في مضيق هرمز.. الساعة تدق أمام ترامب الذي لن يستطيع إجبار إيران على إعادة فتحه


لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي أتلانتك” مقالا للزميل في معهد بروكينغز، توماس رايت، تناول فيه مشكلة مضيق هرمز وأثرها على الطاقة العالمية.

وقال رايت إن دونالد ترامب تحدث في حزيران/يونيو عن فتح المضيق، مؤكدا أن القوة العسكرية لا تنجح في تحقيق ذلك. وأكد الكاتب أن عقارب الساعة تدق، مشيرا إلى تصريحات ترامب في إيفيان الفرنسية، حيث شارك في قمة الدول السبع الكبار، قائلا إن موافقته على اتفاقية لوقف الأعمال العدائية مع إيران جاءت بعد إدراكه أن استمرار القصف لن يعيد فتح مضيق هرمز، وأن استمرار الحرب سيجبر السفن التجارية على الابتعاد، بينما تتضاءل إمدادات النفط الطارئة. وحذر قائلا: “ستنفد احتياطياتنا في غضون أربعة أسابيع تقريبا”، مستحضرا صورا لنقص حاد، وفوضى عارمة، وارتفاعا جنونيا في الأسعار، وانهيار الأسواق على غرار ما حدث عام 1929. وقال: “الرئيس الوحيد الذي لم أرغب أن أكون مثله هو الراحل العظيم هربرت هوفر”، الذي بدأت في عهده أزمة الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي.

ولو مضينا قدما حتى الأسابيع الأخيرة من تموز/يوليو، فقد قصفت الولايات المتحدة إيران لما يقرب من أسبوعين، مستهدفة مواقع المراقبة الساحلية ومستودعات الأسلحة، بالإضافة إلى الجسور والأنفاق وخطوط السكك الحديدية والمطارات والبنية التحتية الكهربائية. وردت إيران بصواريخ وطائرات مسيرة استهدفت قواعد أمريكية في البحرين والعراق والأردن والكويت وقطر، بالإضافة إلى ضربات على منشآت نفطية ومحطة تحلية مياه، وهجمات متكررة على سفن تجارية في المضيق وحوله. كما تزعم إيران أنها ضربت بنية الحوسبة السحابية التابعة لشركة أمازون في البحرين، لكن لم يتم التحقق من ذلك بشكل مستقل. وقد استأنف ترامب الحرب رغم أنه سبق أن أوضح الأسباب التي تجعل من غير الممكن إجبار إيران على إعادة فتح المضيق بالقوة العسكرية، ويواجه ترامب معضلة لا يمكن حلها، بل أصبحت عصية على الحل. وفي هذه الأثناء، يراهن على استسلام طهران قبل أن تجبره الضغوط الاقتصادية على فعل الشيء نفسه. وأضاف رايت أنه لفهم الوضع الراهن، علينا النظر إلى الأسباب التي عجلت بانهيار وقف إطلاق النار.

فقد اعتقد كل طرف أنه انتصر في الحرب، وأن على الطرف الآخر أن يذعن لتفسيره لاتفاق المضيق. ونصت المادة الخامسة من مذكرة التفاهم المبدئية على أن إيران “ستبذل قصارى جهدها لتوفير المرور الآمن للسفن التجارية مجانا، لمدة 60 يوما فقط، من الخليج العربي إلى بحر عمان وبالعكس”.

وقد فهمت إدارة ترامب من ذلك أن إيران ملزمة بفتح المضيق دون رسوم مرور لمدة 60 يوما. لكن طهران اعتبرت ذلك إذنا لها بإدارة ومراقبة حركة الملاحة عبر الممر المائي. ونتيجة لذلك، سعت إيران إلى توجيه السفن عبر ممرات وافقت عليها، وهاجمت أو هددت السفن التي استخدمت طرقا أخرى.

وبذلك، ارتكبت طهران خطأ فادحا في التقدير. فلو التزمت الصمت، لكانت قد جنت ثمار التنازلات الاقتصادية لمدة 60 يوما، ثم فرضت الرسوم التي تريدها بشكل تدريجي. لكن ترامب شعر بأنه مضطر للرد، فانهار الاتفاق. ونقل الكاتب عن عاموس هوكشتاين، كبير مستشاري الطاقة والاستثمار في عهد الرئيس بايدن، أن إيران ظنت أنها تستطيع استفزاز الولايات المتحدة، لكنها رفعت درجة الحرارة بسرعة كبيرة، فغضبت أمريكا.

من الواضح أن ترامب يشعر بالإحباط، ومن المرجح تصعيد الموقف. فقد فكر في ضرب جبل الفأس، ويقال إنه يدرس عمليات برية محدودة، مثل الاستيلاء على جزيرة خرج، التي تعد مركزا لصادرات النفط الإيرانية.

وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الولايات المتحدة ترسل المزيد من القوات والكوادر الطبية والأسلحة إلى الشرق الأوسط لمنح ترامب خيارات عسكرية إضافية. إلا أن هذه الخيارات استبعدت خلال الحرب باعتبارها غير قابلة للتطبيق أو متهورة، ولم تتحسن جدواها مع مرور الوقت.

إذا استمر ترامب في الضربات المحدودة، فسيواجه نفس المشاكل التي أشار إليها في فرنسا الشهر الماضي. وكتب هوكشتاين على منصة إكس قائلا إن التصعيد الحالي في مضيق هرمز قد يكون أكثر خطورة اقتصاديا من سابقه، لأن روسيا والولايات المتحدة والصين لم تعد قادرة على دعم الأسواق العالمية كما كانت تفعل. فقد خفضت روسيا صادراتها من الديزل، وانخفضت احتياطيات النفط الخام والاحتياطيات الاستراتيجية الأمريكية إلى مستويات غير مسبوقة، كما أن الاستهلاك الصيني يتراجع.

ويرى هوكشتاين أن الملامح في الأسواق تشير بالفعل إلى خطر التضخم، مما يترك أمام ترامب فرصة ضئيلة للتوصل إلى اتفاق قبل حدوث اضطراب آخر يؤدي إلى صدمة حادة في أسعار الوقود والوضع المالي، ربما في منتصف أو أواخر أيلول/سبتمبر.

ويبدو أن إيران مصممة على إبقاء الصراع تحت السيطرة. فهي ترد على الولايات المتحدة، لكنها تجنبت الهجمات المباشرة التي من شأنها أن تدخل السعودية أو الإمارات أو إسرائيل في الحرب بشكل كامل، حتى مع ممارستها ضغوطا غير مباشرة، أبرزها حملة الحوثيين ضد الملاحة السعودية في البحر الأحمر. وذكرت وكالة أنباء “رويترز” أن إيران طلبت سابقا من الحوثيين الاستعداد لإغلاق ممر البحر الأحمر إذا ما ضربت الولايات المتحدة البنية التحتية للطاقة الإيرانية.

وفي غضون ذلك، يبدو أن ترامب يسعى جاهدا للحفاظ على دعم دول الخليج في حربه المستمرة. وقبل أسبوعين، خففت إدارته بشكل ملحوظ القيود المفروضة على تصدير رقائق أشباه الموصلات المتقدمة إلى الإمارات العربية المتحدة، وهو أمر لطالما رغبت فيه أبوظبي. ثم أعلن، يوم الأربعاء، عن موافقته على اتفاقية تخصيب اليورانيوم المدني مع السعودية.

وقد تفاوضت إدارة بايدن، التي عمل معها الكاتب، على اتفاقية مماثلة مع الرياض كجزء من اتفاقية أوسع لتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. وكانت تلك الاتفاقية، التي تعثرت بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، ستسمح للولايات المتحدة بتخصيب اليورانيوم داخل السعودية بدلا من منحها القدرة على تخصيبه بشكل مستقل. ولا تزال التفاصيل الفنية لاتفاقية ترامب غير معروفة.

ولكن، ما إن أعلن عن الاتفاق السعودي حتى انتقد مسؤولون وخبراء إسرائيليون سابقون الاتفاق، بحجة أنه سيؤجج انتشار الأسلحة النووية في المنطقة، وأنه لا يلزم السعودية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وفي صباح الخميس، نشر ترامب تغريدة قال فيها إن الاتفاق لن يعتمد دون التطبيع، وهو ما أثار استغرابا، نظرا لتوقيع الاتفاق في اليوم السابق. وبعد ساعات، قالت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن الاتفاق “سيلغى إذا لم تنضم السعودية إلى اتفاقيات أبراهام”، ما يعني على الأرجح أن الإدارة لن تقدمه إلى الكونغرس للمراجعة، كما ينص عليه القانون.

وتسعى واشنطن جاهدة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتقديم التزامات اقتصادية وتكنولوجية جديدة لدول الخليج، وحماية ممرين بحريين حيويين، وخوض حرب جوية مفتوحة، كل ذلك في ظل تناقص احتياطيات الطاقة ونفاد الصبر السياسي اللازمين لدعم هذه المشاريع.

ومن غير المرجح أن يجبر ترامب طهران على التخلي عن محاولتها السيطرة على مضيق هرمز، وربما توافق إيران على تعليق طموحاتها لمدة 60 يوما على أمل إحياء الاتفاق السابق. لكن إذا ظل الجانبان في حالة جمود، فسيتعين على ترامب أن يقرر ما إذا كان سيدفع الثمن الاقتصادي لاستمرار حرب منخفضة الوتيرة إلى أجل غير مسمى أو التصعيد، بكل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر، أو الانسحاب.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *