حين يتحول الرعب إلى انتصار للإرادة


في عالم السينما، غالباً ما تقترن «أفلام الكوارث» بالموسيقى الصاخبة، الخطب الرنانة، والبطولات الخارقة للطبيعة. لكن في عام 2022، قدم لنا المخرج الأمريكي رون هوارد فيلماً يكسر هذه القاعدة تماماً. فيلم ثلاث عشرة روحاً «Thirteen Lives» (إنتاج بريطاني – أمريكي مشترك).
يروي الفيلم القصة الحقيقية لعملية إنقاذ فريق كرة القدم التايلندي «الخنازير البرية» من كهف «تام لوانغ» في عام 2018. لم يكن فيلماً عن معجزة، بقدر ما كان فيلماً عن المخاطرة المحسوبة التي صنعت تلك المعجزة.
أول ما يلاحظه مشاهدو الفيلم هو برود الأعصاب. الفيلم يبدأ وينتهي بأساليب إجرائية. رون هوارد، الذي أبدع سابقاً في أفلام مبنية على قصص حقيقية مثل «أبوللو13»، أدرك أن قصة هذا الفيلم لا تحتاج إلى بهارات هوليوودية. فبدلاً من التركيز المفرط على بكاء العائلات، أو خلق صراعات مفتعلة بين الشخصيات، ركّز السيناريو الذي كتبه ويليام نيكلسون على كيفية إخراج 13 طفلاً من نفق مغمور بالمياه بطول عدة كيلومترات، من دون أن يصابوا بالذعر ويقتلوا أنفسهم والمنقذين؟ نهج مثل هذا جعل الفيلم يبدو أقرب إلى الوثائقي الدرامي. كيف.. قد يتساءل القارئ، جرى ذلك من دون لحظات توقف طويلة للتأمل العاطفي؛ هناك عدو هو الزمن، والمياه التي ترتفع برعب خانق. إيقاع سريع ومضغوط مثل هذا وضع المشاهد في الحالة الذهنية نفسها للمنقذين: لا وقت للمشاعر، هناك مشكلة يجب حلها الآن.


يمكن القول، إن واقعية هذا الفيلم مرعبة، مع أن المخرج لم يستخدم فيه الوحوش أو الأشباح لإخافة المشاهد، بل هناك استخدامات فيزيائية، على سبيل المثال لا الحصر؛ صخرة ضيقة، وتيار مائي قوي، ونفاد الأوكسجين.

منقذون خارقون

أبلغ عناصر الفيلم تتمثل بالغواصين البريطانيين الذين قادوا عملية الإنقاذ، وهما ريك ستانتون (قام بدوره فيجو مورتينسن) وجون فولانثن (قام بدوره كولين فاريل). ومثلما شاهدنا في أفلام هوليوود التقليدية، قد نتوقع هنا أبطالاً مفتولي العضلات، ذوي كاريزما طاغية. لكن هذا الفيلم قدم رجلين في منتصف العمر، أحدهما إطفائي متقاعد والآخر مستشار تكنولوجيا معلومات، يمارسان الغوص في الكهوف كهواية غريبة في عطلات نهاية الأسبوع.
قدم الفيلم شخصية ريك سانتون وهو عابس بشكل دائم. لأنه لا يريد أن يكون بطلاً، بل يكره وبشدة أن يرى عملية الإنقاذ تُدار بشكل خاطئ. بينما جون فولانثن بدا مثل أب قلق، ما أضاف حساً إنسانياً يبرر دافعه للمخاطرة بحياته من أجل أطفال لا يعرفهم. ربما نجح صُنّاع الفيلم في إقناع المشاهد بأن الاختلاف بين المظهر العادي جداً للمنقذين والمهمة الخارقة التي قاموا بها بأن البطولة ليست بالمظاهر الهوليوودية، بل تكمن في الكفاءة والخبرة التخصصية المتراكمة.
أداء الممثل جويل إدجيرتون في دور طبيب التخدير الأسترالي «هاري هاريس» كان محورياً هنا. فحينما طرح عليه زميلاه البريطانيان الأمر، تردد بقوة، لأنها مسألة أخلاقية بالدرجة الأولى؛ ماذا لو مات أحد هؤلاء الأطفال تحت تأثير حقن أجسامهم بمادة « الكيتامين». حقاً كانت مشاهد مرعبة، حقن الغواصين للأطفال وإلباسهم الأقنعة وتمريرهم تحت الماء، وان لم يفعلوا ذلك هل يتركونهم ليموتوا جوعاً أو غرقاً؟

