الجزائر ـ “القدس العربي “:
امتدت حالة التذمر من الإقصاءات التي طالت المترشحين للانتخابات البرلمانية إلى أحزاب الموالاة في الجزائر، حيث عبر كل من فاتح بوطبيق رئيس جبهة المستقبل وعبد القادر بن قرينة رئيس حركة البناء الوطني عن قلقهما من التوسع في تطبيق المادة 200.
وتأتي هذه المواقف في سياق جدل واسع يرافق قرارات رفض مئات الملفات للمترشحين من قبل السلطة المستقلة للانتخابات، الأمر الذي وضع الأحزاب أمام ضغط كبير لإعادة ترتيب قوائمها وتعويض المترشحين المعنيين بالاستخلاف، في ظل آجال قانونية محددة ومسار طعون قضائية لا يزال جاريا.
وبعد أن اقتصر الاحتجاج في الأسابيع الأخيرة على أحزاب المعارضة، قال فاتح بوطبيق وهو من أبرز سياسيي الموالاة، إن تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات، رغم عدم وجود خلاف حولها من حيث المبدأ، يثير إشكالات تتعلق بآليات التنفيذ، مشددا على ضرورة تمكين كل مترشح من معرفة أسباب الإقصاء بشكل واضح ومفصل.
وأوضح بوطبيق في تصريح نقله موقع “سبق برس” الجزائري، أن غياب الشفافية في تبرير قرارات الرفض قد يخلق حالة من الارتياب وعدم الرضا والإحباط داخل الحياة السياسية، خاصة لدى الأحزاب عند إعدادها لقوائم المترشحين.
وأضاف أن التشكيلات السياسية حريصة على “أخلقة الحياة العامة” وضمان “شرعية برلمانية غير منقوصة”، مؤكدا دعمهم لبرلمان يضم جيلا جديدا من المنتخبين القادرين على خدمة المصلحة الوطنية.
وتساءل في السياق ذاته عن مصير المترشحين الشباب، لا سيما حاملي الشهادات الجامعية الذين يتم إسقاط ملفاتهم، معتبرا أن ذلك قد يؤثر على مستقبلهم المهني والسياسي في بدايات مسارهم.
وأشار بوطبيق إلى أن التطبيق الحالي للمادة 200 توسع بشكل كبير، ما يستدعي، حسبه، ضبطها بمعايير أوضح، مؤكدا على ضرورة بناء نظام انتخابي شفاف، قادر على تشجيع المشاركة السياسية وتعزيز الثقة في العملية الانتخابية.
وتتقاطع هذه المواقف مع ما عبّر عنه عبد القادر بن قرينة، رئيس حركة البناء الوطني، الذي تناول الموضوع في سياق أوسع مرتبط بسير التحضير للاستحقاق الانتخابي.
وفي تدوينة له، تحدث بن قرينة عن طبيعة الإقصاءات التي مست عددا من المترشحين، معتبرا أن ردود فعلهم اتسمت بالصبر واحترام قرارات المؤسسات، حيث قال: “أحببت، في هذا السياق، أن أثمن عاليًا ذلك الطراز الرفيع من الصبر وكظم الغيظ على مرارة تلك الأوصاف التي طالت إخواننا وأخواتنا ممن تم التحفظ عليهم، وكيف سلّموا في كثير من الأحيان بقرارات السلطة، مثل تسليمهم بأحكام المحاكم الإدارية”.
كما أضاف: “ورغم صبركم العالي، إلا أن قلوبنا لتتألم لألمكم أكثر مما تتوقعون، نتيجة الأوصاف التي تضمنتها قرارات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، والتي طالت إخوة وأخوات لا نعرف عنهم إلا الخير، لا سيما وأنهم قد أودعوا ملفات عامرة بالسير الذاتية الحسنة، الخالية من أي متابعات قضائية تمس نزاهتهم”.
ويُفهم من هذا الطرح أن الإشكال لا يرتبط فقط بالقرار النهائي بالرفض، بل أيضا بطبيعة التوصيفات والمعايير المعتمدة في تبرير تلك القرارات، وهو ما يدفع حسب فاعلين سياسيين إلى مزيد من التوضيح والتدقيق في آليات التطبيق، بما يسمح بفهم أسباب الإقصاء بشكل أوضح، خاصة في الحالات التي لا تتعلق بأحكام قضائية نهائية.
رد سلطة الانتخابات
بالمقابل، كان رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات كريم خلفان قد قدم توضيحات بخصوص أسباب رفض عدد من ملفات الترشح، مؤكدا أن المادة 200 ليست وحدها المرجع المعتمد في دراسة الملفات، بل تندرج ضمن منظومة قانونية وإجرائية أوسع.
وأوضح أن عملية دراسة الترشح تشمل التحقق من جملة من الشروط الأساسية، من بينها السن القانونية، والجنسية الجزائرية، والوضعية تجاه الخدمة الوطنية، إلى جانب الوضعية الجبائية، وسجل السوابق العدلية، إضافة إلى شروط التمثيل داخل القوائم الانتخابية.
كما أشار إلى أن عددا معتبرا من حالات الرفض يعود إلى عدم استكمال استمارات التوقيعات القانونية المطلوبة، أو عدم مطابقة البيانات المقدمة، أو وجود تكرار في التوقيع لفائدة أكثر من مترشح، وهو ما يؤدي إلى إلغاء التوقيعات المعنية.
وفي ما يتعلق بالمادة 200، أوضح أن تطبيقها يتم في إطار تداخل بين المعطيات الإدارية ونتائج التحقيقات التي تقوم بها مؤسسات الدولة المختصة، ما يجعل قرارات القبول أو الرفض ناتجة عن مسار مركب وليس عن سبب واحد معزول.
وجاء تدخل خلفان على أمواج الإذاعة الجزائرية بعد عاصفة احتجاج من قبل أحزاب المعارضة التي عبرت عن استياء كبير من إقصاء مرشحيها.
وبحسب الأرقام الأولية التي أعلنتها السلطة الوطنية للانتخابات، فقد بلغ عدد المترشحين المقبولين 6994 مترشحا، وهو ما يمثل 70 بالمائة من إجمالي المترشحين الذين أودعوا ملفاتهم. في المقابل، بلغ عدد المترشحين المرفوضين 3174 مترشحا، أي ما يعادل 30 بالمائة من مجموع الملفات المدروسة.
ودفع ذلك حزب العمال مثلا إلى دعوة الرئيس عبد المجيد تبون إلى تجميد العمل بالمادة 200، معتبرا أن نطاق تطبيقها توسع بصورة كبيرة وأدى إلى إقصاء مترشحين لم تصدر بحقهم أحكام قضائية نهائية.
كما عبرت جبهة القوى الاشتراكية عن رفضها لما وصفته بالإقصاء التعسفي الذي طال عددا من مترشحيها داخل الوطن وخارجه، مطالبة بمراجعة قرارات الرفض وتمكين المعنيين من حقوقهم السياسية كاملة.
وفي الوقت نفسه، كانت حركة مجتمع السلم وحزب جيل جديد من بين التشكيلات التي أعربت عن قلقها من توسع حالات الرفض، معتبرة أن ذلك يفرض نقاشا أوسع حول كيفية تطبيق النصوص القانونية المنظمة للترشح.
وتنص المادة 200 من قانون الانتخابات التي تسببت في أغلب قرارات الإقصاء، على ألا يكون المترشح “معروفا لدى العامة بصلته مع أوساط المال والأعمال المشبوهة وتأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين وحسن سير العملية الانتخابية”. وأضيف لمبررات إسقاط الترشح مادة أخرى تتعلق بأخلقة الحياة السياسية اعتبر منتقدوها أنها فضفاضة في صياغتها.