في أعمال الفنان العراقي محمد علي… إيماءات تجريدية خالصة


أقام الفنان مومستا محمد علي معرضه التشكيلي والتجريدي الأخير في متحف مدينة السليمانية «ئه منه سوره كه» للمدة من السادس والعشرين من شهر يوليو/تموز الماضي إلى الثامن والعشرين منه.
ينضوي التجريد الفني لدى الفنان «مومستا «محمد علي، على أربعة أبعاد تتوزع على مدى اللوحات الكثيرة التي ضمها معرضه الأخير، ويتسم بها أسلوبه التجريدي، وأول هذه الأبعاد هو البنية الهندسية التي تؤطر معمارية التكوينات وتضفي انفعالاً منظماً، وتشتمل على عدد من اللوحات، إذ تقتسم الفراغ وتشكّل عمارته الفنية في أقواس قزحية ومنحنيات ومربعات مضيئة ومتوازيات شاخصة، أو كتل مقعرة معتمة وأروقة سائرة، يرافقها التشكيل العفوي والتدفق الحر للفرشاة أو الخطوط السريعة في ما تختفي التكوينات المؤطرة بالهياكل الهندسية وتخلو من الخطوط لتبدو مثل تشكيلات هلامية، هائجة بالألوان ومترشحة من عمق وسطح عدد من اللوحات في البعد الثاني.
وإذا كان المنظور الهندسي الأول، يتشكل عبر لونية زاهية، تضفي مباهج الأصفر المذهب والأحمر المائل إلى الوردي، مباهج مؤطرة في هندسة الشكل فإن المنظور الهلامي «البعد الثاني»، بدا الأكثر رمادية وعتمة، رغم انفلاته من قوالب البناء وتدفقه في أنحاء اللوحة.


وتأتي البنية التنقيطية» البعد الثالث» في عدد آخر من اللوحات لتتميز عن البنيتين الهندسية والهلامية، وتشكل أحد الأبعاد الفنية للتجريد الفني لدى الفنان محمد علي، فلوحة التنقيط تخفي أثراً حسياً يكاد يضرم تدرجاتها اللونية الخضراء والصفراء والبنفسجية، ويعيدها ما بين الانطفاء والتوهج.
وقد انفردت لوحة واحدة في المعرض متخذة بعداً أو بنية رابعة، يمكن تسميتها بالبنية التخريمية أو النحتية التي تبني عمارتها الفنية من خلال استخدام القص والتخريم في إطار اللوحة، ومن الممكن أن تكون هذه اللوحة بلا جدار، وتُشاهد بوجهين متساويين في فضاء مفتوح، لو تدلت من السقف، كما خص إحدى اللوحات المعمولة على شكل إطار فارغ ومعلق.
وعبر هذه البنى الأربع، حقق الفنان محمد علي رؤيته الفنية والتجريدية مثل إيماءات لونية وخطية، تكشف عن تقنية بارعة في تجريد موضوعته والتعبير عنها مثل تلويحة مشرعة، قوامها الخطوط والألوان والشكل الإيمائي الجديد الذي يخفي تماماً صورتها الواقعية ويُظهر تخليقها الفني المجرد.
لقد أخفت اللوحات بحذاقة أي سردية تمثيلية، أو بناء لغوي وصور واقعية، وهو ما يؤكد بصمتها الجوهرية في سياق التجريد الفني الذي يواري صورة الواقع ويبني سرديته الجديدة في حركة الخطوط وصوت الألوان العميق والبعيد.
يوصف التجريد الفني في الرسم بأنه فن الإيماءة، والإيماءة ليست لغة فهي غالباً ما تصاحبها وتؤكد الكلام عند المتكلم، وترافق الأغصان في حركة الريح اللامرئية، وتزيح الظلام في نقطة ضوء، وفي الرسم، تظل مرئية خطاً ولوناً حاجبة عنها لغتها وصورتها الأصلية، وتواري الريح والأغصان ولا تعبر عنها بقدر ما تغدو تلويحة خطية ولونية من مصدرها، فالصرخة المكبوتة، أو الفرح العارم يستحيلان إلى شكل وحركة متجمعة عبر خطوط وألوان إيمائية وشيفرية وبصرية صرفة، تخفي مراجعها الدرامية وشحناتها الموضوعية، ولذلك فإن التجريد الفني أبعد الفنون التصويرية عن الرغبة وعلم النفس، إنها علم نفس البصر وإيماءات عن العالم الذي لا صورة فيه ولا تجسيد ويدخل في حروفية خط ولون جديدة، تصور نفسها على نحو جديد.
في معرض الفنان محمد علي، جاءت الإيماءة على نحوها الفني والتقني لتؤكد أسلوبيته في عدد من اللوحات لتنتقل من ثم إلى لوحات أخرى، عبر البناءات الهندسية التي تخفي آثار ثقلها المادي، وإنشاءاته الضوئية والتنقيطية التي تواري الظلام، مثلما تحجب انحناءات الخطوط العفوية السريعة، أصل حركتها الدافعة مثل ريح لا مرئية وتعرية طبيعة كامنة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *