لا يمكن النظر إلى الخطر الذي يمثله الحوثيون في اليمن باعتباره مجرد امتداد للحرب الأهلية اليمنية أو أحد مظاهر التنافس الإقليمي بين إيران ودول الخليج. فالمسألة تتجاوز ذلك إلى أزمة مركبة تمس مستقبل الدولة اليمنية ووحدتها الإقليمية، وتهدد أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتضع المصالح الاستراتيجية لمصر والسعودية أمام تحديات لا يمكن احتواؤها بالاستجابات العسكرية المؤقتة أو بسياسات إدارة الأزمات. نحن أمام حالة تتداخل فيها أزمة الدولة الوطنية مع توظيف الانقسامات الداخلية لخدمة مشاريع إقليمية، ويتحول فيها الموقع الجغرافي لليمن من عنصر يمكن أن يدعم الاستقرار العربي إلى مصدر متجدد للاضطراب في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الحوثيين لم يعودوا مجرد طرف مسلح ينازع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا على السلطة، بل أصبحوا قوة قادرة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي، بما في ذلك أمن الملاحة والتجارة الدولية. وقد حذر المبعوث الأممي إلى اليمن، في أكتوبر 2026، من عودة البلاد إلى حرب واسعة النطاق، بعدما اتسعت المواجهات على جبهات متعددة، بالتزامن مع تصاعد القتال على الساحل الغربي ومحيط باب المندب. ويعني ذلك أن اليمن يواجه خطر تجدد الحرب الشاملة، في وقت لا تزال فيه مؤسسات الدولة منقسمة، والأوضاع الإنسانية شديدة الهشاشة.
يكمن جوهر الخطر الحوثي في أن الحركة لا تكتفي بالمطالبة بحصة في السلطة أو بالسعي إلى تسوية سياسية تضمن مشاركة أنصارها في مؤسسات الدولة، وإنما تفرض واقعا سياسيا وعسكريا يقوم على احتفاظها بقوة مسلحة مستقلة عن مؤسسات الدولة، واحتكارها القرار في المناطق الخاضعة لسيطرتها، واستخدام أدوات الحكم والأمن والتعبئة الأيديولوجية لتكريس سلطتها.
وتتعارض هذه الممارسة مع الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة الوطنية الحديثة: وحدة المؤسسات، واحتكار الدولة لاستخدام القوة، والمساواة بين المواطنين، وخضوع السلطة للمساءلة السياسية والقانونية. فحين يمتلك فاعل مسلح القدرة على اتخاذ قرارات الحرب والسلم، وتحديد علاقات البلاد الخارجية، وتوجيه مواردها العسكرية لخدمة حساباته الخاصة، تصبح السيادة الوطنية مجزأة، ويتحول المواطنون إلى رهائن لموازين القوى بين الجماعات المسلحة.
ولا ينبغي، في المقابل، اختزال الأزمة اليمنية في سلوك الحوثيين وحده، أو تجاهل مسؤولية بقية القوى السياسية والعسكرية عن الانقسامات التي أضعفت الدولة. فقد أسهمت سنوات الصراع، وتنافس القوى المحلية، وتباين أولويات الأطراف الإقليمية، في تقويض المؤسسات الوطنية وإطالة أمد الحرب. غير أن الاعتراف بتعدد أسباب الأزمة لا يلغي ضرورة مواجهة واقع استمرار سلطة مسلحة خارج إطار الدولة، ولا يجعل بناء مؤسسات وطنية موحدة ممكنا من دون معالجة هذه المعضلة.
إن وحدة اليمن لا تعني فرض صيغة مركزية جامدة للحكم أو تجاهل التنوع الاجتماعي والمناطقي، بل تقتضي التوصل إلى عقد سياسي يضمن المشاركة العادلة، ويعالج المظالم التاريخية، ويمنح السلطات المحلية صلاحيات حقيقية، مع الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها. ولا يمكن تحقيق ذلك إذا ظل السلاح وسيلة لفرض الإرادة السياسية، أو إذا جرى التعامل مع سيطرة الجماعات المسلحة باعتبارها أساسا دائما لتوزيع السلطة.
يتضاعف الخطر عندما يرتبط الفاعل المسلح المحلي بمشروع إقليمي يتجاوز حدود الدولة التي يعمل داخلها. فقد وفرت العلاقة بين الحوثيين وإيران للحركة موارد وخبرات وقدرات عسكرية عززت قدرتها على الصمود والتأثير، بينما منحت طهران وسيلة إضافية للضغط في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين. ومع ذلك، فإن فهم هذه العلاقة يقتضي عدم تصوير الحوثيين باعتبارهم مجرد أداة بلا مصالح محلية؛ فللحركة جذورها وحساباتها اليمنية الخاصة، لكن ارتباطها بإيران يوسع نطاق تأثيرها ويزيد مخاطر استخدام الأراضي والقدرات اليمنية في صراعات أوسع.
وتتمثل المشكلة الاستراتيجية في أن اليمن يصبح، في هذه الحالة، جزءا من شبكة إقليمية لإدارة الصراع، بدلا من أن يكون دولة تسعى إلى استعادة مؤسساتها وتحديد مصالحها الوطنية بصورة مستقلة. وعندما تتصاعد المواجهة بين إيران وخصومها، يصبح من الممكن نقل آثارها إلى الأراضي اليمنية وإلى المجال البحري المحيط بها، بما يضع السكان اليمنيين والمصالح الاقتصادية لدول المنطقة أمام تكاليف لا يقررون وحدهم تحملها.
ومن هنا، فإن مواجهة النفوذ الإيراني عبر الحوثيين لا ينبغي أن تعني الدخول في حرب مفتوحة مع إيران، أو التعامل مع المجتمع اليمني بوصفه خصما، بل العمل على إنهاء الظروف التي تسمح لأي قوة إقليمية بتوظيف الانقسامات اليمنية لتوسيع نفوذها. ويتطلب ذلك وقف تدفق السلاح والتكنولوجيا العسكرية التي تغذي التصعيد، وتفعيل أدوات الرقابة والعقوبات المشروعة، بالتوازي مع فتح مسار تفاوضي يتيح للحوثيين الاندماج في تسوية وطنية تنهي استقلال قرارهم العسكري عن الدولة.
يمثل التهديد الذي يطاول البحر الأحمر الوجه الأكثر مباشرة وخطورة لهذه الأزمة بالنسبة إلى مصر والسعودية. فمضيق باب المندب ليس مجرد ممر بحري يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، بل هو المدخل الجنوبي لمنظومة استراتيجية تتصل بقناة السويس والتجارة بين آسيا وأوروبا، فضلا عن أهميته في نقل الطاقة والسلع وسلاسل الإمداد العالمية.
إن امتلاك الحوثيين قدرات صاروخية وطائرات مسيرة، وقدرتهم على تهديد السفن التجارية أو تعطيل الملاحة، يمنحهم نفوذا يتجاوز وزنهم الاقتصادي والديمغرافي. والأخطر أن تحول المضيق إلى ورقة للمساومة السياسية والعسكرية يخلق سابقة تهدد حرية الملاحة الدولية، وتسمح بربط أمن الممرات البحرية بحسابات جماعات مسلحة أو بصراعات لا علاقة مباشرة لها بحقوق الدول الساحلية.
وقد أدانت الأمم المتحدة في يوليو 2026 تجدد الهجمات الحوثية على السفن التجارية، محذرة من تداعياتها الاقتصادية والإنسانية والبيئية، وداعية إلى استعادة حقوق الملاحة وحرياتها في باب المندب والمناطق المحيطة به. كما أكد مجلس الأمن، في سبتمبر، ضرورة حماية السفن التجارية وأطقمها والالتزام بالقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وتتجاوز التداعيات المباشرة ارتفاع تكاليف التأمين والشحن أو اضطرار السفن إلى تغيير مساراتها. فاستمرار التهديدات يضعف الثقة في استقرار التجارة عبر قناة السويس، ويزيد الضغوط على الاقتصاد المصري، ويؤثر في المصالح السعودية المرتبطة بأمن البحر الأحمر ومشروعات التنمية والتجارة والنقل. كما يفتح المجال أمام عسكرة متزايدة للممر البحري، بحيث تتنافس القوى الإقليمية والدولية على فرض ترتيبات أمنية منفردة، بدلا من بناء منظومة تعاون تحترم سيادة الدول الساحلية وحرية الملاحة.
ولا ينبغي أن يؤدي ذلك إلى مساواة حماية الملاحة بإخضاع البحر الأحمر لنفوذ قوة واحدة، أيا كانت. فالأمن البحري مسؤولية مشتركة، ولا يجوز أن يتحول إلى مبرر لفرض ترتيبات أحادية أو توسيع الوجود العسكري الخارجي بصورة تهمش الدول العربية المطلة عليه. وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل التنافس على النفوذ عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، إذ إن ترك الفراغ الأمني من دون معالجة عربية منسقة يتيح لقوى إقليمية ودولية توسيع أدوارها على حساب المصالح المصرية والسعودية والعربية.
أمام مصر والسعودية مسؤولية خاصة، لا لأنهما قادرتان منفردتان على حل الأزمة اليمنية، بل لأن أمنهما القومي يرتبط مباشرة باستقرار اليمن وسلامة الملاحة في البحر الأحمر. ويتعين أن تنطلق سياستهما من الربط بين المسارين اليمني والبحري، بدلا من التعامل مع كل منهما باعتباره ملفا منفصلا.
الأمن المستدام لا يتحقق بتشكيل أحلاف متنافسة بقدر ما يتحقق بإنشاء قواعد مشتركة تمنع تحول الأزمات المحلية إلى تهديدات إقليمية ودولية
أولا، ينبغي دعم تسوية سياسية يمنية شاملة تحت رعاية الأمم المتحدة، تضمن مشاركة مختلف القوى والمكونات، وتحافظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها، وتؤسس لدمج التشكيلات المسلحة في مؤسسات وطنية مهنية. ولا يمكن أن تكون التسوية مستدامة إذا اكتفت بتجميد خطوط السيطرة الحالية أو منحت الجماعات المسلحة شرعية دائمة مستمدة من تفوقها العسكري.
ثانيا، يتعين بناء تنسيق مصري سعودي منتظم في مجالات مراقبة الملاحة، وتبادل المعلومات، وحماية الموانئ والبنية التحتية الحيوية، وتعزيز قدرات الدول المطلة على البحر الأحمر. ويمكن توسيع هذا التنسيق ليشمل الدول الساحلية الأخرى، ضمن آلية إقليمية تضع قواعد واضحة للتعاون البحري والاستجابة للأزمات، مع احترام القانون الدولي وعدم تحويل أمن الممرات إلى مبرر للصراع بين الدول.
ثالثا، ينبغي الجمع بين الضغط السياسي والدبلوماسي على الحوثيين وبين توفير حوافز واضحة للانخراط في التسوية. فالمواجهة العسكرية قد تكون لها وظائف دفاعية محددة، لكنها لا تستطيع بمفردها بناء دولة يمنية موحدة أو إنهاء جذور الصراع. كما أن ترك الهجمات البحرية من دون ردع فعّال يشجع على استمرار استخدام الملاحة أداة للضغط. والمطلوب هو ردع منضبط ومشروع، مقرون بمسار سياسي قابل للحياة.
رابعا، ينبغي أن تكون مصر والسعودية جزءا من جهد أوسع لإطلاق ترتيبات للأمن الجماعي في الشرق الأوسط والبحر الأحمر، تقوم على احترام السيادة، ورفض استخدام القوة لفرض الإرادة السياسية، وضمان حرية الملاحة، وتسوية النزاعات بالتفاوض. فالأمن المستدام لا يتحقق بتشكيل أحلاف متنافسة بقدر ما يتحقق بإنشاء قواعد مشتركة تمنع تحول الأزمات المحلية إلى تهديدات إقليمية ودولية.
إن الخطر الحوثي لا ينفصل عن أزمة الدولة اليمنية، كما أن تهديد البحر الأحمر ليس مجرد مشكلة ملاحية يمكن احتواؤها بإجراءات أمنية مؤقتة. فالمسألتان تعكسان خللا أعمق في النظام الإقليمي، يسمح للجماعات المسلحة بتجاوز مؤسسات الدول، وللتنافس بين القوى الإقليمية بأن ينتقل إلى الممرات البحرية الحيوية.
ومن ثم، فإن استعادة الدولة اليمنية لوحدتها وسيادتها، وتأمين باب المندب والبحر الأحمر، ينبغي أن يكونا هدفين متكاملين في السياسة المصرية والسعودية. ويتطلب تحقيقهما الجمع بين الدبلوماسية والردع المشروع، ودعم المؤسسات اليمنية، واحتواء التدخلات الخارجية، وإقامة ترتيبات أمن جماعي إقليمية لا تستبعد أي دولة معنية من الحوار، ولا تمنح أي طرف حق التحكم المنفرد في أمن الآخرين.
إن اليمن المستقر ليس مصلحة يمنية فحسب، والبحر الأحمر الآمن ليس مصلحة مصرية أو سعودية وحدهما. كلاهما ركيزة للأمن العربي وللاقتصاد الإقليمي والدولي. أما استمرار تفكك الدولة اليمنية وتحول باب المندب إلى ورقة في صراعات القوى، فسوف يبقي المنطقة معرضة لدورات متجددة من الحرب، ويجعل كلفة غياب الأمن الجماعي أكبر من قدرة أي دولة على تحملها منفردة.
٭ كاتب مصري