبة لم تنته، كما يتحدث عن تدمير إسرائيل لكل مسجد في غزة، وكل مقر للدراسة والتعليم، ويتكرر ذكر فلسطين الحرة في الأغنية بطبيعة الحال. من ناحية الموسيقى دمج ماكليمور خطاً ميلودياً بالتتابع مع إيقاع الراب، ما منح العمل بعداً فنياً أكثر اتساعاً، وأكثر جذباً للجمهور من خارج دائرة هواة فن الراب، والأجمل أنه استمد هذا الخط الميلودي من لحن عربي، هو «أنا لحبيبي» الذي غنته السيدة فيروز من ألحان الأخوين رحباني.
بعد مرور ستة أشهر تقريباً على صدور النسخة الأولى من أغنية «قاعة هند»، أصدر ماكليمور النسخة الثانية التي كانت أكثر نضجاً واكتمالاً، وكانت طويلة هذه المرة تستغرق أكثر من خمس دقائق. تعاون ماكليمور مع بعض نجوم الراب من أصول فلسطينية، كما استعان بكورال من الأطفال الفلسطينيين، وكورال كنسي أيضاً. وأضاف المقاطع الكاملة باللغة العربية في أغنيته لا مجرد كلمات مفردة، فاللازمة الأساسية في الأغنية تتكرر بالمعنى ذاته باللغتين الإنكليزية والعربية. ويتردد الهتاف «من النهر إلى البحر.. ستصبح فلسطين حرة»، تتنوع مقاطع الأغنية بين ذكر مأساة غزة وحرب الإبادة، وتاريخ الجرائم والمذابح الصهيونية، حيث يذكر «نكبة، صبرا، شاتيلا، رفح»، ومهاجمة السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية التي تساند الكيان الصهيوني. كما يتنوع الأداء بين أسلوب الراب التقليدي وما يقترب من الأسلوب الغنائي العادي، ما جعل الأغنية أكثر وصولاً إلى الأذواق المختلفة، ناهيك من ملامستها للشعور الإنساني العام. يعود اللحن العربي المستمد من أغنية السيدة فيروز، ونستمع إلى الغناء العربي بصوت الأطفال الذي يقول: «في حياتنا منكون حرين.. يلمع النور ومنكون حرين.. في حياتنا منكون حرين.. لو دفنونا منرجع مزهرين»، كما نستمع إلى صوت العود في مصاحبة رائعة للغناء في القسم الأخير من الأغنية. ونتوقف حقيقة أمام بعض المعاني والتعبيرات الرائعة في هذه الأغنية، كقوله، إنه يرى الله في عيون اللاجئين، وحديثه عن العودة الحتمية إلى فلسطين مهما طال الأمد، وعن المفتاح الذي يحمله كل لاجئ فلسطيني، مفتاح ملكية البيت والأرض والوطن.
كاتبة مصرية