 نجاح الفيلم

فعلاً كان للتصوير السينمائي دور خارق بنجاحه في نقل التجربة الحسية للمشاهد، إذ ربما يشعر بالاختناق وهو يتوغل مع الغواصين، أي أنه يعايش التجربة وليس شاهداً عليها، لأن الكاميرا تحشرنا داخل المياه العكرة مع الغواصين. هناك صدق فني كبير في التصوير، إذ اعتمد المخرج على الإضاءة الخافتة الصادرة من مصابيح الغواصين فقط، فباتت شاشة الفيلم مظلمة في أوقات كثيرة، هنا الكاميرا تحاكي شعور التيه المرعب داخل الكهف. ومثلما كان للتصوير دور البطولة في هذا الفيلم، كان للصوت شأن مشابه، عبر التقاط أصوات؛ أنفاس الغواصين، صوت ارتطام أسطوانات الأكسجين بالصخور، صوت فقاعات الهواء صوت جريان المياه العنيف. أصوات مدهشة صنعت سيمفونية من التوتر، وجعلت المشاهد يندمج مع الفيلم وهو يلهث بحثاً عن الهواء وهو جالس على مقعده أمام الشاشة.
لقد تجنب مخرج الفيلم فخ الدراما الزائدة عن اللزوم. لم نرَ مشاهد طويلة للأطفال وهم يبكون داخل الكهف. تم تصوير الأطفال في حالة من التأمل والهدوء (بفضل مدربهم الذي علمهم التأمل)، مما زاد من احترام المشاهد لصمودهم، بدلاً من مجرد الشفقة عليهم. وهناك عامل نجاح كبير في الفيلم، بوصفه إنتاجاً أمريكياً- بريطانياً تمثل في عدم تهميشه للجانب التايلندي. في غالبية الأفلام الغربية، يظهر السكان المحليون كأغلبية صامتة، ومن ثم يظهر الرجل الأبيض لينقذهم. على سبيل المثال، أظهر الفيلم شجاعة غواصي الوحدة البحرية التايلندية، وقد توفي غواص منهم. كما أظهر الفيلم حيزاً كبيراً لمهندس مياه تايلندي والمتطوعين، وهم يصعدون الجبل لتحويل مجرى المياه ومنع فيضان الكهف. هذه الممارسة التي ثابر فيها التايلنديون كان لها دور كبير في عملية الإنقاذ؛ إلى الدرجة التي نقول فيها إن جهودهم في الأعلى توازي نجاحات الغواصين في الأسفل.

إخراج مُتقن

كان هذا الفيلم أكبر تحدٍ للمخرج رون هوارد، وهو في الحقيقة تحدٍ تقني؛ غالبية أحداث الفيلم تجري تحت الماء، بوجوه مقنّعة. جرى ذلك باستخدام هوارد تقنيات تصوير مبتكرة ومجموعات ديكور ضخمة، لتجسيد تضاريس الكهف بدقة مذهلة. الممثلون أدوا مشاهد الغوص بمصداقية قلّ نظيرها. لم نرَ ممثلين بدلاء يقومون بالحركات الصعبة، بل رأينا الممثلين هم أنفسهم، وهم تحت وطأة معداتٍ ثقيلة ومساحة ضيقة. هو فيلم يحبس أنفاس مشاهديه، ليس عبر الانفجارات، بل عبر الصمت المطبق تحت الماء، وصوت صمام الأوكسجين الذي يمثل الفرق الرفيع بين الحياة والموت.

الخلاصة

هذا الفيلم يوصل إلى مشاهديه رسالة، بأن كل الناس عندما يضعون خلافاتهم جانباً ويركزون على هدف واحد مشترك: الحفاظ على الحياة. سيتحقق هذا الهدف فعلاً. كما أن الفيلم يذكرنا بأن النوايا الطيبة لا تكفي في مواجهة قوى الطبيعة الغاشمة؛ بل يجب أن تكون العناصر التالية حاضرة وبقوة؛ العلم، والتخطيط، والجرأة، والتكاتف البشري العابر للحدود واللغات.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *