بروكسل- “القدس العربي”: في خطابها السادس حول حالة الاتحاد الأوروبي، الذي ألقته أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، سعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى تقديم الاتحاد الأوروبي باعتباره إطارا قادرا على حماية مواطنيه واقتصاده وأمنه في مواجهة عالم وصفته بأنه “معاد بشكل متزايد”.
قالت فون دير لاين إن الاتحاد “لم يكن يوماً بهذه القوة”، لكنه في الوقت نفسه “قد يبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى”، مشيرة إلى مجموعة واسعة من التحديات، بينها الحرب في أوكرانيا، وارتفاع أسعار الطاقة، وتغير المناخ، وتطور الذكاء الاصطناعي، وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي، والمنافسة الصينية، والضغوط الجيوسياسية.
الذكاء الاصطناعي وحماية القاصرين
احتل الذكاء الاصطناعي حيزاً كبيراً في خطاب رئيسة المفوضية الأوروبية، التي أكدت أن أوروبا ستعتمد على قانون الذكاء الاصطناعي الذي أقره الاتحاد عام 2024، مع السعي إلى تعزيز التعاون مع دول مثل كندا والمملكة المتحدة في مجالات تقييم النماذج، والتحقق من سلامتها، والإنذار المبكر، والأمن.
ودافعت في الوقت نفسه، عن توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في الصناعة والطب والسيارات ذاتية القيادة، معتبرة أن أوروبا تمتلك قواعد بيانات صناعية ذات جودة يمكن أن تمنحها موقعاً تنافسياً. واستشهدت باستخدامات التكنولوجيا في التصوير الطبي والكشف المبكر عن السرطان.
أما في مجال شبكات التواصل الاجتماعي، فقد طرحت قيوداً عمرية جديدة لحماية الأطفال والمراهقين. وتشمل المقترحات منع استخدام وسائل التواصل قبل سن 13 عاماً، وعدم السماح بالحسابات الشخصية قبل 15 عاماً، مع إخضاع المستخدمين لحسابات محدودة ومراقبة أبوية، وإلزام المنصات بتوفير تصميم أكثر أماناً لمن تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاماً.
في الجانب الاقتصادي، حذرت فون دير لاين من اتساع العجز التجاري الأوروبي مع الصين، معتبرة أن تدفق المنتجات الصينية يضغط على الصناعة الأوروبية، مشددة على أن المفوضية ستستخدم الأدوات المتاحة لإعادة التوازن إلى العلاقة التجارية إذا لم تؤد المفاوضات مع بكين إلى نتائج.
وتدرس المفوضية وفق المقترحات التي عرضتها فون دير لاين وضع أهداف خاصة لبعض المنتجات للحد من تدفق الصادرات الصينية إلى السوق الأوروبية، مع إمكانية إغلاق السوق أمام منتجات معينة في حال عدم الالتزام بهذه الأهداف.
على الصعيد الأمني، أعلنت فون دير لاين أنها ستقدم في الخريف استراتيجية أوروبية جديدة للأمن، تتضمن بحث إنشاء “مجلس أوروبي للأمن” يعمل بالتنسيق مع دول شريكة مثل المملكة المتحدة والنرويج وأوكرانيا وكندا.
كما طرحت فكرة تطوير آلية أوروبية للتشاور السريع بين الدول الأعضاء عند وقوع حوادث تمس أمن إحداها، في تصور قريب من آليات التشاور داخل حلف شمال الأطلسي.
العلاقات مع كندا
وكان الحضور اللافت لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني في البرلمان الأوروبي إحدى أبرز لحظات الخطاب؛ واقتراح فون دير لاين أن تصبح كندا “أول عضو شريك” في الاتحاد الأوروبي، في إطار تعاون يشمل التكنولوجيا، والصناعات الدفاعية، والطاقة، والمعادن الحيوية، والبطاريات، إضافة إلى مشاريع مشتركة في منطقة القطب الشمالي.
غير أن صفة “العضو الشريك” المقترحة لا تملك حالياً وضعاً قانونياً قائماً في معاهدات الاتحاد، ما يعني أن تفاصيلها تحتاج إلى تفاوض لاحق، وقد يشكل اجتماع الاتحاد الأوروبي وكندا المرتقب في شهر أكتوبر مناسبة لتحديد ملامحها.
وأيضا، أكدت رئيسة المفوضية استمرار دعم الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا، وربطت ذلك بالحاجة إلى تعزيز قدرة الدول الأوروبية على التعامل مع التهديدات الأمنية والهجينة. كما دعت إلى تعزيز الوسائل الأوروبية لحماية الحدود ومواجهة التدخلات الأجنبية، بما في ذلك زيادة قدرات وكالة “فرونتكس” والأجهزة المعنية بمواجهة حملات التأثير والتدخل عبر شبكات التواصل.
وفي ملف الهجرة، اقترحت فون دير لاين إنشاء أداة للتعامل مع “حالات الطوارئ” تسمح، بصورة مؤقتة، باتخاذ إجراءات استثنائية عندما تواجه أوروبا تحركات جماعية للمهاجرين تعتبرها السلطات استخداماً للهجرة كأداة ضغط. ويعكس ذلك محاولة الجمع بين تعزيز التضامن الأوروبي في حماية الحدود والاستجابة للمطالب المتزايدة من التيارات اليمينية بتشديد سياسة اللجوء.
ورغم اتساع الملفات التي تناولها الخطاب، اعتبر منتقدون أن المقترحات المطروحة بقيت في معظمها تدريجية وتقنية، ولا ترقى، في نظرهم، إلى حجم الأزمات التي وصفتها رئيسة المفوضية نفسها.
ففي السياسة الخارجية، انتقدت أصوات في البرلمان الأوروبي أيضاً ما اعتبرته عدم اتخاذ إجراءات أوروبية أكثر قوة تجاه الحكومة الإسرائيلية، فيما دعت شخصيات من الاشتراكيين إلى إجراءات تشمل تعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد وإسرائيل وتعزيز حماية المحكمة الجنائية الدولية.
يأتي خطاب فون دير لاين في وقت أصبحت فيه موازين القوى داخل البرلمان الأوروبي أكثر تعقيداً، مع تنامي نفوذ الأحزاب اليمينية والمتشككة في بعض جوانب التكامل الأوروبي، فيما تعتمد رئيسة المفوضية على ائتلاف واسع ومتعدد الاتجاهات لتمرير سياساتها. وتظهر الخلافات خصوصاً في ملفات المناخ والهجرة والتجارة والدفاع، حيث تتباين مواقف اليمين والوسط واليسار بشأن حجم التدخل الأوروبي المطلوب. لذلك، فإن قدرة المفوضية على تنفيذ وعود الخطاب ستعتمد بدرجة كبيرة على التوافقات التي يمكن تشكيلها حول كل تشريع على حدة.
يكشف خطاب فون دير لاين عن صعوبة الموازنة بين تعزيز الحماية الأوروبية من جهة، والحفاظ على الانفتاح الاقتصادي والتزامات المناخ والتعاون الدولي من جهة أخرى. ومع اقتراب النصف الثاني من الولاية الحالية، ستنتقل هذه التعهدات من مستوى الخطاب إلى اختبارها في التشريعات والقرارات التي سيخوض حولها البرلمان والدول الأعضاء مفاوضات سياسية خلال المرحلة المقبلة.